الشــــعــبُ يـَـنــتــظــر مَـــــكْـــــرُمـــــةً حـــكـــومــــيــــة
الحكومات بناتُ ظروفها، وكل مرحلةٍ تستلزم حكومةً خاصة بها. والحكوماتُ عموماً هي هيئاتٌ دستورية سياسية تُــناط بها السلطةُ التنفيذية مهما كان الشكل الدستوري للنظام (رئاسي أو برلماني، مركزي أو فدرالي). ويُــفترض بالتالي، أن تكون الوزارةُ مسؤوليةَ السياسيين أولاً، والإدارةُ مسؤوليةَ التكنوقراط أولاً. رغم ذلك، لجأ لبنان إلى صيغٍ حكومية مختلِفة لانتظامِ حكم الدولة أو لمواكبةِ أزَمات مُستفحِلة. وحافظت كل الحكومات، على اختلاف أنواعها، بما فيها الحكومات العسكرية، على تكوينٍ دستوري وميثاقي.
تشكلت في لبنان حكوماتُ "الأكثرية البرلمانية" زمنَ ثقافةِ الديمقراطية واحترامِ نتائج الانتخابات، وحكوماتُ "الوِحدة الوطنية" مع بروز أخطارٍ سياسية، وحكوماتُ "الانقاذ الوطني" أثناءَ الحروبِ والأزمات الكبرى، وحكوماتُ "الإكسترا ـــ برلمانية" (تكنوقراط) لدى إطلاق خططٍ إنمائية، وحكوماتُ "العسكريين" عند حدوث استقالةٍ أو فراغٍ في سدّةِ الرئاسة الأولى.
قبل "اتفاقية الطائف" طغت حكوماتُ الأكثرية البرلمانية على ما عداها (الأكثريةُ تحكم والأقلية تعارض). بعد الطائف أصبحت الحكومات هجينة. اختلطت كل المفاهيم الدستورية والوطنية والميثاقية بفعلِ الاحتلالِ السوري، وسقوطِ مفهوم الديمقراطية في البرلمان والدولة والمجتمع، ثم بسببِ سلاحِ حزب الله والصراعِ المذهبي. وجاءت "تسوية الدوحة"، وقد وُضعت لمرحلةٍ محدَّدةٍ ومحدودة، لتزيدَ إشكاليةً جديدة على منهجيةِ تشكيل الحكومات في لبنان من خلال بِـدعةِ الثلثِ المعـطِّـل.
انطلاقاً من تعدديةِ الصيغ الحكومية، كان لكل حكومة، بما فيها الحيادية، دورُها الممـيَّــز. ولا يجوز، استطراداً، رفضُ أيِّ صيغة حكوميةٍ بالمطلق، إنما استناداً إلى مدى ملائمتِــها المرحلةَ التي يجتازها الوطن. منذ الاستقلال عرَف لبنان حكوماتِ تكنوقراط عديدةً فــغَــذَّت الحياةَ السياسية بنخبٍ جديدة ما كانت لـــتَبرز لو اتكلت على مبدأ تكافؤِ الفرص المفقود في بيئتها العائلية والطائفية والحزبية. وإذا كان رأيٌّ عامٌّ معــيَّن يتحــفّــظ اليومَ عن حكومة تكنوقراط أو حياديةٍ فلعدّة معطيات أبرزها:
إشكالية الحكومات الحيادية
غالباً ما كانت تُــؤلّـف حكومات التكنوقراط في بداية العهود الرئاسية، لا في نهاياتها، في إطار نهضةٍ إدارية وإصلاحية، فيمنحها المجلسُ النيابي صلاحياتٍ استثنائيةً لمدة معينة لكي تُـصدر مراسيمَ تشريعيةَ تسرّع تحديثَ الدولة. أما بعد تعديلات الطائف، فلم يَـعد المجلسُ النيابي، الضنينُ بصلاحياته، يمنحُ أيَّ حكومةٍ صلاحياتٍ استثنائية. وعلاوة على ذلك، لم يَــعرف لبنان حكوماتِ تكنوقراط إبّــــان الأزماتِ الوطنية، بل حكوماتِ إنقاذٍ مصـغّـرة (أقطاب) أو وِحدةٍ وطنية موسَّعة (ممثلو القوى السياسية).
العهود التي اعتادت تأليفَ حكوماتِ تكنوقراط هي عهودُ ما قبلَ دستور الطائف حين كان رئيس الجمهورية يملِك صلاحيات دستوريةً حاسمة وتَـتـبَـعه أكثريةٌ برلمانية عابرةُ الطوائف. فكانت قوة الرئيس الدستورية والبرلمانية (والشعبية غير المباشَرة) تُــعــوِّض الضعفَ السياسيَّ للوزراء غير السياسيين من جهة، وتستميحُ مؤقتاً التمثيلَ المباشر للأحزاب المسيحية من جهة أخرى. أما بعد دستور الطائف الذي حَشَر السلطةَ التنفيذية في مجلس الوزراء مجتمِعاً، وليس لدى رئيسي الجمهورية والحكومة، فأصبح من المحـتَّم دستورياً وميثاقياً أن تكون كلّ الحكومات سياسيةً؛ إذ لا يكفي من الناحية الميثاقية أن يحترم التأليفُ التوزيعَ الطائفي العدديّ فقط، بل الصفةَ التمثيليةَ السياسية لكل وزير أيضاً. فمَن لا يمثّــلني سياسياً لا يمثّـــلني حكومياً. غير أن ذلك لا يمنع تطعيمَ الحكومات السياسية بشخصيات نخبويةٍ ونقابيةٍ ونسائية غيرِ حزبية لأن المجالسَ النيابية والأحزابَ اللبنانية، بوضعها الحالي، لم تَـعد تُــمـثّــل وحدَها كل فئات المجتمع.
كان تأليف حكومات تكنوقراط يـَـتِــــمُّ من ضمن تفاهم مسبَق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف من جهة، والكتل النيابية والأحزاب من جهة أخرى. لم تكن حكوماتُ التكنوقراط تحدّياً للقوى السياسية عموماً ولا انتصاراً لفريق سياسيّ على فريق آخر. ولم يكن تأليف حكومةِ تكنوقراط مطلبَ فريقٍ سياسيٍّ، بل إرادةً رئاسية خلافَ ما نَشهده اليوم حيث أن رئيس الجمهورية يُــفضّل حكومةً سياسية فيما فريقٌّ سياسيّ يطالب بحكومةٍ غير سياسية لإقصاء فريقٍ سياسيّ أخر عن الحكم لأنه يعتبره خارجاً أصلاً على الشرعية.
في هذا السياق، إن الحكومةَ الحيادية التي يحاولون تشكيلها هي غيرُ حيادية بقدر ما هي حكومةُ "أمر واقع". وبذلك، تَــفقد مبرّرَ تأليفِها الوفاقي وتُــعتبر بالشكل والمضمون حكومةَ تحدّي للفريق الــمَـقصِيِّ عن سابق تصور وتصميم (أياً كان هذا الفريق). أكثر منذ ذلك، إن طرحَ البعض فكرةَ الحكومة الحيادية جاء مفعماً بالحقد على الأحزاب، فيما أحزابُــنا الوطنيةُ هي الصخرة التي واجهت كل التحديات. وأظهرت التجاربُ في لبنان أن حكوماتِ الأمر الواقع سبَّـبت ــــ حتى قبلَ وجودِ سلاح حزب الله ــــ بأزمات وأحداث من عهدِ الرئيس بشارة الخوري إلى اليوم.
منذ الاستقلال إلى اليوم قــلّما تمكنت شخصية تكنوقراطية من أن تتحول شخصيةً سياسية قيادية لا لدى المسيحيين ولا لدى المسلمين، مما يؤكد أن الزعامة، بما فيها الزعامات الوراثية، ليست هديةً معلَّبة، بل نتاجُ جُـهدٍ وكدٍّ ونضال وتضحيات وتواصلٍ وِجداني مع الناس.
إن البحثَ عن الوزراء التكنوقراط لا يجري غالباً على أسس حياديةٍ وموضوعية. فبينما يَـزخَر المجتمعُ اللبناني بنخبٍ مميزة ومبدِعة، نلاحظ أن معيارَ الكفاءةِ والنزاهة ليس المعيارَ الدائم لاختيار وزراء تكنوقراط مع أن مفهومَ حكومة التكنوقراط أصلاً هو الكفاءةُ والنزاهة. فعبرَ عهودٍ مختلِفة، ولاسيما بعد اتفاق الطائف، اعـتُــمد معيارُ المحسوبيةِ والــقُربى والسخاء (المسبَّق والمؤخَّر) في تعيين عددٍ من الوزراءِ الذين لا علاقة لهم لا بالشأن العام ولا بالمجتمع المدني ولا بالفئة النخبوية، علماً أن وزراء تكنوقراط آخرين نجحوا أخلاقياً وإدارياً وطبعوا وزارتِهم بإنجازاتهم.
إن التمعّنَ في ملابساتِ مشروعِ تأليف حكومةٍ حيادية (أمر واقع) يَـكشف أن حكومةً كهذه مخالِفةٌ "لإعلان بعبدا" نصاً وروحاً، حتى لو اعتمدته في بيانها الوزاري. ذلك أن حكومة الأمر الواقع لا تنسجم مع رغبة فريق لبناني فقط، بل تلــبّي أساساً مطلبَ مِحورٍ عربي. فأين التزامُ الحيادِ الذي نادى به "إعلان بعبدا"؟!
استهداف رئاسة الجمهورية
استناداً إلى ما تقدَّم، تحتاج البلادُ اليوم حكومةَ سياسيين، بل حكومة أقطاب، تلملم أشلاءَ الأمن المفقود، تعالج شؤونَ الناس، تحضِّر لانتخابات رئاسة الجمهورية، وتخلق الأجواء لحوار وطني في مطلع العهد الجديد حول الاستراتيجية الدفاعية والاصلاحات الدستورية.
وأساساً، إن التقاءَ تجـمُّـعَي 8 و 14 أذار على تسميةِ تمام سلام لتشكيل حكومة يعني أمرين بديهيين: الأول أنهما حاضران للمشاركةِ معاً في الحكومة، والثاني أن الرئيس المكلَّف مستعدّ لتشكيل حكومته من القوى التي سمّــته. وبالتالي، لا يجوز للكتل النيابية أن تتصرف لاحقاً بعكس موقفها في الاستشارات، ولا يجوز للرئيس سلام أن يتصرف بعدَ التكليف بعكس الاجماع الذي حَظي به. وإلا فالاعتذارُ تصرفٌ دستوري شهمٌ أكثر من هَـدرِ الأيام والأسابيع والأشهر وتهديدِ وحدة لبنان. فحذارِ قَلبَ شعارِ صائب سلام: " لبنان واحدٌ لا لبنانان".
في مثلِ هذه الظروف، إن الجلوسَ مع الآخَر، الشريكِ في الوطن، ليس خِياراً بل واجبٌ. والجلوس معه لا يعني التسليمَ بتجاوزاته ومشاريعه بل هو محاولة للتصدي له ولها من داخل المؤسسات الدستورية. وخلافُ ذلك هو مشروع اضطرابات في البلاد. وبغض النظر عن موازين القوى بين 8 و 14 آذار، وأياً يكن الخاسر نتيجة هذه الاضطرابات، فالبلاد لا تحتمل حروباً جديدة وتدميراً جديداً وتهجيراً جديداً.
إن المرحلةَ الحالية لا تتحمل مواقفَ غيرَ مدروسةِ النتائج والارتدادات وغيرَ مبنيةٍ على معطيات واضحة حول تطور الأحداث والتسويات في الشرق الأوسط. والأطراف الذين يتخذون مواقفَ معانِدةً يُــفترض بهم أن يكونوا قادرين على ترجمتها وحمايتها وحماية البلد. فبوجود قادةٍ مسالمين، ومشروعٍ يُـــفسِّره كلُّ مكــوِّن على ذوقه، ومجتمعٍ سئِم الشعارات، وجيشٍ محرَج، وحلفاءَ لا يُــركن إليهم، وتنظيماتٍ متطرفةٍ غيرِ مضبوطة، يجب تمريرُ هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة.
مهما تَــغـــنّـــينا بالوحدةِ والتعايش وبلبنانَ الرسالة، فلا يَــغِـبْ عن بالنا أن لبنانَ لا يزال موحَّداً بسبب صعوبةِ تقسيمه لا بفضلِ ولاء كل ابنائه له فقط، فلا نَمتَحِن أكثر بعضنا البعض. وما الأخطار المحيطةُ بانتخابات رئاسة الجمهورية سوى التعبيرِ الصارخ عن لامبالاة فئات لبنانية بمصير الجمهورية والنظام والكيان.
لذا، بصراحة ما بعدها صراحة، لسنا مستعدين كمسيحيين، وكموارنة تحديداً، أن نفقدَ رئاسةَ الجمهورية بسبب صراعٍ سني شيعي ومزاجيةِ هذه الدولة أو تلك. قَـبِلنا برئيس المجلس النيابي الذي اختاره الشيعةُ وبرئيس الحكومة الذي اختاره السُنةُ، فاسمحوا لنا، هذه المرة، برئيسٍ الجمهورية. هنا الرهان وليس الحكومة.
إن المعركةَ الخبيثة حول الحكومة تُـخفي ـــ بل تفضح ـــ معركةً سنية شيعية على حكمِ لبنان بتغييب رئاسة الجمهورية. والفريقُ الذي يَشعر أني تحاملت عليه بهذا الاتهام، أكان شيعياً أم سنياً، فليبرهن العكس من خلال تسهيل تأليف حكومة طبيعية للبنان طبيعي.
لماذا اغتيل محمد شطح؟ لماذا مات الأبرياء في الضاحية الجنوبية؟ من أجل أي قضية؟ من أجل الصراع السني الشيعي؟ من اجل التنافس بين 8 و 14 أذار؟ من أجل الحكومة الحيادية أو السياسية؟ من أجل القصيْر وجسر الشغور؟ من أجل الأنبار والفلّوجة؟ من أجل السعودية وإيران؟ لا شيء يُــعوّض خسارةَ محمد شطح والضحايا الأبرياء.
نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية