"حكاية بحَّار" .. حكاية الإبداع – حكاية حنا مينه
"حكاية بحّار" – حكاية الإبداع .. حكاية حنّا مينة *
د. خلف الجراد **
ما أن يُذكر البحر حتى تتبادر إلى الذهن معاني الصّفاء والعمق والأسرار، والجمال والهيبة، والقوة الكامنة، والسكون المتحفّز، والثورة المتوقعة، والمدَّ والجزْر.. واسم الروائي العربي السوري والعالمي حنّا مينة.
حنّا مينة الروائي الذي خرج من أعماق الطبقة الشعبية الرثَّة، مختزناً في سيرورة حياته القاسية وروحه المتمردة أساطير البحر وحكايات البحّارين والحمّالين والصيادين، وأحلام المسحوقين وحِكم الفلاسفة وعِبَر المؤرخين انبجس ينبوعاً عذباً وغزيراً من باطن الأرض، كاسراً أُطُر القَصّ والرواية التقليدية، ليفتح درباً جديداً أو دِرْبة غير معتادة في التعلّم، عبر خبطات الحياة وشظف العيش و(أكاديمية) الطبقات والشرائح الاجتماعية، التي تختزن قدرات وقيماً ومعارف وخبرات متوارثة ومتجددة.
يعرف النفس البشرية جيداً كما عرفها الروائي الروسي دوستويفسكي، أو كأنه تعلّم على سيغموند فرويد وكارل يونغ والفريد آدلر.
دفعته الحياة ليعمل حلاّقاً فلم يستمر، لأنه لا يجيد فنون (التمشيط والتصفيف والتنميق)، وتجميل (الرؤوس الفارغة القبيحة والأشكال النافرة). جرّب الهجرة فلم تزده الغربة إلاّ تمرداً وعنفواناً وتشبّثاً بالجذور وحنيناً مَرَضياً إلى شواطىء اللاذقية ورمال بحرها وعيون نسائها وصياح أطفالها العراة، الذين يهزؤون بصخب البحر وغضب الشتاء وأسلحة الغزاة القادمين من بحار ومحيطات أخرى. ولم يكن حنّا مينة يأبه لموضوعة الشهادات والألقاب الطنانة، لأنه أدرك أن(جنّيات البحر) ستعوضه عن جامعات الدنيا وحذلقات المثقفين وصراعاتهم التنافسية الخائبة. ولهذا لم يبحث عن وسائل (التسويق) المعروفة وضجيجها المفتعل. فما إن حوصر دماغه بسيول الأحداث السياسية والاجتماعية المضطربة وامتلأت مخيلته بالأفكار والحكايات الجميلة والعجيبة، حتى وجد نفسه مشدوداً للكتابة على سجيته واندفاعات موهبته الرّبانية، دون أن يقرأ الروايات أو يقتدي بطرائقها، بل دون أن يسمع بالأسماء العالمية الشهيرة في هذا الميدان، فظهرت رواياته ثماراً بريّة حلوة شهية في صحراء قاحلة، أو شجرة غريبة، شقت الصخور، متحدية قوانين الطبيعة والنظريات السائدة.
نهل حنّا مينة بخبرته المجتمعية الواسعة وموهبته العظيمة وانحيازه المطلق للفقراء والمحرومين والمعدمين والمهمشين من مَعينٍ ثرٍّ غير قابل للنضوب والنفاد. فتتالت أعماله الروائية في إيقاعات تصاعدية، شكلّت في مجملها لوحة مدهشة من فكر وطني علماني مستنير، شديد الثقة بالطبقات الفقيرة المسحوقة، ورفض جذري للمستعمرين بمسمياتهم وإيديولوجياتهم المختلفة، وثقة شديدة ترقى إلى درجة اليقينية بالوطن، والنصر على أعدائه وكل أشكال الظلم والاستعباد والتعصب والظلامية.
أطياف الماضي لا تفارقه وقصص النضال الوطني تهيمن على ذاكرته الحيّة القوية. لا يعرف التملّق والنفاق الاجتماعي، ولايهتّم لنيل رضا القوى والهيئات والمراكز التي تمنح الجوائز العالمية الكبرى، إذ صرّح في مرات عديدة أن أعظم جائزة نالها على الإطلاق في حياته كانت وستبقى تكريم الوطن له وتقليده من السيد رئيس الجمهورية أعلى وسام سوري يمنح للأدباء والعلماء والمفكرين والمبدعين.
أكاد أجزم أنّ الناظم الأساسي في رواياته الكثيرة والمترجمة إلى لغات عالمية يتمثّل في دعواته الراسخة للتخلّص من الظلم والاضطهاد والاستغلال والفقر، ومن الاستعمار والصهيونية التوسعية. وقد تساءل على لسان أحد أبطال رواياته عن نهاية مالمسه من (المخازي في المرفأ، والفساد في المدينة، والبطر على الشاطىء)، وقال في نفسه: (انني بحّار لا أكثر. أنا أتألم لما أرى وأسمع، ولكنني لا أفهم في هذه الأمور، ولا أعرف كيف يمكن إصلاحها!!).
وتتعاظم الأسئلة المستنكرة والنزقة لدى بطل حنّا مينة، أو بالأصح لدى حنّا مينة ذاته فيصرخ محتجاً: (متى يأتي اليوم الذي نتخلص فيه من الظلم، من الاضطهاد، من الاستغلال، من الفقر، من العدوان؟.. إلامَ تستمر لعبة الكراسي والحكام؟.. منذ أن وعيتُ الوجود وأولاد المدارس يتظاهرون، والأحزاب تتكاثر، والاجتماعات تعقد، ويقولون أشياء كثيرة، ولكن ماذا يجدي كل ذلك؟.. متى تتحرر فلسطين؟.. ومتى يستعيد العرب أراضيهم وحقوقهم؟.. ومتى يتوقف نهب الأغنياء للفقراء، وتكفّ الأسعار عن الارتفاع؟!).
حكاية حنّا مينة.. حكاية المثقف العضوي الشريف ممارسة وعيشاً وتجربةً وإبداعاً، المستعد للموت في كل لحظة من أجل أن تصبح الأمور والأشياء جيدة دفعة واحدة. همّه:العدالة الاجتماعية ودحر الظلم والمستعمرين.لكنه يرفض تضييع الوقت والجهود في جدالات عقيمة تمسّ الثوابت والحقوق التاريخية، ولا تقدم الحلول العملية الحاسمة، حيث يقول: (لكنني مستعد أن أموت غداً إذا شاؤوا، على أن تتحرر فلسطين بعد غد، ويصير لكل عائلة بيت، ولكل رجل شغل، ولا يعود هناك فقراء ومرضى وجياع).
لا نفع ولا طعم ولا لون للحياة عند حنّا مينة بغير نضال وتضحيات ومواقف.. (ومن يبّدلنا حالاً بحالٍ إذا لم نناضل؟.. وكيف كنا نستطيع إخراج فرنسا ونيل استقلالنا لو لم نقاوم ونناضل أكثر من عشرين عاماً؟!).
حنّا مينة الكاتب الشعبي، المقدام والشجاع، المتعصب لعروبته الحضارية والانسانية، يعدّ المقاومة للخلاص من الغزاة والأجانب والظلم واجباً وشرفاً (من أخلّ بهما فقد استحق اللعنة والقصاص).
حنّا مينة آمن بصورة مطلقة أنه لا بّد من امتلاك شجاعة البحّار ومهارته في معرفة متى تواتي الريح ومتى تعاكس، وكيف يفرح بمؤاتاة الريح ويصبر على معاكستها، ويكتسب القدرة لا على الصبر وحده، بل على رباطة الجأش عند الخطر أيضاً (ومواجهة عواصف المتاعب والنذالات والتحديات، عواصف الفجور والدسائس).
فله كل التحية والاعتزاز بمسيرته الكفاحية الشاقة، وموهبته العظيمة، ووطنيته الراسخة، واستقامته، وفروسيته، وانحيازه المطلق لسورية وفلسطين، وأمته العربية، وحريتها ونهضتها وكرامتها.
ملاحظة من إدارة موقع "جماليا"
* وصل المقال إلى الموقع من مصدر مبهم وبعنوان غير واضح _ أضيف العنوان من قبل إدارة الموقع بالإذن من الكاتب السيد د. خلف الجراد
** باحث أكاديمي وأديب - مدير عام مؤسسة الوحدة الطباعة و النشر في الجمهورية العربية السورية