أين حقي؟ - رباعية فكرية فلسفية
رباعية فكرية فلسفية
رحتُ أستفسر من عقلي وهل يدرك عقلي
محنة الكون التي استعصت على العالم قبلي
ألأجل الكون أسعى أنا أم يسعى لأجلي
وإذا كان لكلٍّ فيه حقٌّ
أين حقي؟!
فأجاب العقل في لهجة شكّاك محاذر
أنا في رأسك محفوفٌ بأنواع المخاطر
تطلب العدل وقانون بني جنسك جائر
إن يكنْ عدلاً فسلْهُ عن لساني:
أين حقي؟!
أنا ضيّعت كما ضيّعت جهداً في هباء
باحثاً عن فكرة العدل بكد وعناء
وإذا بالناس ترجو العدل من حكم السماء
وسماء الناس كالناس تنادي:
أين حقي؟!
أتُراني أرتئي ما يرتئيه النّاسكونا
وأجاري منطقاً يعتبر الشكَّ يقينا
وأقرُّ الوهم فيما يدّعيه الوهمُ دينا
أيعود العلم يدعوني بحقٍّ:
أين حقي؟!
إن أنا أذعنت للخلق وحاولت التعامي
كان شأني شأنَ من يطلب غيثاً من جهام
فنظام الخلق لا يعرف وزناً لنظامي
ونظامي لم يزل يصرخ مثلي:
أين حقي؟!
ما لبعض الناس لا يحسب للتفكير فضلا
ومتى ناقشتَه الرأي تعدّاك وولّى
زاعماً إبقاء ما كان على ما كان أولى
من جديد يعرف الواقع منه
أين حقي؟!
ليتني أسطيع بعث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر البهائم
وأصون الدين عمّا ينطوي تحت العمائم
من مآسٍ تقتل الحق وتبكي:
أين حقي؟!
يا ذئاباً فتكت بالناس آلاف القرونِ
أتركيني أنا والدين فما أنت وديني
أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يدعو:
أين حقي؟!
أنتِ فسّرت كتاب الله تفسير فساد
واتخذتِ الدينَ أحبولة لفٍّ واصطياد
فتلبّست بثوبٍ لم يفصَّل بسداد
وإذا بالثوب ينشقُّ ويبدو
ياذئآباً عصفت بالناس آلاف القرون
اتركيني مع هدى ديني فما أنتِ وديني
أمن الله قد استحصلتِ صكاً في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يشكو:
"أين حقي"
أين حقي؟!
بان هذا الثوب مشقوقاً لأرباب البصائر
فاستعار القوم ما يستر سوءات السرائر
هو ثوب العنصريات وهذا غير ساتر
وصراخ الأكثريات تعالى:
أين حقي؟!
كيف تبقى الأكثريات ترى هذ المهازل؟
يكدح الشعب بلا أجر لأفرادٍ قلائل
وملايين الضحايا بين فلاح وعامل
لم يزل يصرعها الظلم ويدعو:
أين حقي؟!
أمن القومية الحقّةِ يشقى الكادحونا
ويعيش الانتهازيون المزايا ينعمونا
والجماهير تعاني من أذى الجوع شجونا
والأصولية تستنكر شكوى:
أين حقي؟!
حرروا الأمة إن كنتم دعاةً صادقينا
من قيود الجهل تحريراً يصدُّ الطامعينا
وأقيموا الوزن في تأمين حقّ العاملينا
ودعوا الكوخ ينادى القصر دوما:
أين حقي؟!
يا قصورا لم تقم إلا بسعي الضعفاء
هذه الأكواخ فاضت من دماء البؤساء
وبُنوكِ استحضروا الخمرة من هذي الدماء
فسلي الكأس يجبْك الدم فيه:
أين حقي؟!
حاسبيني إن يكن ثمّة ديوانُ حساب
كيف أهلوك تهادوا بين لهو وشراب؟!
وتناسوا أن شعباً في شقاء وعذاب
يجذب الحسرةَ والحسرةُ تحكي:
أين حقي؟!
كم فتىً في الكوخ أجدى من أمير في القصور
قوْتُه اليومي لا يزداد عن قرص صغير
ثُلُثاه من تراب والبقايا من شعير
وبباب الكوخ كلبُ الشيخ يدعو:
أين حقي؟!
وفتاة لم تجد غير غبار الريح سترا
تخدم الحيَّ ولا تملك من دنياه شبرا
وتودّ الموت كي تملك بعد الموت قبرا
واذا الحفار فوق القبر يدعو:
أين حقي؟!
ما لهذى وسواها غير ميدان الدعارة
لتبيع العرض في أرذل أسواق التجارة
وإذا بالدين يرميها ثمانين حجارة
وإذا القاضي هو الجاني ويقضي:
أين حقي؟!
أين كان الدين عنها عندما كانت عفيفة
ومتى قدّر حقّاً لضعيف وضعيفة
ولماذا عدّها زانية غير شريفة
ألأنّ العرفَ لا يسمع منها:
أين حقي؟!
كان من واجبه يمنحها عيشَ كفافْ
قبل أن يضطرَّها تبتاعُ عيشاً بعفافْ
ولماذا أغلظ القاضي بها وهو مُنافْ
للنواميس ولا يسأل منها:
أين حقي؟!
كم زنى القاضي وكم لاط بوِلْدانٍ وحور
واحتسى أوفى كؤوسٍ من أباريق الفجور
أين كان الدين عن إجراء قاضيه الخطير؟
ولماذا لم يعاقبْه بسجن:
أين حقي؟!
ألقاضي الدين تمييزٌ على حال الجماعة؟
أعليه الحكم لا يسري وإن يأبى أتّباعه؟
أقضاة الدين أدرى بأساليب الشفاعة؟
واذا الدين ارتضاها لم يطالب:
أين حقي؟!
برياءْ ونفاقٍ يخدعون الله جهرا
أين مكر الله ممّن ملؤوا العالم مُكرا
إن صفا الأمرُ لهم لن يتركوا لله أمرا
وسيبقى الله مثلي مستغيثاً:
أين حقي؟!
ليس هذا الدينُ دينَ الله بل دين القضاة
لفّقوه من أحاديث شياطين الرواة
وادّعوا أنْ من الله نظامُ الطبقات
إن يكن حقاً فقلْ لي ياإلهي:
أين حقي؟!
ليس في وسعيَ أن أسكت عن هذي المآسي
وأرى الأعرافَ والأعرافُ من دون أساسِ
بين مغلوطٍ صحيحٍ وصحيحٍ في الْتباس
وكلا العرفين لا يُفهم منه:
أين حقي؟!
خطأٌ شاع فكان العرف من هذا الشياع
وصوابٌ حَكَمَ العرفُ عليه بالضياع
وسوادُ الشعب مأخوذٌ بخبثٍ وخداع
لقطيعٍ يلحق الذئب وينعي:
أين حقي؟!
ليس هذا الذنْبُ ذنبَ الشعب بل ذنب الولاة
وجّهوا الأمة توجيه فناء لا حياة
وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات
واذا الحرّاس للبيت لصوص:
أين حقي؟!
دولة يُؤجر فيها كلُّ أفّاك عنيد
أجرُه لا عن جهود بل لتعطيل الجهود
لم يواجه نعمة الأمة إلا بالجحود
واذا النعمة تغلي في حشاهُ:
أين حقي؟!
من فقير الشعب بالقوة تستوفى الضرائب
وهو لم يظفر بحقٍّ ويؤدي ألف واجب
فعليه الغرم والغنم لسُرّاق المناصب
أيُسمّى مجرماً إن صاح فيهم:
أين حقي؟!
من حفاة الشعب والعارين تأليفُ الجنودْ
ليكونوا في اندلاع الحرب أخشابَ وقودْ
وسراة الشعب لاهون بأقداح وغيدْ
وجمال الغيد يستوجب منهم:
أين حقي؟!
عائشاً عيشةَ رهْطٍ لم يفكّر بسواهْ
همُّه أن ينهب المال لإشباع هواهْ
أين من يفتح تحقيقاً يرى عمّا جناه
ويريه بانتقام الشعب جهراً:
أين حقي؟!
أيها العمال هبّوا وارفعوا هذي البراقع
عن وجوه ما بها غير سحاب ومصانع
واصرفوها عن عيوبٍ عميتْ عن كل دافع
وتراني صادقاً عنها بقولي:
أين حقي؟!
أيها العمال أين العدل من هذي الشرائع
أنتم الساعون والنفعُ لأرباب المصانع
وسُعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع
فليطالبْ كلُّ ذي حق بوعي:
أين حقي؟!
كيف يقوى المال أن يوجد في غير جهود؟
أين كان النقد لولا جهد صنّاع النقود؟
ومتى يقدر أن يخلق طيراً من حديد؟
فلهذا الجهد أن يدعوَ جهراً:
أين حقي؟!
أين كان المال قبل الجهد أو قبل الطبيعة؟
وهما قد سبّبا في غابر العهد شروعه
واذا بالمال لا يذكر للعهد صنيعة
وإذا بالجهد يستجدي مُهانا:
أين حقي؟!
لم يؤثر بيقيني ما أقاسي من شجونِ
فشجوني هي من أسباب تثبيتِ يقيني
ولتكن دنياي ما بين اعتقال وسجون
وليكن آخرُ أنفاسيَ منها:
أين حقي؟
*
بيروت - 1955