النِّساء ضحايا الاستغلال الإجتماعي

نوال السَّعداوي قرأها 6
 

تدرَّب العقل البشري منذ نشوء التقسيمات العبودية على الفصل بين العام والخاص، بين السياسي والشخصي، بين قوانين الدولة وقوانين العائلة والزواج والنسب.

لأن التقسيمات العبودية فرَّقت بين البشر على أساس الجنس والطبقة والدين، أصبحت التفرقة هي الأساس والأصل، رغم أنها فرعية وثانوية، فرضتها النظم السياسية العبودية، الإقطاعية، الرأسمالية الحديثة، وما بعد الحديثة.

تقوم هذه الأنظمة على الفلسفة العبودية ذاتها التي سيطرت على العقل البشري على مدى القرون، تدعمها مبادئ تؤكد التفرقة، حسب مبدأ «فرق تسد» المبدأ الذي اعتنقه مفكرو الاستعمار الأوروبي ثم الاستعمار الاميركي في هذا القرن الواحد والعشرين.

هذا يفسر لنا سبب تصاعد تسييس الدين في بلاد العالم، شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوبا، بما فيها بلادنا العربية، يعتمد جورج بوش (الابن) مثل أبيه على تدعيم التيارات المسيحية الأصولية داخل الولايات المتحدة الأميركية، ويستغلها لإشعال الحروب العسكرية والاقتصادية في العالم.

أما علاقة جورج بوش (الأب والابن) بالتيارات الإسلامية الأصولية فهي معروفة منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين، فقد شجعت الحكومة الأميركية تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن، والشباب من مختلف البلاد العربية والإسلامية (بما فيها مصر)، وقامت بتجنيدهم في حرب أفغانستان لضرب الشيوعية والاتحاد السوفياتي.

وفي عصر السادات تم تشجيع هذه التيارات الدينية الأصولية لضرب القوى الاشتراكية في مصر ومنها الناصريون والشيوعيون وغيرهم من المعادين للسياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة العربية.

حالف السادات مع جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر خلال السبعينات من القرن العشرين، وجماعات إسلامية أخرى متفرعة منها، أو خارجة عليها، وتم له ما أراد، تحويل الاقتصاد المصري الى اقتصاد تابع لمصالح السوق الأميركية، ضرب الإنتاج المصري المحلي الزراعي والصناعي، إحداث فتنة دينية بين المسلمين والأقباط في مصر، إطلاق الفكر الديني الأصولي في أجهزة الإعلام والتعليم، مع إطلاق حرية السوق الاميركية في غزو السوق المصرية بالبضائع الاستهلاكية من الكوكاكولا الى الفول المدمس، الذي أصبحت مصر تستورده من كاليفورنيا، بدلا من ان تنتجه محلياً، بالإضافة الى القمح والأغذية الرئيسية للشعب.

حدث في مصر ما يسمى «الأمركة والأسلمة» في آن واحد. انتشر الحجاب تحت سيطرة الفكر الديني الأصولي، وارتفعت نسبة ختان الإناث مع ارتفاع نسبة الحجاب.

إلا أن الحجاب والختان لم يمنعا المرأة من العمل بأجر خارج البيت لصالح الزوج أو الأب، ولا يمنعانها من تعلم اللغة الإنكليزية وأعمال الكومبيوتر لتشتغل بأجور أكبر في الشركات الأميركية ووكلائها داخل مصر، ولا يمنعانها من ان تشتري من السوق أدوات الزينة الأميركية المستوردة، وأن تمشي فوق كعبين عاليين رفيعين تتأرجح وتهز ردفيها بهما، بل ترتدي البنطلون الجينز الأميركي الضيّق.

في هذا العام 2007 زادت نسبة ختان الإناث في مصر الى 97.4 في المئة بعد أن هبطت خلال السنوات الماضية، أما نسبة المحجبات في مصر فيكفي أن تمشي في شوارع القاهرة لترى رؤوس النساء المحجَّبات من الأعمار كافة وكل الأشكال والموضات.

أصبح الفقر في بلاد العالم مؤنثاً، لأن النساء في جميع الثقافات والأديان هن أقل رتبة من رجالهن، أما النساء الفقيرات فهن قاع المجتمع في أي بلد، وتضطر المرأة الفقيرة الى أن تبيع جسدها، وأن تبيع دمها أيضاً في سوق الدم، وأخيراً تبيع بويضاتها للبنوك التي تتاجر بها.

تلعب التكنولوجيا الجديدة في استغلال النساء الفقيرات أكثر وأكثر، وكان المفروض أن تساعد الاكتشافات العلمية الأخيرة على تحرير النساء والفقراء، إلا أن العلم يخضع للقوى السياسية والاقتصادية والعسكرية الحاكمة، وقد أدَّت الاكتشافات النووية الى المزيد من الحرب والقتل والاستغلال، وليس الى المزيد من السلام والحرية والعدل.

يوم الاثنين 19 شباط (فبراير) 2007، وأنا أقرأ جريدة «الديلي ميل» في غرفتي بالفندق في مدينة بروكسيل، رأيت عنواناً في الجريدة يبشِّر النساء الفقيرات في بريطانيا وأوروبا أن المرأة ستحصل على 250 جنيهاً استرلينياً مقابل بيع بويضة، وهو مبلغ قد يساعد الأم الفقيرة على تسديد نفقات أطفالها في المدارس، أو شراء الطعام لهم أو الملابس الشتوية الجديدة.

لا تحتاج المرأة الفقيرة الى بويضاتها، فهي مثقلة بالعمل الشاق لإطعام أطفالها، وليس لديها الجهد ولا الوقت للتفكير في أمور الجنس أو الحب أو غيرها من كماليات الحياة.

سيستفيد من ذلك الرجال من الطبقات العليا، المصابون بالعقم، أو المصابون بأمراض الشيخوخة والثراء، مثل مرض القلب وتصلب الشرايين وألزهايمر والباركينسون، والانفصام، وتورط العجائز من الرجال في حب البنات الصغيرات من عمر حفيداتهم، وهذا المرصد الأخير أصبح شائعا في بلاد العالم بعد أن تحسَّنت صحة الرجال، وأصبح الواحد منهم يعيش حتى التسعين أو المئة وأكثر، وازداد استخدام حبوب الفياغرا. وهناك بحوث علمية جديدة تسعى الى اكتشاف نوع آخر من الفياغرا للنساء العجائز، زوجات هؤلاء الرجال، حتى يمكن للزوجة العجوزة المهجورة أن تعوض عن حرمانها من خلال الشباب الفقراء العاطلين عن العمل.

قد يبدو لنا ذلك مقززاً إلا أن العالم الرأسمالي الذكوري لا يؤمن إلا بالربح، وإن تضاعف القرف.

يعيش العالم الرأسمالي الذكوري على الضعفاء والفقراء والنساء، فالقوة هي التي تحكم وليس أي شيء آخر، وأكثر الفئات ضعفاً هن البنات الصغيرات الفقيرات، اللواتي يتطلعن الى الحياة والحب والسعادة وكل شيء، إلا أن المجتمع من حولهن لا يعطيهن الفرصة، إلا بعد ان يسلب منهن أعزَّ ما يملكن، ليس بكارتهن فقط، لكن حياتهن نفسها الغالية وصحتهن النفسية والعقلية.

هناك جيل من البنات المحطَّمات في بلاد العالم، شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوبا، من جميع الثقافات والأديان، يعشن في ظل عالم رأسمالي ذكوري واحد، عالم يتاجر بمشاعرهن، يتاجر بأجسادهن وعقولهن، يتاجر بحاجتهن الملحة للحب والحنان، فيدفع بهن من دون رحمة الى السوق الحرة، (حرية الأقوى لاستغلال الأضعف) هناك دراسة علمية جديدة تكشف عن أن جيلاً من البنات في بداية هذا القرن الواحد والعشرين، يتحطم نفسياً بسبب تجارة الجنس في العالم، والتجارة بالعواطف والحب.

هذه التجارة تحوِّل الفتاة الصغيرة الى أداة جنسية في السوق الاستهلاكية، أصبحت البنات يتربين على استهلاك الصور الجنسية في أجهزة الإعلام وفي الأفلام والفنون، أصبح العري الجسدي بديلا للفن العميق الجميل، أصبحت العلاقات العاطفية والجنسية المريضة هي السائدة.

تتدرَّب البنات على وسائل الإغراء في أغلب العائلات، حتى الأسر المتدينة، تدرِّب بناتها على اصطياد العريس، ويظن الأم أو الأب أن ابنتهما على قدر كبير من الجمال والجاذبية، بل كثيراً ما تفخر العائلات بقوة بناتهن على الجذب واصطياد العريس الناجح الثري.

انه عالمنا الرأسمالي الذكوري، القائم على تحويل النساء، خصوصاً الفقيرات، الى سلع متحركة في السوق المحلية والعالمية.

أما السوق الاخرى القائمة علي التجارة بالجنس (البغاء) فقد أصبحت من أكبر الأسواق في العالم غرباً وشرقاً، تقوم علي بيع البنات الفقيرات من البلاد الفقيرة في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية الى البلاد الثرية في أوروبا وأميركا، هذه التجارة التي تقدر أرباحها سنويا بالبلايين، لا تزيد عنها الا أرباح التجارة بالأسلحة والمخدرات.

عالم قبيح يزداد قبحاً مع شراسة التجارة الرأسمالية، وشراسة الحرب العسكرية التي تشنُّها أميركا وإسرائيل والدول الاوروبية على بلادنا وبلاد العالم.

والنساء الفقيرات في عالمنا هن القاع، وعبيد العبيد.

الحياة