الأنبياء الجدد!
حالة من الارتباك والتخبط تسود المجتمع المصري في ظل مشهد ضبابي يغلب عليه طابع الإقصاء والانتقام وتصفية الحسابات من كل صاحب رأي مخالف ومعارض للذين اعتبروا أنفسهم أنبياء ورسل هذا العصر، سفراء العناية الإلهية لفتح مصر وتطهيرها من الأوثان والأزلام وشياطين الإنس! يشبهون (مرسيَّهم) بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن قراراته الأخيرة كمثل قرار فتح مكة! تملّكوا صكوك الوطنية ومفاتيح الجنة وخزائن النار، يراهم أتباعهم من الدرويش منزهين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، الحق والحقيقة لديهم حصرية وما عدا ذلك كذب وتضليل، هم فقط يفهمون وغيرهم لا يفهم، هم فقط يعلمون وغيرهم جاهل وسفيه، هم أصحاب الثورة وغيرهم فلول متآمرين وقد وصل الأمر بـنائب كبيرهم تكفير كل من يخالفهم ومنهم من أهدر دماء المصريين إن اعترضوا أو ثاروا.
البلاد تمر بمرحلة هي الأسوأ في تاريخها لم تعرف لها شبيه حتى في أحلك عصور القمع _ أيام القلم السياسي وزائر الفجر _ ولكن يبدو أننا نعيش عصر تحالفت فيه الديكتاتورية والفاشية في أسوأ صورها لاجتثاث قادة الفكر والرأي وأصحاب القلم والكلمة _وكل من لا يسبّح بحمد الأنبياء الجدد ويمجّد الملائكة التي سكنت القصور الرئاسية_ حتى تخلو لهم الساحة ويمكن لسلطانهم في الأرض.
مشاعر مضطربة وقلق سائد لدى الجميع وخاصة في الوسط الصحفي والإعلامي وبين المبدعين والكتاب من هذه المحاولات المستميتة للأنبياء الجدد لوضع الأغلال والقيود على حرية الكلمة والتعبير والرأي، مناخ غير مبشر أضرم نيران الوجع في قلوب المفكرين والمثقفين والمبدعين وأصحاب القلم الحر حزناً على مصر بعد أن ظللت سماءهم الكثير من سحب التشاؤم عقب الهجمة الشرسة على الحريات واستغلال ثغرات القانون وتطويعها بفضل ألاعيب محامي الجماعة لتلفيق قضايا وغلق بعض القنوات الفضائية، وكذلك التلويح بسحب تراخيص قنوات أخرى كما جاء على لسان وزير الاستثمار في تصريح واضح يحمل نبرة التهديد، بالإضافة إلى مصادرة جريدة الدستور وصوت الأمة، وأخيراً تقديم بلاغات ضد الأستاذ عادل حموده رئيس تحرير جريدة الفجر وأيضاً بعض رموز المعارضة الوطنية لتصفيتهم عقب فشل حرب الإشاعات والتشويه التي تم استخدامها من قبل ضدهم لاغتيالهم نفسياً وأخلاقيا.
ما يفعله الأنبياء الجدد يجعلنا نتيقن أن مصر اغتُصبت في وضح النهار وفي نهر الطريق وعلى المشاع دون أن يحرك هذا للشعب ساكن أو يهتز له جفن لتعود مصر مرة أخرى إلى جبروت وتسلط الحزب الواحد والحاكم الذي يملك صلاحيات وسلطات استبدادية مطلقة لم يحصل عليها حاكم من قبل ولم تحدث في أي دولة حتى في جمهورية جزر الموز! وهذه من عجائب الثورة المصرية التي قامت للقضاء على هيمنة الحزب الواحد وتقنين سلطات الحاكم فـأتت بما هو أسوأ.
ما يحدث على أرض الكنانة جعل الكثير يكفر بالثورة، بل هناك من ندم على المشاركة فيها بعد أن عادت مصر إلى الوراء عشرات السنين وكاد نور المدنية والحضارة أن ينطفئ بعد مطالبات الأنبياء الجدد أن نعود إلى عصر القُلة والمروحة الخوص وأن يجلس الشعب بالملابس القطنية الداخلية في غرفة واحدة توفيرا وترشيد للاستهلاك.
أما عن تكميم الأفواه وترهيب خلق الله حتى لا يتجرأ أحد وينتقد أفعالهم وقرارتهم فحدّث ولا حرج فأن فعلت ذلك وجدت السباب والاتهامات في انتظارك تهطل عليك كسيل الأمطار من اللجان الإلكترونية للحزب الحاكم فهم أصحاب السبق في التعليق الأول على أي موضوع على صفحات المواقع الإلكترونية ليقودوا بعدها قطيع المعلقين في رحلة السباب والبذاءه لكل من تسول له نفسه انتقاد الحاكم والجماعة واتباعهم ودراويشهم والمكبرين والمهللين والمسبحين بحمدهم، في الوقت الذي يحللون ذبح الأخرين بسكين الإشاعات والتشويه والكلمات المبتذلة دون حياء أو مراعاة للإسلام الذي يدعون أنهم حُماته!
الأنبياء الجدد كنت تسمعهم بـالأمس يتشدقون بالديمقراطية والحرية واستخدامها شعار في تأسيس الحزب، أما اليوم هم أشد الناس عداوة لهذه الحرية طالما سمحت بـانتقادهم، ولتلك الديمقراطية إن أتت بغيرهم فهم ينظرون للحريات والديمقراطية بمنظور أعور ومفهوم منقوص يروها وثن ورجس من عمل الشيطان إن لم تكن في صالحهم!
وفي ظل هذ المشهد الفوضوي الإقصائي ضاعت كل الحقائق ما عدا حقيقة واحدة أنه قد تم بيع شرف الوطن بـأبخس الأثمان في أسواق النخاسة السياسية ونهشت الذئاب عرضه بعد عمليات غسيل المخ واستغلال حاجة الفقراء وتحويل الشعب إلى مومياوات محنطة ووضعهم في توابيت زجاجية لعرضها في متحف الخسّة والنذالة العالمي لتسلية الفيل القطري وإسعاد عواهر أمريكا.
للأسف مصر تعيش زمناً إن أراد فيه المواطن يكون صالحا ويعيش في هدوء دون أن يتعرض للإهانة، عليه أن يلغي عقله، يقطع لسانه، يغلق فمه، يحتفظ برأيه لنفسه، يحذر انتقاد أنبياء العصر أو ذاك الملاك ساكن القصر! فإن لم يفعل ذلك سيجد نفسه في القائمة السوداء ويغرق في بحر الاتهامات ولن يسلم من التحريض ضده لأنه فلول!