الياس أبو شبكة – شاعر الوطنية التقدمية (أيضاً)
الياس أبو شبكة ... شاعر الوطنية التقدمية، (أيضاً) *
ما دامت (الأنوار) الغرّاء تشعُّ صفحتها الادبية بالمزيد مما هو مستور أو خفي من تاريخ الشاعر الكبير الياس ابو شبكة واتجاهات شعره الفنية، وتعقيباً على ما ورد سابقاً عنه من نعوت/ كما قيل: (الشاعر الملعون)، (الرجيم)، (الشيطان)، (شاعر الجحيم)، (الخطيئة) او (الشاعر المؤمن) و(شاعر المرأة والحب، والوطن، والطبيعة) ... أضيف الى هذه النعوت أجملها وأغلاها ثمناً لقيمها الفنية والجمالية لانسانيته الحقيقية فيما كتبه نظماً في مسارها: انه شاعر الوطنية التقدمية!!
بعد ستين سنة على غيابه أستذكره باتجاهه الوطني التقدمي الذي أغفله النقد وتغاضى النقاد عنه؟!
بهذه المناسبة أسوق الكلام عنه، وأقول: ان النقد الذي نظر الى أدبه بعينٍ واحدة تبعاً للنعوت التي ذكرنا ... اني أعيد النظر لأعود الى شعره الوطني ذي الاتجاه الانساني ولنثره وايضاً لنقده الذي كان يجسّده في (رسومه)، فالسؤال جائز: ترى هل كان التغاضي مقصوداً عن شعره الوطني، ونثره ونقده؟! بناء عليه اغتنم هذه المناسبة الستينية - على غيابه - لأتوقف عند مفاصل جانبية امام هذا الاتجاه ... لأؤكد على ان الشعر الوطني عند ابو شبكة لا يقل شأناً عن باقي الشعر الذي نظمه في عماراته المعروفة، لا في قيمته الفنية والجمالية، ولا في هندسة البناء وحسب، بل على العكس، شعره هذا سيشكّل برأيي القاعدة والشهرة التي انطلق منها، لقد ترجم فيه حسّه الانساني، وفردية افكاره، ومبادئه التي آمن بها في حياته، اذ بث فيه رؤاه الفكرية، والسياسية، والعقائدية ومواقفه من القضايا الاجتماعية في حين بث في عماراته الابداعية، رؤاه الذاتية من خلال تجاربه النفسية والوجدانية، التي آلمها الضيق، وعمّدتها المعاناة الروحية، وفي كلا الاتجاهين جاءت تجربته تجاوزية رومنطيقية وقصائده، في الاتجاه الوطني تعدُّ بالعشرات، فيها مزيجٌ بين الذاتية والموضوعية، فكانت انعكاساً فنياً لافكاره الثورية، أثبت فيها نضجه الفني، والفكري، وهو لم يزل في العشرين من عمره. فتنكب، عن صغرٍ، هموم الناس، حتى اصبح شاعر الفقراء، والفلاحين، والكادحين من العمال، والمثقفين الثوريين.
شعره هذا ما كان شعر المناسبات، بل شعر الثورة الشبابية بمواقفه الملتزمة من القضايا الوطنية والمصيرية - كما حدثت يومئذٍ في حينها عالمياً، عَكَسَ فيه حركة الواقع بأسلوبه الفني التجديدي الرائد، حتى سُمِّي من خلاله بشاعر الفقراء، وشاعر الشعب، والرفض والتمرد، والممانعة ... اذ انه أسَّس بذلك الاتجاه لمسار جديد في شعرنا العربي الحديث - إثر مسيرة بدأ بها في اواخر القرن التاسع عشر، الشيخ ابراهيم اليازجي، والشيخ نجيب الحداد، وفرنسيس فتح الله المرّاش، والياس صالح ليتأسس مع هؤلاء وغيرهم أدب النهضة العربية التي عمّق معانيها شاعر القطرين خليل مطران في لبنان وأحمد زكي أبو شادي في مصر، وعلي محمود طه... وجميل صدفي الزهاوي ومعروف الرصافي في العراق... أما الياس أبو شبكة فقد ربط هذا الشعر بماضيه ومستقبله بعدما أثرت فيه افكار الثورة الفرنسية، وهو بدوره كان قد أثّر بمن جاء من بعده من الشعراء.
وأبو شبكة الذي كان كادح قلم عاش من شقّه! كتب النثر الذي كان خبزه اليومي، فروَّس قلمه لرسوم نقدية سياسية، واجتماعية نابعة من واقعنا الحياتي. ويكفيه انه أسس لأدب مقارن كبدعة جديدة في أدبنا كمنهج له مضمار عربي حديث، من خلال مؤلفه (روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة)، فجاء اكثر تطوراً مما جاء به الطهطاوي في مؤلفه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، واكثر دقة مما جاء به فارس الشدياق في مؤلفه (الساق على الساق فيما هو الفارياق)! ان الدارسين والباحثين الذين جاؤوا على تحليل شعر ابو شبكة، من خلال عماراته الرائعة، ولم يلتفتوا الى ما وجدته قابلاً للبحث والتحليل، قد يكفي ان اضوّىء عليه بما يسمح لي الوقت، وأنا على يقين، كما كان هو على ايمان، بأن شعره ونثره توأمان! من هنا اطرح رأياً أدلل فيه عن اعادة النظر بما لم يتناوله النقد، حرصاً منا على انصاف الشاعر والاديب والناقد الادبي والسياسي والمقارن ابو شبكة! وأقول: عار على المواقف ان لم ينصف الاتجاه الوطني في شعره، وقد حمل توجهاته، الفكرية والوطنية، والتزامه في قضايا الناس ومصائرهم، لانه لم يكن شاعر غلواء وليلى وسلمى فقط، بل شاعر الشعب كذلك، وهذا لا ينفي ولا يناقض ما كتبه او نظمه في ذاتية متألمة لنساء أحبهن او لشعب حمل همومه، فقال: (لان للادب، أشعراً كان أم نثراً، رسالة انسانية عظمى منوطة بضمير الاديب، أشاعراً كان أم ناثراً ...) ثم قال: (والواقع ان من فضائل الاحداث الكبرى رفع الاديب الى مستوى هذه الاحداث، ومن الخرق فصل الشاعر عن المجتمع، فهو ملتقى منازع البشر، والوتر الاعظم الذي تُنقر عليه احاسيس الناس ومطامحهم اذ عليه الا يفصل الفن عن الحياة).
لقد غنّى أبو شبكة في شعر الحب كما الوطن، كما الفقراء والفلاحين والعمّال ورواد الثورة. وندّد، من جانب آخر، بالظالمين والاغنياء الجشعين، والحكام الفاسدين، والسياسيين المداجين والمسوَّدين.
جبل يعانق الشمس
من الارض، التي هي الزوق، خرج شاعراً كبيراً الى العالم. تغنّى بحفافيها المعلّقة بين ساحل يتثاءب بأمواج بحره، وجبل يعانق الشمس بدفئها، بحيث اصغى الى تنهدات الموج غرباً، وهمسات النسيم شرقاً، وهي تترنّم خلف أبراج الصخور، منحته هذه وتلك الحب والعزّة والترفّع، فأنشدها في (ألحانه) قائلاً:
أنتِ أرضُ الميعادِ ما سَمَحَ اللــهُ بها أو بمثلِها لسوايــــــا
غَمَرَ المنُّ من سمائك صحرائــي وفجَّـرتِ كوثـراً من هوايــا
فاطمأنَّ الصبـاحُ أخضرَ في عينــي وطــابت على أديمي العشايـا
والشاعر نفسه الذي كوّن فكره الانساني والوطني، علَّمته الحياة، وأكسبته ثقافته توجُّهاً شمولياً وإحساساً، كان لمبادئ الثورة الفرنسية الفضل في استمالته للتأكيد على الثورة البولشفية التي تحمل قيماً لم يرَ مثيلاً لها الواقع السياسي والاجتماعي في ميدان التطبيق، وقد دفعه ذلك الى توجيه التحية لقائدها لينين، فقال:
قلت للينين نمْ قريراً أنتَ نبيٌّ بعد قرون
ثم يقول له في قصيدة اخرى:
لينين أحلامُك الغرّاء قد صدقـــت فانفضْ ترابَك، يكفي ذلك الغـــرقُ
لم يبقَ من شُرعةِ الدنيا سوى رحقٍ والمستبدّون باقٍ منهم رَمَـــــقُ
بوركتِ يا نهضة للشعبِ ثائــرةٌ هذه الروائعُ من إيمانها عبــــقُ
إنَّ البقـاءَ على الإيمان مرتكــزٌ الأقوياءُ مَضَوا والمؤمنـون بَقَــوا
إن الربط فيه التزام الشاعر بين هذا الشعر لقائد ثورة يومئذ كرجل حرّ، وبين مواقف الشاعر تجاه الفقراء حين قال لهم:
عصرتُ فؤادي في إناءٍ في الهـــوى وأدنيتُه من مرشفِ الفـقــراءِ
فقالوا: خمورٌ ما تبرّدُ غلــــــةً! فتمتمتُ: واهـاً أكبـدَ الشعـراءِ
أينكرُ حتى البؤسُ مــا فيكِ من غنىً وأيّ غـذاءٍ أنتِ للبؤســـاءِ!
قد لا يكفي كلامه هذا، بل صاغه بأسلوبٍ آخر ليقرنَه بعلاقة بين الاغنياء الجشعين والفقراء المسحوقين، قائلاً:
يا مَن طلى بدمِ الفقيرِ عروشَه وتَرَاه يجلسُ فوقَها يرتـاحُ
هذه العروشُ جماجمُ مرصوفةٌ في جوفِهـا تتمرّدُ الأرواحُ
التوجه الانساني
ان تعاطف ابو شبكة في اتجاهه الذي انعكس عنده من صور الواقع بكل اشكاله المأساوية، حدّده، وهو ابن العشرين، عندما ربطه بقضايا الشعب ومنهم العمّال المستغلّون. وهذا الالتزام لم يكن مجرد نزوة من نزوات الشباب، بل كان ناجماً عن قناعة فكرية ترتبط بتوجهه الانساني، وهو كان يكره الاستبداد والظلم الاجتماعي، فكان قد تعمّق لديه الوعي ليقف في اول ايار عام 1923 في سينما الكريستال في بيروت وكذلك في سينما روكسي، وايضاً في زحلة، وكرّر هذه المواقف طوال حياته حتى رحيله في عام 1947 لينشد قصائده الثورية الرومنطيقية الى العمال في اعيادِهمْ. وشعره هذا يعد نغماً جديداً على اسماع الناس عصرئذٍ حين تردد صدى قصيدته اليهم وعنوانها (أنشودة العمال):
قال:
اقبل الظَّبْـيُ علـى ذاك الفتـى مسترّقاً فيه قلبَ الرجــــلِ
وأراه منجــلاً فـي يـــدِه قائلاً: سرُّ الهوى في المنجـلِ
هوذا المنجلُ فاطلبْ عمـــلاً إنما المنجـلُ رمزُ العمـــلِ
شارِكِ العمـالَ في مهنتهِـــم واجتهِدْ في كل أمرٍ تَصِـــلِ
ان هذا الربط الجديد في اتجاهه هذا هو انعكاس تربطه علاقة روحية بين من يعمل ويعرق ولا يقدر ان يكفي حاجته، ومن لم يعمل ويطغى بواسطة إرثه العائلي الاقطاعي الطبقي وهو في موقعه السلطوي، وجد ما قام به لينين هو خيرٌ في نتائجه لسواء الشعب، في حين ان المرفّهين عليهم ان يتذوّقوا طعم العمل والتعب.
أبو شبكة الذي عاصر آخر ظلم الدولة العثمانية، ثم عاصر الانتداب وعاش عصره الذي كان من أجلى مظاهره الانفتاح والعلم والاختراعات والثورات، وعاصر حربين طاحنتين وعى الاولى ومات بعد الثانية، وطالع النظريات الحديثة في الفن والادب والنقد، وشهد ظهور المذاهب الادبية في نظرياتها، وانتصار تحقيق الثورة الاشتراكية، وهزيمة النازية، لا شك انه وازن وقارن بين من هم صنعوا الخير للبشرية، ومن هم هدموا العمران والتقدم وبعثوا البلاء والدمار لها، فكان بالطبع الى جانب الاولى وضد الثانية من هذا الصراع الذي خلقته طبيعة المجتمع الاقطاعي والرأسمالي، والبورجوازي ضد الاشتراكية. وجد بالنتيجة ان التجديد، حتى في تطوير حياة المجتمع، لا بد من ان ينعكس ايجاباً على بُنية الشعر بكل صوره ومعانيه، فتلمّست من شعره انه يميّز بجلاء ليعلن رأيه بطرقه الفنية وأسلوبه المرن ولغته الشفافة. ان عصر التناقضات فيه انتصارات وانكسارات، لكن ما فعله هتلر في البشرية دفعه ليقول له:
خفِّفْ عُتُوَّكَ واغسِلْ قلبَكَ الجاني للظلم يومٌ وللمظلومِ يومـــانِ
عرشُ العَتيِّ على بركـانِ مُنْكَرِهِ شتيمةٌ وَضُحَتْ في قلبِ سكـرانِ
شاعر ثوري
لا شك بأن العهد السياسي قد آلمه، مهما ومن أين جادت مصائبه. ان مثل هذه الانعكاسات حوّلته، بكبرها وصغرها، الى شاعر نزقٍ ثوري رافض للرضوخ لها مهما عتت امامه. وهذا ما نجده من كذب احد السياسيين وخداعه معه. قال: (هذا هو احد الاسباب التي تدفعني اليوم وغداً الى الثورة على البشر! أمحق انا ام مخطئ؟ أيجوز ان اعامل بمثل تلك المعاملة بعد ان صرفت عشر سنوات في التغريد لاطرب الناس؟ أيجوز ان أصبح ساعي بريد مضحكاً، بعد ان كنت بلبلاً وكناراً).
وثورته التي لم تعرف حداً ضد الفساد والادب المتملّق والظلم نصبت له مواقفه خصوماً لكي تذلّه. وفي هذا المنحنى بقي صاعداً، حتى ولو عاش على الطّوى واثقاً من ان نهجه هو الشرف وكرامة النفس وعزتها، قال:
أيودٌّ الألى يَهَابون لمسي أن اضحّي لهم بعزّةِ نفسي
لا يَؤمّون معبدَ الله إلاّ ليُريَهم مناحتي قبل عرسي
كلُّ هذا لأنَّني لم أمـــالِقْ ولأني مـا بعتُ باللؤم طرسي
ان هذا الموقف دفعه، مع زملاء له، ان يؤسِّسوا لأدب جديد نظيف، لا يباع ولا يُشترى، فكان لعصبة العشرة آراءٌ سبّبت معارك وصدامات على صعيد التجديد، وبين المجدّدين وأتباع التقليد في الادب القديم، اذ وجدوا ان عمق التدليل في التعامل هو التجديد، وان إصلاح الادب هو دافع قوي لإصلاح المجتمع، فكانت هذه الثورة، وكان صداها في الثلث الاول من هذا القرن. وأبو شبكة ورئيف خوري وعمر فاخوري وفؤاد حبيش وخليل تقي الدين ويوسف غصوب وتوفيق يوسف عواد، ومن الجانب الآخر جبران ونعيمه والريحاني، هم بُناةُ هذه النهضة الادبية الرائدة التي غيّرت موازين الادب ومسحته بفنّها المتجدّد.
ان ابو شبكة الذي مثّل دوره، وعاش صراع عصره، وعكس اشكالياته وعقده النفسية والسياسية والاقتصادية والفكرية في أجلى توهجاته الفنية شعراً ونثراً، كان عمله هذا قد شكّل تحولاً طليعياً وريادياً على لبنانيته وعربيته أزالت العديد من العقد، وأثّرت في تكوين تيار جديد لاقى في فضائه حرارة وإحساساً انسانياً، سواء جاء بشكل سويدائي نزق وثوري رومنطيقي او بذاتية فيها النبل والغنى الفني، فان البصمات التي تركها ابو شبكة في الشعر العربي الحديث هي كالبصمات التي تركها شعراء عالميون في شعر بلادهم وخارجها من امثال بابلو نيرودا، وناظم حكمت، وغارسيا لوركا، ولويس اراغون، وسواهم.
* ملاحظة: هذا المقال هو عبارة عن جزء من فصل لكتاب عنوانه:
(الاتجاه الوطني