ما تَدلَّى من غُصون الرُّوح! - رُؤى ثقافيّة- 22
-1-
كثيرًا ما يتردَّد في خطابنا الأدبي المعاصر مصطلحُ (القطيعة الإبستمولوجيّة أو المعرفيّة)، وكثيرًا ما تُسقَط عليه خيبات الكتَّاب المعرفيَّة والبنيويَّة، وتُعلَّق به حالات الجهل والعجز والمرض؛ فيتردَّد القول بـ«القطيعة المعرفيَّة» كلَّما حوصر الكاتب لغويًّا أو جماليًّا.
تُرى هل القطيعة المعرفيّة تعني الجهل بالتراث؟
وهل هناك قطيعة معرفيّة في مجال الفنون والآداب، أصلًا؟
السؤال الأول واضح الإجابة، كما بيَّنَّا ذلك في مقاربة سابقة؛ إذ لا قطيعة عمَّا يجهله الإنسان. ذلك لأن القطيعة المعرفيَّة لا تنشأ إلَّا عن هضمٍ بالغٍ للمعطَى المعرفيّ القائم، والمعطى المعرفيّ الموروث، يَدفع إلى تجاوزهما، واقتراح بدائل عنهما، أفضل منهما، لا أسوأ منهما. وبذا فإن ما يتردَّد في الواقع الثقافيّ العربيّ اليوم حول القطيعة المعرفية لا يعدو- كما يبدو- تخلُّصًا من جهلٍ إلى جهلٍ: من جهلٍ بالتراث إلى جهلٍ بالقطيعة المعرفيَّة نفسها، مفهومًا ومصطلحًا. أمَّا القول بالقطيعة المعرفيَّة في مجال الفنون والآداب، فأُغلوطة، أو لنقل- وبحُسن ظنٍّ-: محض تعبيرٍ مجازيٍّ، ونِسْبيّ الدلالة، يُفهم في السياق العربيّ كثيرًا بحَرْفيَّة. من حيث إن المعرفة في هذا المجال تظلّ تراكميَّة واستمراريَّة وتواصليَّة، لا قطيعة فيها. والأصحّ أن يُطلَق على ما يحدث في سيرورة الفنون والآداب من طفرات جماليَّة، تتمخّض عن رؤى ناضجة: تجاوز، أو تجديد، أو تحديث، أو نحو تلك من الألفاظ: لا «قطيعة»؛ لأن القطيعة هاهنا غير واردة بمعناها الحقيقيّ؛ لطبيعة هذا الحقل المعرفيّ، القائم على اللغة الخاصَّة، بقواعدها ومائزاتها، وعلى الذوق الفنِّيّ القوميّ، وعلى الشخصيّة الحضاريَّة المستقلَّة. والقطيعة عن هذه الأصول لا تعني إلَّا شيئًا واحدًا: الانقطاع من الهويَّة اللغويَّة والفنِّيَّة والحضاريَّة. وهذا محض استلابٍ واغترابٍ، قد يقع عن جهلٍ، أو عن قصدٍ، أو عن فقدان انتماء، أساسًا.
إن القطيعة المعرفيَّة لدى مَن تحدَّث عنها مِن الفلاسفة- ولاسيما الفرنسيّ (جاستون باشلار Gaston Bachelard، 1884- 1962)، وهو فيلسوف هذا المفهوم الرفضيّ الإبستمولوجيّ- إنما تكون في مجال العلوم البحتة، لا في مجال الآداب والفنون. وقد قسِّم باشلار المراحل التاريخيَّة للعقل العِلْميّ إلى ثلاث: الحالة ما قبل العِلْميَّة، حتى القرن18، والحالة العِلْميَّة، حتى مطلع القرن20، ثم عصر العقل العِلْميّ الجديد، بدءًا من 1905، عقب نظريَّة النِّسبيَّة لأينشتاين Einstein، التي زعزعت الثوابت العِلْميّة السابقة. وساق أمثلةً على القفزات الهائلة التي حدثت بعد ذلك التاريخ في مجال العِلْم. هذا ما يذهب إليه باشلار في كتابه «تكوبن العقل العلميّ». وعلاة على ذلك فإن المصطلح نفسه إبستمولوجياÉpistémologie - المكوّن من المقطعين (Épistémê) و(logie)- إنما يعني تحديدًا: «لُغة العِلْم»، أو «منطق العِلْم»، أو قل: «عِلْم العِلْم». فهو معنيٌّ أساسًا بالعقل العِلْمي. وكلّ كُتب باشلار في هذا السياق لا تدور إلّا على العِلْم: كـ«تكوين العقل العِلْميّ»، «العقلانيّة التطبيقيّة»، «الفكر العِلْميّ الجديد»، «الماديّة العِلْمية»، وهلمّ جرّا. والفلاسفة الفرنسيّون بعامَّة لا يُطلِقون هذا المصطلح إلاّ على فلسفة العلوم وتاريخها الفلسفيّ، فيما يُستعمل في النطاق الأنجلوسكسوني بمعنى: «نظريّة المعرفة». (انظر مثلًا: شربل، موريس، (1986)، التطور المعرفيّ عند جان بياجيه، (بيروت: المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع)، ص81).
-2-
ومهما يكن من أمر، فما تزال الأصوات الشعريَّة العربيَّة الشابَّة تستدرك اليوم على ضلالات أجيالٍ سلفت، كانت تشبثت بدعوى القطيعة مع التراث؛ لأنها منقطعة أصلًا، لا لأنها مجدِّدة، بالضرورة. وهنا سأقدِّم إلى القارئ أنموذجًا واحدًا، من السودان. إنه صوت تلك الشاعرة الشابَّة (منى حسن محمد)، ومن خلال قصيدتها «مَا تَدلى من غُصون الرُّوح!»، التي عنونتُ بها المقال. ودونما ثرثرة النقد والنقّاد، دعونا نصغي إلى هذا الصوت المفاجئ، في زمن المدَّعين من الشعراء والشواعر:
«وهمستَلِي:
لاسِحرَيُشبهنيأوَىمنقبلُللكلماتِ،للمعنى،ولــالليلالطويلْ..
كلا.. ولاالتعويذينفعُ،إنْدنتْعينايترتشفانِوَجْهَك،تعبثانِبماتدلىمِنْغُصُونِالروحِ،
تجتازانِخارطةَالتوقُعِنَحْوَقَطْفِالمُستحيلْ..
وهمستَلِي:
لَمْأَدَّخِرْعِشْقـــًاوجِئْتُكِحَافِيَالآمالِ،درويشًاتزمَّلبالدُعاءِمبعثرًا ..
مابينماأبقى.. ومانهبالرحيلْ..
صافحتُقلبكِ..
لستُأذكرُحينهاكيفابتدأتُ؟
وكيفمتُّ؟
متىبُعثتُمُبشَّرًابالخلدِ؟
بالغفرانِوالصفحِالجميلْ؟..
وهمستَلِي:
لُمِّيشُموسَكِعندمي،لاظلَّلِي،قاسٍنهارُكِ،مترَفٌهذاالصهيلْ..
قاسٍنهارُكِ،والمدىوَلَهٌ،وتذكارٌ،ونِيْلْ..
قاسٍعليَّكماهواكِ،فكفكفيهذاالعويلْ..
تَعِبًاأتيتكِ،حَبْوَشوكِالشوقِ،
فانسكبيصُداحًافيمدايَ،
وغرِّديكالريحِحينتَهُبُّمنبوابةالذكرى،فيرتعشُالنخيلْ..
وهمستَلي:
مازلتُآمُلُأنأقيلْ..
مازلتِريحَسفينتي،كونيالمنارةَوالدليلْ...
وهمستَلي:
سيظلُّللذكرىعلىأشجارناأبدُالهديلْ...
وهمستَلي:
ماعدتُأذكرُماهمستَ؟!
تيبستْفيحلقِقافيتيالحروفُ..
تعثَّرتعندارتماءِالبوحفيلُغةِالرحيلْ!
مازلتُأذكرُكيفجئتَ؟
وكيفبِنتَ؟
متىارتحلت،محملابالوجدِ،بالخُذلانِ،والألمِالثقيلْ؟
حينَافترقنا،والهوىَ– وجعًا- قتيلْ..
حينافترقناكانأفقُالوعدِموفورَالرجاءوغائمًاحدَّالهطولِ،
وكنتُأبكي..كانكلالكونيبكي،
وارتعاشُاللحظةالثكلىيُطوِّقنا،وأشواقُالمدائنوالفصولْ
حينافترقناغادَرَالمعنىدلالتهُ،
ترجَّلَعنسماءالحرف،
غادرناوخيَّمفيمواويلالذُّهُولْ..
عبثًانلملمماتشظَّىفيدواخلنالنغرسبسمةًتندىبهاأرواحنا،
عبثًا ... ويغمرناالذبولْ..
وكذاافترقنا...
نظرةحامتتُفتشعنملاذٍفيخباياالبوحِيؤويها،ويهمسُ:
لافراقاليوم،فانسجميمعالإيناسِ..
هزِّيغيمةالآمالتمطرُمشهدًاغيرالذيأضناكِ،
وابتسمي،
سينساكِالأفولْ!»
...
مع الاعتذار للشاعرة لتغيير التنسيق في توزيع النص، من أجل ضيق المجال.
شِعر رفيع اللغة، طفوليٌّ الجمال، يُنبئ عن شاعرة قادمة، بملء السودان، خصبًا ورُواءً. لا يحتمل أكثر من الصمت، لاحتساء همسه الصادق، في عذوبة تتأبَّى على الحُزونة، مكتنزة الشِّعريَّة ريَّاها. تلك هي الشعريَّة العفويَّة، حين تقيم المعادلة النادرة التحقُّق، بين: التباس الشِّعر وجلاء المعنى، بين عمق الدلالة وسلاسة العبارة، بين الأصالة والحداثة.
إنه الشِّعر، لا انبتات لنبعه العربيّ الصافي، مهما شعوذ المشعوذون!