لبنان يتجه نحو المجهول

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,130

أقلُّ ما يقال عن لبنان اليوم إنه بلد يعيش تحت سقف حكومة مستقيلة، ومجلس نواب لا يجتمع، ومقبل على استحقاق رئاسي بلا أجندة واضحة، وخلافات مستشرية بين مذاهبه وطوائفه، وانقسام عامودي بين سائر مكوناته، وانفلات أمني، وتردٍّ اقتصادي، ومكوث نحو مليون نازح سوري فوق أرضه. هذا هو باختصار واقع لبنان اليوم الذي بات جزءاً لا يتجزأ من الأزمة السورية، كما بات مستقبله السياسي مرتبطاً بمستقبل تطورات الأوضاع في سوريا رغم ان البعض لازال ينادي بـ"ضرورة نأي لبنان بنفسه".

فمنذ سبعة اشهر تم تكليف النائب تمام سلام بتشكيل حكومة خلفاً لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة ولكن كل المساعي باءت بالفشل لأن مشروع تشكيل حكومة من 8+8+8 اصطدم برفض من قوى 8 آذار باعتبار ان الرئيس سلام هو من صلب 14 آذار مما يعني ان قوى 8 آذار ستحصل على 8 وزراء فيما قوى 14 آذار ستحصل على 10 وزراء مقابل حصول النائب وليد جنبلاط والرئيس ميشال سليمان على 6 وزراء. وطرحت قوى 8 آذار معادلة أخرى وهي 9+9+6 ولكن قوى 14 آذار رفضتها لأنها لا تريد اعطاء خصومها الثلث المعطل. وأضافت الى ذلك شرطاً آخر وهو ان ينسحب حزب الله من سوريا كشرط مسبق لانضمامه الى الحكومة. ويرد حزب الله على ذلك بالقول على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله: " لقد تواضعنا عندما قبلنا بمعادلة 9+9+6" وهذا ما قد لا يقبل به حزب الله بعد فترة لأنه يعتبر ان محور الممانعة قد انتصر في سوريا وان سوريا تمرُّ الآن بربع الساعة الأخير قبل اعلان انتصارها. اما عن مجلس النواب فإن قوى 14 آذار ترفض حضور أية جلسة تشريعية في ظل وجود حكومة مستقيلة فيما قوى 8 آذار تعتبر ان من حق مجلس النواب التشريع في ظل وجود حكومة مستقيلة لأن هناك سوابقَ تؤكد ذلك.

وعن استحقاق الانتخابات الرئاسية اعتباراً من شهر آذار/ مارس المقبل فإن الخلاف بدأ منذ الآن بين من يقول ان نصف النواب زائد واحد يحق لهم انتخاب رئيس، وبين من يقول ان انتخاب رئيس جديد يتطلب حضور ثلثي المجلس النيابي. ناهيكم على انه لا يوجد اتفاق على أيِّ اسمٍ لمنصب الرئيس. وفي نفس الوقت لا يمرّ يوم دون ان تحصل حادثة امنية او عملية سرقة او اختطاف او نشوب مواجهات بين عائلات او بين احزاب او بين طوائف كما هو الحال في طرابلس التي تقبع على فوهة بركان. وما يزيد الطين بِلَّةً هو ان معظم التوترات تأخذ طابعاَ طائفياً ومذهبياً تحت تأثير ما يجري في المنطقة بشكل عام وخاصة في العراق وسوريا ومصر واليمن. ومن الطبيعي ان ينعكس ذلك على الوضع الاقتصادي لأن طرقات التصدير البرية مقفلة بسبب الأوضاع الأمنية في سوريا، ولأن السياح الخليجيين غير مضطرين للمغامرة بحياتهم والمجيء الى لبنان، ولأن الدولة لا تستوفي الضرائب المتوجبة على المواطنين بشكل سليم كما انها شبه غائبة عن رسم أية سياسة تشجيعية للقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية والسياحية. ويتكامل هذا الواقع المزري مع وفود اكثر من مليون نازح سوري الى لبنان مع ما يعني ذلك من أعباء اجتماعية واقتصادية وأمنية في ظل وصول مساعدات من المجتمع الدولي بالقطارة. كل هذا يعني ان لبنان يتجه الى مستقبل مجهول لن يدفع ثمنه إلا المواطن الذي يئنُّ ويمتعض ويعاني ولكن ما من مسؤول يستمع اليه لأن كل طرف في لبنان يتهم الطرف الآخر بأنه وراء ما آلت اليه الأوضاع، ويبرّىء نفسه من أية مسؤولية. علماً ان الجميع شركاء في الدمار.

رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي