الأزمة السورية تدخل دهاليز التدويل

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,275

 دخلت الأزمة السورية بشل فعلي دهاليز التدويل وبات تقرير مستقبل سورية الأمني والسياسي يتم اتخاذه خارج دمشق مما يوحي بأنها مرشحة لتمديد فترة زمنية كبيرة قد تطول لسنوات، خاصة وأن النظام السوري لم يعد قادراً على فرض أي حلّ كما ان المعارضة ليست بمستوى ان تلعب دور البديل. فالنظام السوري كان حتى فترة قريبة يعتبر ان الحلّ الأمني هو الأنسب وأن باستطاعته القضاء على المظاهر المسلحة ظناً منه انها كناية عن حركات أفراد محدودة العدد. وتوافق لجوءه الى خيار الحسم العسكري مع التعمّد في تقديم الوعود بإجراء إصلاحات سياسية دون رهن ذلك بفترة زمنية محددة بهدف كسب أكبر قدر ممكن من الوقت. وطروحات المعارضة انقسمت ما بين الداخلية، الداعية الى إجراء إصلاحات جدية وسريعة تكفل إشاعة مناخ ديمقراطي وتعددية فكرية وإلغاء هيمنة الحزب الواحد، وما بين الخارج المطالبة برحيل النظام قبل أي شيء آخر حتى وإن تطلّب الأمر تنفيذ ذلك بواسطة قوى دولية او عبر استخدام السلاح رغم مخاطر نشوب حرب أهلية ذات أبعاد طائفية ومذهبية.

ورغم كل المحاولات فقد فشلت مساعي توحيد صفوف المعارضة او على الأقل توحيد شعاراتها، كما لوحظ ان أي مجموعة محدودة العدد أطلقت على نفسها صفة المعارضة وباتت تقدم نفسها على انها البديل عن النظام الى حد لم يعد معروفاً وواضحٌ مَن هي المعارضة الحقيقية رغم ان "المجلس الوطني السوري" يُعتبر حتى الآن انه التجمع الأكبر. وعلى خلفية تطورات الأحداث منذ اكثر من عام تبين ان هناك عدة مشاريع دولية مرسومة لسورية منها:

- مشروع اميركي هدفه إسقاط النظام السوري ليس حباً بمنح السوريين هامشاً من الحرية بل لإبعاد دمشق عن طهران كمقدمة لمحاصرتها وعزلها ومنعها من التواصل مع حلفائها من حزب الله وحركة حماس.

- مشروع عربي هدفه إسقاط "الجمهوريات الملكية" وصولاً الى بناء أنظمة سياسية إسلامية تكون سداً أمام حركات التطرف والإرهاب وفي مواجهة تنظيم القاعدة وأمثاله.

- مشروع تركي يعتبر ان النظام السائد في أنقرة مثالاً يحتذى وتجربة قابلة للتصدير مع ما يستتبع ذلك من مكانة لتركيا على المستوى الاقتصادي والسياسي.

- مشروع إيراني هدفه الحفاظ على النظام السوري بأي ثمن من ضمن مخطط استراتيجي يتطلّع الى ربط إيران بالعراق وسورية ولبنان وفلسطين.

- مشروع روسي يتطلّع الى كيفية الحفاظ على النظام السوري كبديل عن الأنظمة الإسلامية التي قد تمتد الى الشيشان، ولإيجاد موقع قدم للقوات الروسية في المياه الدافئة عبر القواعد البحرية الموجودة على الشواطىء السورية، ولعدم إخلاء ساحة الشرق الأوسط لأميركا.

- مشروع صيني هدفه البدء باستثمار القوة الاقتصادية في المجال السياسي الدولي بعد ان بدا ان المصالح الصينية أصبحت مهدّدة في أكثر من منطقة في العالم وبعد ان خسرت بكين أسواقاً نفطية هامة في ليبيا وجنوب السودان.

- مشروع يضم دول البريكس (روسيا والصين والبرازيل وجنوب افريقيا والهند) والذي بدأ يأخذ شكل تحالف دولي حيث يشكل ما نسبته 18 % من الإنتاج العالمي و 40 % من التعداد السكاني، والذي يفتش عن أعضاء لضمهم اليه مثل سورية وإيران والعراق خاصة وأن الدولتين الأخيرتين غنيتان بالنفط. بعض هذه المشاريع تقاطعت، وبعض هذه المشاريع تعارضت الى حد ان أصحابها هم من يتحدث باسم المعارضة السورية ويقرر عنها مشروعها السياسي، أو من يتحدث باسم النظام السوري ويقرر له خطواته التي يجب ان يتّخذها سواء على المستوى السياسي كما على المستوى العسكري. ومن هنا يمكن التكهّن بأن الأزمة السورية مرشحة لأن تطول الى حين نضوج تسوية ما وذلك بعد ان يتسلّم بوتين رئاسة روسيا، وبعد ان يتقرر مصير الرئيس ساركوزي لولاية ثانية، وبعد ان تعرف نتائج الإنتخابات الرئاسية الأميركية. وبإنتظار ذلك ستهدر الكثير من الدماء السورية.

رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي