لور غريّب ومازن كرباج في "غاليري جانين ربيز" ..

محمد شرف قرأها 6
  

الحرب بوصفها مقاماً تعبيرياً خلاّقاً

 ggggggytytytytdtdh555d5dhfcgcvhg.JPG

تموز – آب 2006، ولو شئنا التحديد لقلنا 33 يوماً، اي الوقت الذي استغرقته الحرب الاسرائيلية على لبنان. فترة زمنية لنiiiiiiiiiiihkghghff55rtf.JPG تمحى بسهولة من ذاكرة اللبنانيين وستبقى مفاعيلها قائمة حتى أمد غير مسمّى. فالحدث كبير ولم يفلت من تأثيره احد، وإن بنسب متفاوتة. قدِّر للكثيرين، إن لم يكن للجميع، الخروج من روتين الحياة اليومية العادية والوقوع في روتين منهك من نوع آخر: متابعة وسائل الاعلام، المرئية منها في شكل خاص، للاطلاع على مجريات حرب خلّفت الدمار والفظائع وفرّقت العباد على كل زاوية ومكان.

واذ كنا عشنا الحرب جميعاً بطريقة او بأخرى وسمعنا اخبارها، فإن مجريات الفعل حيالها جاءت، في طبيعة الحال، متباينة. لور غريّب ومازن كرباج يتعاملان مع الحدث على طريقتهما الخاصة، اذ يقوم كل منهما برسم انفعالاته على شكل يوميات تتابع الحدث عبر اسلوب خاص لينتج من هذه المعاينة او المقاربة التشكيلية ما يفوق 60 رسما للور غريّب وضعفها لمازن كرباج، تعرض جميعها بدءا من اليوم وحتى 28 الجاري لدى "غاليري جانين ربيز"، يضاف اليها 25 عملا لغريّب يلتصق معظمها بجوانب اخرى من حياة الوطن ومعاناته.

لوحة كبيرة تستقبل الداخل الى المعرض، هي عبارة عن عمل غرافيكي بالأسود والأبيض، ككل الأعمال الأخرى المعروضة، الأصغر حجماً، او كمعظمها. عمل يشي منذ اللحظة الأولى بالجهد الذي بذلته لور غريّب في سبيل إخراج هذا الموزاييك البانورامي المربّع الشكل. واذا كان المشهد المتكامل، ذو الطابع التمثيلي عادة والمحيط بموضوع محدد، هو من صفات البانوراما التي تتشكل غالبا ضمن حدود مستطيلة ومتطاولة لتعالج فكرة ما من ألفها الى يائها، فان عمل الفنانة يتخذ وجهة تكثيفية وتأليفاً مركباً تتداخل فيه الكتابة. ونعني هنا النص مع أشكال ورسوم غرافيكية أخرى.  النص بعيد عن العبث، وكُتب كمقطوعات متفرقة ومتموّجة لا تتبع نمطاً افقياً، وتطاول السياسة والشعر والفلسفة والحوادث اليومية. وفي تداخله مع الرسم، يتحول الكل الى ما يشبه الزخرفة التي تتنوع تفاصيلها وتتبدل تبعاً للمسافة الفاصلة بين اللوحة والمتلقي.

عمل يبدو كأنه الأم – الأساس الذي تتولد منه اللوحات الأخرى، الصغيرة، التي من شأنها أن تتوزع على جدران القاعة بحسب ترتيب كرونولوجي. الحرب دون سواها تقع في صلب هذه الأعمال الأخرى. كانت لور غريّب في حاجة الى أيام عدة بعد انطلاق شرارتها كي تستثيرها تلك الحاجة الملحة للرسم وللقول، في اليوم الثامن، "اين بقية أشلائي"، او "أين الأحشاء". الكتابة في اللوحة جزء مكمل للرسم، بالرغم من عدم تطابقها الشكلي او الضمني أحياناً مع الخط الغرافيكي ومؤشراته. ثمة شعور قد يتولد لدى المشاهد ان الرسم والكتابة هما، في نهاية المطاف، تصادم عنيف لهواجس متضاربة تتجول في ذهن من يراقب الحدث وهو عاجز عن التدخل فيه عملياً. نساء ورجال واطفال وآلة عسكرية اسرائيلية تبدو كأنها وليدة عالم تكنولوجي لا عهد لنا به. آلة مقبلة لـ"تخلص" الخليقة، ظلماً، من ذنوب لم يقترفها الناس يوما، ولتحوّل وطنا خريطة مرتجفة تعلّمنا رسمها في المدرسة، ذات يوم، والتصقت تعرجاتها في اذهاننا. تتساءل الفنانة عمّن يحكم تلك الارض التي تمثلها الخريطة المرتجفة في زمن التيه الجديد، حين يُترك الوطن وحيدا ويكثر المتفرجون على الارض المحروقة.

لا يغيب 14 آذار عن أعمال لور غريّب. يحضر في اكثر من مكان، ويكون هذا الحضور طاغياً في لوحات تبدو كأنها وضعت لتلك المناسبة، تعتمد فيها الفنانة تقنية الالصاق والتركيب و"شبه التجهيز" لعناصر تلتصق بذاك اليوم او بمدلولاته او بشهدائه، او لأشياء صغيرة، ذاتية أحياناً، تمتّ بصلة الى الذكرى. هذه الأعمال التي سيتدخل فيها اللون، على خلاف الاسود والابيض المميزين لمجموعة الحرب، قد نجدها في المعرض في زاوية خاصة، لكنها، في رأينا، تتكامل بصريا، ولو في شكل نسبي مع الأعمال الأخرى.

اذا كانت لوحات لور غريّب تنم عن تعاطٍ محترف مع مسألة التأليف، وتقيم الاعتبار لتوازن المكوّنات والتفاصيل، فان رسوم مازن كرباج، نجل الفنانة، تتعامل مع الموضوع بعفوية ظاهرة، وتقاربه مباشرة وتنهي العمل عليه انطلاقاً من مبدأ: قل كلمتك وامش. صفحة لور غريب تمتلىء أحياناً بالعناصر المتضاربة لتصبح مشبعة غرافيكياً ولتبدو اشبه بجزء من سلسلة، بحيث ان وضع تلك الصفحات جنباً الى جنب قد يؤدي الى تأليف مركّب يصبح ضمنه العمل الواحد قطعة من كل. بينما تصبح الصفحة عند مازن كرباج قليلة العناصر والتفاصيل احياناً. تقبض على فكرة موضوعها بسرعة وترسمها بسرعة ايضاً، مما يجعل خطوطها عصبية ونزقة وتعتمد نمطاً مونوكرومياً ضمن اللون الواحد: الاسود. ولا يتوانى الرسام عن تغطية مساحات كاملة باللون عينه، مما يساعد في تركيز الشحنة الانفعالية ويفي ببعض ضرورات التأليف. وفي سعيه نحو دفع هذا التركيز الى حدوده القصوى، قد يلجأ الى كتابات مختصرة اكبر حجماً، تتناقض مع الشكل العام وتعكس الهاجس الاساسي المكوّن للفكرة.

مقاربة مازن كرباج لموضوعه قاطعة، لا مجال فيها للمساومة، تشير الى الاشياء بأسمائها بلا تردد، وتتجسد كلمات تحاذي الرسم او تخترقه او تحيط به وتخرج منه، تصف الحال اليومية خلال الحرب من الوجهين الذاتي والموضوعي. الذاتي هنا يتفاعل، في طبيعة الحال، مع الموضوعي، يتلقف الحدث والواقعة: تحليق الطيران اليومي والقصف اليومي والمجازر اليومية.

لكن هذه الأفعال قد لا يراها الا من خلال ما تتركه من اثر سيكولوجي يتجسد قلقاً او غضباً او سخرية في رسوم لا تغيب عنها الرموز والاشارات والمقارنات، ضمن اخراج مبسط في غالب الأحيان. نتذكر هنا اول أفلام المخرج الروسي اندره تاركوفسكي، "طفولة ايفان"، الذي اعتبر من أجمل الاشرطة المعالجة لموضوع الحرب، بالرغم من خلوّه من طلقة رصاص واحدة او من مشاهد حربية على الطريقة الهوليوودية. رأينا الحرب في الفيلم من خلال عيون ايفان الذي دمرت تلك الحرب طفولته، ليصير بالغاً قبل الأوان. هل يكون ايفان هو نفسه الذي نراه في رسوم مازن كرباج؟ شبه التطابق في الاسم مثير لعجب فعلاً.

الطابع المباشر لتلك الرسوم، وضوح الفكرة او استعارتها للرمز، طريقة اخراج الصفحة ووضعية مكوناتها، ذلك كله يقرّب اعمال الرسام من تقنية الملصق ذاتها على اعمال لور غريّب. وفي كل الاحوال قام الاثنان برسم يومياتهما المتعلقة بالحرب وكتابتها في آن واحد، وإن كان هذا المزج الغرافيكي ليس الاول من نوعه، لكن التعامل اليومي مع الموضوع والتسجيل المباشر للانطباعات المختلفة والمتداخلة الذي اعتدنا رؤيته لدى رسامين حملوا معهم دفاترهم او "يوميات السفر" في رحلات شبه سياحية، نراه هنا في قالب مختلف وضمن ظروف غير عادية، مما يضع رسوم لور غريب ومازن كرباج في مقام تعبيري من نوع خاص عن فترة عصيبة في تاريخ الوطن لن تُنسى بسهولة.

 ooooooooooooohjghfgtftdft.JPG