دعْ صليبَ الغرب جانباً فصلبان الشرقِ تَـكفينا
أيها البابا الآتي: دَع صليبَ الغرب جانباً، فصلبان الشرق تكفينا. رفعناها طَوال ألفي عامٍ شَهادةً للأخوّة الإنسانية فصلبونا عليها شهداءَ الأحادية. نستقبلك كواحدٍ منا. كونُك رأسُ الكنيسةِ الجامعة، لستَ ابن ألمانيا أو أوروبا أو الغرب فقط، دارِ الهِجرة المسيحية، بل أنت ابنُ هذا الشرق، أرضِ نشوءِ المسيحية. وبالتالي أنت ابنُ أورشليم وقانا وكفرناحوم، أنت ابنُ بيت لحم والناصرة والجليل، أنت ابن أفاميا وإنطاكية، أنت ابن بغداد وسهل نينوى، أنت ابن صيدا وصور.
أتذكر، سيدي البابا، تلك المرأةَ الفينيقية، ابنةَ الجنوبِ اللبناني، التي آمنَت بيسوع قبل أن يَشفيَ ابنتها، فيما ظلّ اليهودُ كافرين وقد رأوا كلّ أعاجيبه؟ هذه المرأةُ لا تزال في أرضها. ابنتها تزوَّجت رجلاً واحداً ورُزقت منه أولاداً، كـبُروا وكـثُروا وانتشروا. منهم من بقي مسيحياً ومنهم من أسلَم، لكنهم جميعاً افتدوا لبنان. الفداءُ هو استراتيجيةُ بقائنا ومصدرُ اطمئناننا.
زيارتك سيدي، راقيةٌ، مُهابة، حضارية، وروحية. اشتقنا إلى ضيفٍ يأتينا وديعاً، متواضع القلب. لا يَنضَح تحدياً وغطرسة، ولا يحمِل مشاريعَ وصايةٍ ومحاور. تكفينا يدُك تبارك كل لبنان.
فيما تطأ، أيها الأب الأقدس، أرضَ لبنان الصامد والمقاوِم والمحرَّر من ألف محتلٍّ ومحتل، نتوسّم عهداً جديداً يُطلّ على الشرق علّه يَـزُفّ إلينا قيامةً منتظرَة لا جلجلة أخرى. حين زارنا سلفُك البابا يوحنا بولس الثاني سنةَ 1997، وحدَه لبنان كان يبحث عن ربيعه فوجَده سنةَ 2005، أما اليوم فتزورنا والعالمُ العربي كله يبحث عن ربيعه ولم يجدّه بعد. حين زارنا سلفك كان لبنان نظاماً أمنياً من دون دولة، أما اليوم فلبنان دويلات من دون نظام. حين زارنا سلفك كان مسيحيّو لبنان موحَّدين رغم المنفى والسجون، أما اليوم فهم منقسمون مع أنهم أحرارٌ وعلى أرض الوطن. أمس كانت عذاباتُ المسيحيين أقوى من مصالحهم. اليوم صارت مصالح "زعمائهم" أقوى من عذابات شعبهم.
أثناءَ مكوثِك بيننا، ستلتقي أيها الأب الأقدس، أناساً طـيّبين رغم الحروب، وجماعاتٍ مؤمنةً بالحياة المشترَكة رغم الانفصام الاجتماعي، وطوائفَ مصمِّمةً على إنقاذ العلاقة بين المسيحيين والمسلمين رغم تصاعدِ الأصولية والسلفية والتكفير. ستجد في لبنان، أيها الأب الأقدس، شعباً عازماً على منع تحوير الرسالاتِ السماوية وثوراتِ الشعوب وهويةِ لبنان. ستجد شعباً مستعداً للاستشهاد من أجل هذه القيم. فلا تنسى، أيها الأب الأقدس، أنك تصل لبنان يومَ ذكرى استشهادِ الرئيس بشير الجميل، رئيسِ أجمل عهدٍ، عهدِ الـ 21 يوماً، وعهدِ الــ 10452 كلم مربع.
ليس صدفةً أن تختار زيارةَ لبنان تحديداً، وليس مصر أو العراق أو سوريا أو غيرها من بلدان الشرق حيث المسيحيّون يعيشون عذاباتٍ يوميةً ومصيرية، خلافاً لمسيحيي لبنان الذين انتصروا على المحن والإحباط وجدّدوا إيمانهم بلبنان والمسيحِ والحياةِ مع الآخر من دون أن يُديروا خَـدًّا لأي معتدٍ ولو كان شقيقاً.
خِيارك لبنان سيدي، هو رسالةٌ لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، بأن الوجود المسيحيّ في لبنان هو خطّ أحمر تُحظَّر التضحيةُ به على مِقصَلة الربيع الإسلامي. وبالتالي، لا بد من تقويته وتحصينه وحمايته ليستعيد دوره الوطني والحضاري، فيبقى شاهداً حياً على المسيحية المشرقية وحارساً لها يقِظاً. لقد غـيّرت الثوراتُ الإسلامية في حضارة الشرق أكثرَ مما غـيّرت في أنظمته، وغـيّرت في نمطِ الإسلام أكثرَ مما غـيَّرت في الدول. ويبدو التغييرُ الحاصلُ حتى الآن على الأقل، كأنه انتقال من المماليك البحريين إلى المماليك البرجيين[1].
خِيارك لبنان سيدي، هو رسالة لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، بأن التغيير في لبنان والشرق لن يمرَّ بتغييب المسيحية، بل بحضورِها ومشاركتها. كونُها سليلةَ هذه الديار، المسيحيةُ شريكة ميثاقية في رسم المصير والمستقبل. إنها عضو مؤسِّس لحضارة الشرق، وتَملِك تاريخياً "حقَّ النقض" لأي تغيير لا ينسجم مع القيم والحرية وكرامة الإنسان ومع مصلحة المسيحيين كمواطنين وكمؤمنين. وإذ يسعى مسيحيّو لبنان والشرق إلى تحييد أنفسهم عن الأحداثِ العسكرية، فهم ملتزمون قضيةَ حرية الإنسان والشعوب في هذا الشرق. إن غالِبيةَ حركات التغيير التقدمي التي حصلت في الشرق قام بها مسيحيون عرب أو مسلمون تأثروا بالفكر المسيحي.
لذا، أيها الحبر الأعظم، إن المسيحيين في لبنان والشرق، مهما تمايزت تعابيرُهم، يرفضون كلَّ الأنظمةِ العربية القائمة لأنها قمعيةٌ وظالمة، تضطهد الآخر ولا تحترم حقوق الإنسان. لكن ما يحول دون التزام النضال المفتوح، هو انحراف مسار التغيير، إذ أن الثوراتِ صادرت الديمقراطيات الجديدةَ قبل أن تُسقِطَ نهائياً الديكتاتوريات القائمة. إن طلائعَ الأنظمة الجديدة تثبت مخاوف المسيحيين، وكلِّ مواطنٍ عربي حرّ، بسببِ اعتمادِها الشريعةَ مصدرَ التشريع، فحلَّ التمييزُ عوض المساواة.
من هنا أظنك تقول يا سيدي لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، بأنه لا يحقّ لأحد أن يقرّر مصير لبنان والشرق باسم العدد، خصوصاً وأن هذا العددَ ما تكـوَّن طوعاً بالاقتناعِ والتبشير والإيمان فقط. أظنك تقول أيضاً لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، لقد فشِلتم في حكمِ الشرق، فتواضعوا، ولا تُـغطّوا عجزَكم عن تغيير الإيديولوجيا المجمَّدةِ بتغيير الأنظمةِ الفاسدة فقط؛ ولا تحاولوا بين الفشلين (الإيديولوجيا والأنظمة) أن تَجرفوا المسيحيين في دربكم.
لذا، ليس المطلوب، يا سيدي، من مسيحيي لبنان والشرق أن يلتحقوا بـ"الربيع العربي"، بل المطلوب من الذين يريدون ربيعاً عربياً حقيقياً أن يؤمنوا بالقيم العالمية، وهي مسيحية وإسلامية على حدٍّ سواء. المطلوب من "الربيع العربي" أن يتشبَّـهَ بالربيع اللبناني وبإسلامِ لبنان لا العكس. نحن لا نلتحق بأحد: لا بأقلياتٍ تريد تفتيت الشرق، ولا بأكثريات تريد السيطرة عليه. نحن نحيا أحراراً مع أبناء هذا الشرق شرط ألا يدَّعي أحدٌ منهم امتلاكَه إياه ويعتبر الآخرين أُجَراء.
خِيارك لبنان يا سيدي، هو رسالة لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، بأن وجهةَ سير الفاتيكان في الشرق هي نحو احترامِ التعددية والحرية والمساواة والديمقراطية وتآلف الأديان. وكأني بك تقول للمسلمين: اليهود رفضوا المسيحية، أما أنتم فلا تَنقضوها، وقد وردت في القرآن بأبهى السوَر والآيات. اليهودي يَنكَر المسيح ليبقى يهودياً، أما المسلم فإن نكَره وأساء إلى أهل الكتاب فيطعن بإسلامه. وأكثر من فهم هذه الحقيقة، يا سيدي، هو المسلم اللبناني، لذا، أمامك أعلن فخري به ومحبتي إياه.
خِيارك لبنان، يا سيدي، هو رسالة لمن يعنيهم الأمر، وهم كثر، لإنقاذ التجربة اللبنانية من السقوط لأن سقوطَها لن يقتصر على لبنان، بل سيعُم مختلفَ الدول التي يعيش فيها مسيحيون ومسلمون في دولة واحدة. وقد تكون هذه الرسالة النداءَ الأخير قبل انهيارِ الوحدة اللبنانية، لأن سقوط صيغة لبنان، وسط ما يجري حولنا، يُضعِف مبرِّرَ وحدةِ لبنان الكيانية.
إن كان مجيئك، أيها الأب الأقدس، يحمل رسالات متنوعةً إلى الشرق، فهو يطلق نداء إلى الغرب أيضاً. نداءٌ تدعو فيه أهل الغرب، حكاماً وشعوباً، إلى احترامِ تاريخهم لأن جذور مسيحيّتهم هي هنا، في هذا الشرق العظيم. نداءٌ تحذّرهم من خطر سقوط المسيحية في الشرق. آنذاك، تصبح المسيحية الغربية غصناً بلا جذور، والفاتيكان دولة في المنفى. وأساساً، إن حاضرةَ الفاتيكان، بعيداً عن أورشليم، هي أول دولةٍ تُبنى على غير أرضها وبشعب مستعار. أورشليم هي الفاتيكان الأم. ونحن مسيحيّو المسيح وأناجيلُه، نحن رُسله ورسائله، نحن سراجُه وحصاده، نحن سلامُه وحُسامه، نحن جنودُه وشهداؤه، نحن تجلـيِّـاتُـه وظهوراته، نحن جروحاتُه الخمسةُ وصليبه النوراني، نحن حياتُـه وموته وقيامته، نحن بشارتُـه المتجددة.
أيُعقل، أيها الأب الأقدس، أن تعودَ اليهودية إلى الشرق قسراً وأن تغادرَه المسيحيةُ قهراً؟ أيعقل أن يرجِع الفتحُ الإسلامي ولا من يفتح الكنائسَ في الديار؟ إن المسيحيةَ هي دين الانتشار لا دينُ النزوح. المسيح مبشِّـرٌ وليس نازحاً.
نعرف أيها الأب الأقدس أنك لا تحمل إلينا حلاً بل نعمة. الحلول في الشرق كثيرة لكن النعم قليلة. ونحن نحتاج إلى النعمة لاعتمادِ الحلولِ الشجاعة المتوافِرة لكل القضايا الوجودية، أكانت دينية أم دستورية. لذا ننتظر منك مجموعةَ تعاليم ولحظاتِ تأمل وتنقيةِ ذاكرة ووضوحِ رؤية. هذه هي مناهل السلام بين الشعوب. لا ينقص الشرق أديان بل مؤمنون. ولا ينقص الشرق انتصارات بل سلام. لكن أنـى للشرق ثقافةُ الإيمان السمِح والنصر الحضاري. انتصاراتنا مجبولة بالشر. وكل إنجاز لا يسيل منه دمٌ ودمار وسيطرة لا نُعدّه انتصاراً. الفكر، الإبداع، التعايش، التسامح، السلام، الصلح، كلها هزائم بنظر العرب، لأن مفهومَ الانتصار هنا هو ضد الآخر، فيما الإنجاز الإنسانيُّ الأسمى هو النصر السلمي مع الآخر ومن أجله. إني مستعد، كمسيحي، أن أموتَ من أجل المسلمين لأني أريد أن أحيا معهم.
أتمنى أيها الأب الأقدس، أن تكون هذه الخاتمةُ فاتحة زيارتِك، بل رسالتك إلى اللبنانيين والعرب والفرس. أهلاً بك في دارنا.
نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية
[1]حَكمَ المماليك التركمان132سنةً (1382/1250) وسكَنوا أريافَ مِصر على ضِفاف النِيل فَعُرِفوا بالمَماليكِ البَحريّين. وحَكم المماليك الشركس 135 سنة (1517/1382) واستقرّوا في قلاعِ مِصر وأبراجِها فعُرِفوا بالمَماليك البرجيّين.