تركيا وإيران - زواج بالإكراه
ما قبل اندلاع الثورات العربية كانت التحاليل تصب في خانة توقع قيام تحالف استراتيجي يضم تركيا وإيران والعراق وسورية ولبنان، وأخذ البعض ينّظر لمثل هذا التحالف على انه "حتمية تاريخية" و"ضرورة وجودية"، ولكن ما ان وصلت رياح "الربيع العربي" الى أبواب دمشق حتى تغيرت خارطة التحالفات في منطقة الشرق الأوسط كما على المستوى الدولي. ومن هنا باتت الأزمة السورية أسيرة تجاذبات دولية وخاصة بين واشنطن وموسكو، وأسيرة تجاذبات إقليمية وخاصة بين أنقرة وطهران مع فارق ان الخلافات الدولية هي ذات أبعاد مصلحية من الممكن ان تحتدم او ان تنفرج حسب ما يدور وراء الكواليس من عمليات بيع وشراء بين الأميركيين والروس. اما على المستوى الإقليمي فقد أخذ التباين التركي – الإيراني بشأن الملف السوري أبعاداً وصلت الى حد التوتر بين البلدين والى إطلاق تصريحات تنمُّ عن روح عدائية معشعشة لدى الطرفين رغم ان الدبلوماسية المتبادلة أسرعت الى امتصاص هذا المناخ قبل ان يتطور ويذهب نحو المواجهة. فتركيا انخرطت في مشروع إسقاط النظام السوري ولم يعد أمامها من إمكانية للتراجع لأنها استثمرت في مشروعها كامل أوراقها، وبات الأمل بالتغيير الجذري في سوريا هو الخيار الوحيد أمامها من منطلق ان سوريا هي المعبر الاقتصادي والسياسي للتمدد التركي باتجاه المنطقة العربية بعد ان ساءت العلاقة مع العراق، وبعد ان بات النظام العراقي بحكم محسوبيته على ايران سداً أمام الطموحات التركية الإقليمية. يضاف الى ذلك عوامل عديدة كانت وراء الاندفاعة التركية ومنها تعميم النموذج الإسلامي التركي المعتدل بعد ان لاحت تباشيره في تونس ومصر والى حد ما في ليبيا التي تشهد صراعات قبلية وعشائرية وخلافات على تقاسم المغانم السلطوية والتي قد يطول بعض الشيء مخاضها قبل ان ترسو على شكل نهائي سواء لوحدة البلد او لطبيعة النظام الموعود.
وبالمقابل فإن ايران، وإن تكن من دعاة الإصلاح والتغيير في سوريا، إلا انها تريد تحقيق ذلك تحت مظلة نظام الرئيس بشار الأسد نظراً للعلاقة التي تربط طهران بدمشق منذ عدة عقود، ولأن دمشق هي العمق الإستراتيجي لطهران مع ما لذلك من امتدادات لإيران نحو القضية الفلسطينية، وحزب الله. كما يجب عدم التغافل عن التنافس الحاد على زعامة المنطقة بين ايران وأيديولوجيتها الشيعية وبين تركيا وعقيدتها السنية حيث لكل منهما تشريعاتها وفقهها واسلوب حكمها. وعليه فقد بدأت بوادر الخلاف التركي – الإيراني تظهر بعد تسرب معلومات عن اتفاق ايراني – عراقي – سوري يقضي بفتح خط بري بين هذه الدول تمهيداً لفتح خط جوي تكون فيه تركيا مستبعدة بعد ان كانت هي الشريان الحيوي التي تمر عبره مبادلات هذه الدول الاقتصادية والعسكرية. وتعمقت الأزمة بين البلدين نتيجة عدم تمكن قادة البلدين من التوصل الى اي قاسم مشترك بشأن كيفية حل الأزمة السورية حيث يقف كل فريق على طرف نقيض تماماً للطرف الأخر. وتتوّج الخلاف بإقدام ايران على طرح العراق كمكان بديل لمفاوضات 5 + 1 الخاصة بالملف النووي الإيراني على ان تجري الجولة الأولى في اسطنبول، مما يعني حرمان تركيا من لعب دور اساسي في ملف يعتبر من الملفات الهامة جداً على المستوى الإقليمي والدولي. ولهذا كانت ردة فعل رجب طيب اردوغان عنيفة عندما وصف الإيرانيين "بعدم الوفاء والصدق"، ولهذا ايضاً ارتفعت الأصوات الإيرانية المنتقدة للدور التركي في الأزمة السورية. ورغم ان الدبلوماسية التركية والإيرانية سارعت الى احتواء الأزمة إلا ان ذلك لا يعني حلّها بشكل نهائي لأن ما كان مخبّأً تحت الطاولة قد طاف على السطح. ولهذا من المحتمل ان تشهد العلاقات المزيد من التوتر رغم ان البلدين يعتبران ان الوقت غير مناسب حيث هناك علاقات تجارية متينة بينهما تصل الى حدود 10 مليارات دولار، وهي مرشحة الى الإرتفاع في سنوات قليلة الى الضعف إذا لم تحصل القطيعة بينهما. ويضاف الى ذلك ان تركيا تملك ما يكفي من اوراق الضغط على ايران ومنها ورقة المعارضة الإيرانية فيما ايران تملك ورقة العراق وورقة الأكراد وغيرها. ويبدو ان الوقت لم يحن بعد لكي يستخدم أي طرف أوراقه باعتبار ان الزواج لا زال قائماً بينهما حتى وإن كان بالإكراه.
رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي