الفكر والطّغيان
لدولةِ الفكرِ تاريــخٌ يحدِّثُنا بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صُلِبا
لا أدري لماذا كان هذا البيت أوّل بيت حفظته من قصيدة الجواهري عن أبي العلاء المعري. ولا أدري سبب خلوده في ذاكرتي، منذ يفاعتي، وربما في ذاكرة غيري ممن قرؤوه، علماً بأن الحكمة فيه ساذجة والمعنى معروف ومطروق.
والبيت يخلو من صورة مبتكرة مدهشة، وليس تشبيه شهداء الفكر بالمسيح سوى كلام عادي، فالمسيح نفسه شهيد فكر. لكن ما أعرفه أن هذا البيت يقفز إلى لساني كلما سمعت نبأ عن قمع الفكر أو منع التعبير عن الرأي أو التضييق على الصوت والقلم، من أي مصدر كان، وعلى أيّ مفكر أو كاتب أو إنسان.
وإذا كان بيت الجواهري يشير إلى كثرة ما تحمّل الفكر ورجاله من عَنَتِ السياسيين المتزمتين ورجال الدين المتعصبين عبر التاريخ، فإنه يوحي، في الوقت ذاته، بأن الفكر لا يموت، وأن القمع مهما تتعدَّد صوره ودرجاته لا يستطيع أن يزيل فكرة من الوجود أو يلغي مفكّراً صادقاً من ذاكرة الناس وصرح الثقافة الإنسانية.
إن الفكر الحر الحي، برغم ما أحكم حوله من حصار وأنزل به من ضربات، لم يُهزم، ولم يستسلم حاملوه، لأن الفكر كالهواء لا يستطيع أحد حصاره أو الفتك به، وقد يلوّثه الملوّثون حيناً، لكنه لا يلبث أن يعود إلى نقاوته.
تُهزم الفكرة فقط حين تكون طارئة أو زائفة، لا صلة لها بالواقع أو بتطلعات البشر، والذي يهزمها هو ضعفها الذاتي وتهافتها وهشاشتها، لا قمع القامعين وقسوة الطغاة. أما الأفكار المعبرة عن تطلعات إنسانية، الأفكار التي يبتكرها أو يحملها مفكرون وبشر مخلصون لما يعتقدون، مستعدون للتضحية في سبيلها، وشامخون في وجوه الطغاة، فهي أفكار خالدة، يمر عليها الزمن ولا تموت، ويرحل أصحابها جسدياً لكنهم يبقون في تاريخ الفكر أبطالاً فاعلين.
ولعلّ الأمثلة لذلك كثيرة في عصرنا ذاته، الذي ـ برغم ما أصابته حرية التفكير والتعبير عن الرأي من تقدم ـ ما نزال نجد فيه قوى قامعة للفكر، تضيق ذرعاً بالرأي المخالف لآرائها ومصالحها.
ومن أسطع هذه الأمثلة ما أصاب الفلسفة الماركسية في العقد الأخير من القرن العشرين، فبعد انهيار النموذج السوفييتي للاشتراكية، وهو نموذج قال صانعوه إنهم استندوا إلى أفكار ماركس، بدأت الأصوات تعلن موت الماركسية، وهزيمة ماركس أمام الفلاسفة الآخرين، دعاة الرأسمالية ومنظِّري الاستغلال.
لكن من يراقب عالم اليوم، بعد نحو عقدين من ذلك الانهيار، يجد شيئاً آخر، يؤكد حيوية الفكر الماركسي وقدرته على التجدد والبقاء في دائرة الفعل. إنه يجد أمرين لا يمكن إلا أن يكونا لصالح الفلسفة الماركسية ذاتها، أولهما: أن الماركسية أخذت تتألق من جديد على أيدي من يعيدون قراءتها، ويراجعونها، نصوصاً وتجارب عملية، وفق مقتضيات العصر ومعطياته. وثانيهما: أنّ الأحزاب التي تبنّت فلسفة ماركس في القرن العشرين، وضعفت في نهاياته، لدرجة الانهيار حيث كانت حاكمة، ولدرجة التراجع المريع في التأثير الشعبي حيث لم تكن حاكمة، قد بدأت تتخلص من أعباء النموذج القديم، وتنفض عنها ـ نسبياً ـ غبار الماضي، الذي اتّسم بفقدان الديمقراطية داخلها، وبالتضييق على المفكرين في صفوفها وبمنع التعبير عن الرأي المخالف للرأي الرسمي لقياداتها، وبالخوف من أية بادرة تنوُّع في الآراء والمواقف داخلها.
جاء هذا التطوّر طبيعياً. فلا يمكن لفلسفة قوية مثل الماركسية، تقوم على منهج جدلي، ونقدي، وترفض التسليم بما رأته الفلسفات الأخرى ثوابت، وتتبع طريق الشك والبحث الموضوعي بعيداً عن المسلّمات والأفكار المسبقة، لا يمكن لهذه الفلسفة أن تموت، بل إنها ستظلّ حيّة فاعلة برغم خصومها، وبرغم من تبنوها وتعاملوا معها تعاملاً تقديسياً جامداً، فقتلوا روحها النقدية وطمسوا منهجها الجدلي القائم على النفي الدؤوب للقديم الشائخ الذي تجاوزته الحياة.
إن الماركسية تنهض، وستنهض، لأنها بدأت تسير في مسارها الصحيح، بوصفها فلسفة للحرية، قادرة على مواكبة العصر واستيعاب معطياته ودروسه التي أهمها ضرورة الترابط بين النضال من أجل الديمقراطية والنضال من أجل العدالة، وضرورة جعل الديمقراطية هدفاً ملحّاً ودائماً، لأنها هي المناخ الأكثر ملاءمة للنضال في سبيل العدالة والتقدم، وضرورة بناء الحياة الداخلية للأحزاب التي تستلهم الماركسية وتناضل من أجل الاشتراكية بناء ديمقراطياً يقوم على حرية التفكير والتعبير عن الرأي، وهو حق طبيعي للإنسان لا يجوز أن تسلبه إياه أية سلطة أو مؤسسة حزبية أو أمنية.
إضافة إلى ذلك كله، فإن ما ذكرناه يضع أمام الماركسيين، أفراداً وحركاتٍ، مهمة أساسية كبيرة هي مهمة الدفاع عن حرية الرأي في مجتمعاتهم، والدفاع عن ضحايا القمع، سواء أتى هذا القمع من سلطات تخاف الحرية، أو من قوى ظلامية تخاف العقل.
قد يستمر اضطهاد الفكر زمناً طويلاً، وقد يغدو الألف الذي ذكره الجواهري ألوفاً وألوفاً، لكن الفكر الحرّ لا يموت، والمدافعين عن حرية الرأي والتعبير سيكونون موجودين بقوة في كل زمان ومكان.
* أهدي هذه المقالة إلى المفكرة والأديبة والمناضلة نوال السعداوي.