بداية نهاية الهدنة بين تركيا وإيران

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,503

بداية نهاية الهدنة بين تركيا وإيران

تشهد العلاقات الإيرانية – التركية توتراً على خلفية الأزمة السورية مما يوحي انها بداية اندلاع صراعات اقليمية ودولية مفتوحة على كل الاحتمالات بعد ان كشفت كل القوى عن كل الأوراق التي تمتلكها والتي بدأت باستخدامها دون مراعاة لمبادىء الدبلوماسية الهادئة التي درجت عليها القوى الفاعلة على الساحة الدولية.

فالأزمة السورية بالنسبة لكل من طهران وأنقرة ليست مجرد ملف هامشي بل أساسي وهام واستراتيجي في آن، ولهذا تخلت كل منهما عن لهجتها الهادئة وبدأت تستعير تعابير التهديد والوعيد في محاولة لكي تثني كلُّ منهما الأخرى عما اندفعت باتجاهه سوريا.
فتركيا كانت منذ اندلاع الأزمة السورية من اكثر المتحمسين للتغيير ظناً منها ان المسألة لن تطول اكثر من ثلاثة اشهر ويكون نظام بشار الأسد قد هوى وحل مكانه نظام جديد يتوافق ايديولوجياً مع هوية الأنظمة التي قامت في مصر وتونس. ولكن اكثر من سنة ونصف مضت والنظام السوري لا زال يتمتع بمناعة تسمح له بالاستمرار في المواجهة حتى سنوات عديدة مقبلة.

والأمور لم تتوقف عند هذا الحد بل ذهبت بدمشق الى الانتقال الى موقع الهجوم مع تركيا من خلال إعطاء حرية الحركة لحزب العمال الكردستاني على طول الحدود التركية – السورية وتسليحه ومدُّه باحتياجاته الى حد ان تركيا التي كانت تفتش عن طرق لإقامة منطقة عازلة عند حدودها للمعارضة السورية باتت منشغلة الآن في كيفية مواجهة العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني وحلفائه داخل الأراضي التركية.

وبذلك بات المستقبل السياسي لوزير الخارجية احمد داوود اوغلو على المحك لأنه هو المنهدس الاستراتيجي لحزب العدالة والتنمية، وهو الذي أوقع رجب طيب اردوغان بما هو فيه من تخبط سياسي وتخبط اقتصادي لأن موقف انقرة من الأزمة السورية حرمها من سوق تجارية واسعة في سوريا، ومن ممر بري مهم للبضائع التركية باتجاه لبنان والأردن ودول الخليج.

ولم يعد باستطاعة تركيا التراجع عن مواقفها، فهي التي تستيضف معظم أطياف المعارضة السورية على أراضيها، وهي من ضمن الدول التي تكفلت بتمرير السلاح والرجال الى الداخل السوري، وهي التي اعتبرت ان انتصارها في سوريا سيؤدي الى فتوحات لمصلحتها في كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي بحيث تصبح القوة القادرة على مخاطبة العالم من خلال قيادتها لأهل السنة، ومن خلالها إطلالتها الأوروبية في جزء من أراضيها لتصبح حلقة وصل إلزامية بين العالمين الإسلامي والغربي.

اما عن ايران فإنها لا تزال تدافع عن حلف لطالما حلمت بتأسيسه يمتد من طهران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً الى حزب الله في لبنان عسى ان يضم مستقبلاً قوى أخرى من العالم العربي ومن آسيا الوسطى.

وإيران، كما الولايات المتحدة الأميركية، تخوض حروبها خارج أراضيها لمنع أي ضرر مباشر عنها، ولهذا تعتبر ان حماية ما تسميه "محور المقاومة " هو حماية في نفس الوقت لأمنها القومي. ولذلك لن تتخلى عن النظام السوري، ولن تتوقف عن دعمه ومده بكل اشكال الصمود.

وتحقيقاً لذلك كان عليها ان تحرك الورقة العراقية في مواجهة تركيا حيث تشهد العلاقات الآن بين بغداد وأنقرة توتراً كبيراً ترك انعكاسات سلبية على المبادلات التجارية بين البلدين، كما حد من قدرة تركيا على استخدام العراق كممر بري لبضائعها باتجاه الخليج والأردن كبديل عن الممر السوري.

ولما وجدت طهران ان الرسالة العراقية لتركيا وصلت ضعيفة وغير ذات تأثير كبير عمدت الى استخدام ورقة علاقاتها المباشرة مع انقرة حيث دعا بعض كبار المسؤولين الإيرانيين انقرة الى التوقف عن التدخل في الملف السوري تحت طائلة وقف العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتحت طائلة استخدام وسائل أخرى لمنع تركيا من التأثير على أي مشروع تغييري في سوريا.

ولقد حمّل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي التحذيرات الإيرانية الى تركيا في زيارته الأخيرة لها قاصداً من وراء ذلك ليس ضم تركيا الى الاجتماع التشاوري الذي استضافته طهران يوم الخميس 9/8/2012 والذي حضرته نحو 30 دولة وإنما بهدف دفع تركيا لتحييد نفسها عما يجري في سوريا والاكتفاء بموقف المراقب.

وعليه لم يعد الوضع الحالي في الشرق الأوسط أسير الأزمة السورية وإسقاط نظام بشار الأسد بل أصبح أسير الصراع الدولي والإقليمي بين مشروعين أحدهما تقوده أميركا والآخر تقوده روسيا وما بينهما من مصالح لدول إقليمية أقلها حتى الآن تركيا وإيران.

 رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي