شاعر أصيل: لا أريد أن يتعرّضوا لديواني بالنقد

نبيل عوده قرأها 6
 

حدثني صديق عزيز وشاعر مبدع أثبت نفسه على الساحة الأدبية، انه في سبيله لإصدار ديوانه الشعري الجديد. قلت له بلا تردّد، ان ذلك بشارة خير لعلها تساعد القارىء على التمييز من جديد بين الغثّ والسّمين مما ينشر من شعر في بلاد صار الشعر فيها عقاب للقارىء. قال ولكني خائف من النقد. استهجنت خوفه .. فسارع يقول: لا أقصد الخوف من النقد الادبي، انما أحتقر النقد الذي يسود صحافتنا ويسوّد بياض صفحاتها.

قلت: إذن اكتب مقدمة للديوان، اذكر فيها ان نقد الديوان ممنوع الا لمن يحصل على اذن مسبق من الشاعر، وكل من يتجاوز ذلك، سيجازى قضائياً بتهمة التشهير وتجاوز الحدود.

ضحك حتى كاد يختنق ..

عندما استعاد أنفاسه أضفت: كنا في مشكلة أدبية واحدة فأصبحنا في مشكلتين

سأل: ماذا تعني ؟

أوضحت: كنا نتحدث عن فوضى الشعر في بلادنا، والمستوى المتدني لما ينشر، فبرز من يحوّل الفوضى والشعر المتدني الى شعر عبقري وإبداعات لا مثيل لها منذ فجر الحضارة، حتى تبدو الياذة هوميروس بجانب الشعرغير الناضج الذي شحذ أقلام نقادنا الأوادم وسحرهم، عملاً ضحلاً ساقطاً. وواصلت القول وهو مصاب من جديد بالاغشاء ضحكاً: حتى محمود درويش لم يحظ بمثل هذا المديح المنفلت وهو في قمة عطائه قبل ان يغادرنا .. ولا أذكر ان شعراءنا المعروفين، بدءا من توفيق زياد وسميح القاسم وحنا ابو حنا وحنا ابراهيم وجمال قعوار وفوزي عبدالله وسالم جبران وغيرهم، حظوا بمثل هذا التقييم كعباقرة الشعر، كما يحدث اليوم في ما يسمى نقداً.

التقط أنفاسه وسأل: الحل ؟

قلت بلا تردد: أن نشترك بالتهريج !!

- كيف ؟

- من تجربتي الخاصة، اعرف أن المصارحة لا تنفع وتحولك الى عدو لئيم وحقود... لذلك الحل باضافة المدائح بلا حساب، وجعل الناقد قمة العبقرية .. والمنقود أبرع المبدعين وألمعهم.

- أي التخريب ..؟ !

سأل. فأجبت:

- الكلمة الصادقة لا تفهم .. المبالغة بلا منطق وبلا عقل هي أفضل تنبيه للمجزرة الأدبية التي ترتكب دون عقاب.

عبَّر عن خوفه من أن ذلك يقود الى مزيد من الغرور, لدى من لا يفقهون معنى الأدب والابداع الأدبي, ممن يحملون صفة الشعراء عنوة, أو يركبون حمار النقد بالشقلوب .. هذه المدائح الساخرة تزيدهم غروراً.

قلت: -  ربما .. ولكن القارىء سيفهم, وهذا هو المهم. وأضفت: أحد أصدقائي المقربين، والقريب من آرائي الثقافية أيضاً, يمارس على موقع من مواقع الانترنت المديح المبالغ فيه ... والموقع ينشر والمهزلة مستمرة ... وبعض ردود الفعل التي وصلته تشير الى ان " السبت فات .. " وبدأ البعض يستهجن المديح .. ويبدو ان المدح بلا شواطىء أفضل من الكلمة الصادقة في عصرنا الشعري المريض ..

-  ولكن من يستوعب ان المبالغة في المدح هي ذمّ؟ وأضاف:

- المهم كيف سأحل مشكلتي بأن لا يتعرض لديواني من أحسنت وصفهم ...؟

قلت: كن جريئاً واطلب مباشرة ممن لا تراه أهلا لمراجعة ديوانك أن يبعد شره عنك .. والا صنع منك شاعراً كبيراً, وهذا انت تستحقه بجدارة .. ولكنك كبير مع خنافسه الشعرية, وباسلوب ممجوج خلو من الفكر الثقافي والنقدي واللغوي.

قال بحزن: أنا في مشكلة.

سألته: هل تريدني أن أقوم بالمهمة بدلا منك .. أنا لا أتردد ..؟

تأخر في الاجابة, فسارعت أقول: هل أعتبر صمتك صمت العروس ؟

فأجاب بحيرة واضحة: لا أستطيع أن أكون فظاً.

غضبت: وهل تعتبرني فظاً؟

اعتذر: إاطلاقاً لا, أعتبرك أجرأ من حمل القلم .. وأتمنى أن يكثر أمثالك.

قلت: لا تمدحني أكثر من اللزوم حتى لا يصبح مدحك ذماً ..

وأنهينا الحديث, وصديقي الشاعر المبدع الأصيل , حائر كيف يطلب من بعض مهرجي النقد أن لا يكتبوا عن ديوانه الجديد.

نبيل عودة - كاتب , ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة mostkbel@017.net.il