تسالي

نبيل عوده قرأها 5
  

تنتشر في السنوات الأخيرة, في الثقافة العربية داخل اسرائيل، ظاهرة أدبية لا أظن ان لها رديفاً في آداب أخرى، لا أقصد إبداع نوع أدبي جديد، انما أقصد أدباء بدأوا يمارسون ما يقع مجازاً تحت صيغة الأدب، بعد تفرغهم وخروجهم للتقاعد، وبالأساس تقاعدهم من سلك التعليم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا تلقائياً: هل يفعلون ذلك كنوع من التسلية؟ هل صمتُهم كان خوفاً من فقدان وظائفهم؟.. او تقدمهم في مراتب الوظائف .. فزجروا شيطان الأدب في نفوسهم, وربما اقتلعوه؟ وهل ما يطرحوه اليوم من شعارات قومية فضفاضة يعبر حقاً عن مشاعرهم وتجربتهم أدبياً؟، أم هي صحوة متأخرة بعد ان استقر أمن معاشهم ومعيشتهم؟

أنا لا أقر بالحق الانساني المشروع بأنْ يساهم المرء بالابداع الادبي, او المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعة, بأي جيل كان ومتى رأى في نفسه القدرة على العطاء. الأدب والحياة الثقافية ليست احتكاراً على احد , والمساهة بالحياة السياسية لا يتطلب أذناً من أحد , واختيار الموقف القومي والفكر القومي او اي فكر آخر يساري او ديني هو اختيار حر. والجيل ولحظة القرار في المساهمة الثقافية او السياسية هي مسألة ذاتية تفرضها ظروف الانسان ومستوى وعيه وقدراته على العطاء والبذل.

المشكلة التي تطرحها هذه الظاهرة , ليست في اكتشاف البعض لمواهبهم في هذا الجيل المتأخر... ولكن من متابعتي لما ينشرونه من كتابات مختلفة, وفي ظل واقع ادبي مأزوم لأسباب عدة, لست الآن في باب طرحها, لم أجد أية موهبة تذكر, انما أعمال فجة, وكتابات ركيكة المضمون ومهتزة الفكر, بلا رؤية ثقافية واضحة, وبلا مضمون اجتماعي بسيط, وغني عن القول انها تفتقد للعناصر الجمالية البديهية التي يفترض ان تشملها الكتابات الأدبية, وتفتقد حتى للانشاء البسيط .. الخطاب الأدبي شبه غائب ومن الصعب الاشارة الى الخطاب التاريخي .. الا اذا اعتبرنا التلويح بالشعارات القومية الجوفاء والمفردات التراثية او السياسية ابداع بحد ذاته .. الذي أعنيه بوضوح أكبر, نفتقد في أعمال أصحابنا المتقاعدين للعناصر الأساسية في الأدب. ثرثرتهم وشعاراتهم القومية التي يحشون فيها كتاباتهم, في التلخيص الأخير هي بلا أي مضمون انساني وجمالي بسيط, والتفسير الوحيد لها انهم يريدون التعويض لأنفسهم عن فترة "الخوف السياسي"... الآن تقاعدوا وتلقوا تعويضاتهم وأصبحوا "أحرارا" في التعبير عن خلجات نفوسهم التي زجروها أثناء عملهم وزجروا طلابهم من اي تعبير عن مشاعرهم أو القيام بنشاطات يشتم منها رائحة الانتماء الوطني او الثقافي, رغم ان مساحة الحرية التي تتمتع فيها مدارسنا اليوم .. ومنذ عقدين على الاقل .. تفتح أبواباً واسعة للنشاطات السياسية والثقافية الوطنية داخل المدارس .. وللأسف بعض "قوميي" اليوم ظلوا على خوفهم ومنعهم لأي نشاط توعيي ثقافي, واليوم جاؤوا يتاجرون ببضاعتهم التي فات موعد تسويقها من كثرة تأجيلها.

لا اعتقد بان أدبنا ستزداد مكانته بمثل أولئك " الأدباء" , كانوا وسيبقون هامشيين, حتى لو بلغ صراخهم القومي في كتاباتهم التافهة أعلى مراتب الزعيق والصراخ. ليس بهذا الشكل نفهم الانتماء للأرض والوطن, وليس بهذا الشكل يبدع الأدب .. حتى لو أصبحت الصفحات "الأدبية" في صحافتنا المحلية المحروسة وقفاً على ثرثراتهم العبقرية. للأسف الصحافة اليوم تلعب دوراً سلبياً في الحياة الثقافية للعرب في اسرائيل بشكل عام , حتى الصحف التي كان لها دورها الكبير في إعلاء شأن الأدب الفلسطيني للعرب في اسرائيل تتخلى عن طليعيتها ويفقد الأدب مكانته كسلاح ثقافي ساهم في صيانة وتقوية هويتنا الوطنية والثقافية ولغتنا, وصيانة ترابطنا الاجتماعي والسياسي, وهو موضوع يستحق وقفة خاصة.

بالطبع أصحابنا لايكتبون فقط شعارات قومية .. انما شعارات عشق ووله, بعد ان لم يعد ينفعهم عشقهم في الممارسة , تماماً كما في السياسة.


المميز في هذه الظاهرة (غير الأدبية) هو كونها إضافة مقلقة للرداءة الأدبية, وتحويل الإبداع الأدبي الى ممارسات تسلية. ربما يعتقدون انهم يلحقون انفسهم ويصطفون الى جانب شعبهم, لذلك صارت الشعارات القومية, شعراً ونثراً مميزاً للتفاهات التي تتراكم تحت صيغة الأدب أو السياسة ... كما قلت صحافتنا المسكينة ملومة وتتحمل مسؤولية هذا الإسفاف وهذه الرداءة. ولكن هل توجد لدينا صحافة مسؤولة اليوم؟ وهل من صحيفة تعطي للمواد الأدبية حقها؟ ما ألاحظه هو السباق على نشر نصوص رديئة, حتى في الصحف التي سمَّت محرراً أدبيا لها .. ام لم تفعل ذلك, الأمر سيان, اكتبوا ما تشاؤون, وإياكم ان يكون مفهوماً حتى لكم .. وأنا أضمن ان تنشر تفاهاتكم, وأن "تشتهروا" بسرعة البرق.


أما "الأدباء" بعد أن طيّرت العشوشُ فراخها .. فأنصحهم بالراحة, التي قضوا زهرة عمرهم تحت خيمتها, خوفاً وانكفاء .سيظلون مجرد تافهين فيما ينشرون, فلم يبق من العمر قدر ما مضى, فهل يطمعون بتجديد شبابهم بعد ان اكتشفوا "فجأة" انهم أدباء؟

كاتب , ناقد وصحفي فلسطيني – الناصرة

mostkbel@netvision.net.il