خمسة آلاف لبناني يلتحقون بالكونسرفاتوار وغلميّة يهدّد بطرد من يتعاطى السياسة
اللبنانيون يتجهون الى الموسيقى! ربما هذا ما يعنيه التحاق الألوف منهم بالمعهد الوطني للموسيقى (الكونسرفاتوار)، في ظروف يعاني فيها بلدهم من مزيد من التوتر السياسي والهواجس الأمنية. وقد نجح الدكتور وليد غلمية، رئيس «الكونسرفاتوار» الوطني اللبناني، في إبعاد هذه المؤسسة العامة من الحالة السياسية التي يعيشها البلد. وهو يؤكد في حديث الى «الحياة» «ان الانسان حر في قناعاته وآرائه خارج المعهد، وبالتالي فإن اي شخص يتعاطى السياسة داخل الكونسرفاتوار، أستاذاً كان ام طالباً، يُطرد».
ويثير ازدياد عدد الطلاب الراغبين في دراسة الموسيقى دهشة المراقبين. فالكونسرفاتوار يحتضن اليوم 5000 طالب في قسميه الشرقي والغربي، وهو ينافس في ذلك بلداناً غربية حيث لا يوجد هذا العدد الهائل من طلاب الموسيقى نسبة الى عدد السكان.
ويعود إقبال اللبنانيين الى اسباب عدة: فناهيك عن تطور الحياة بشكل عام وانفتاح اللبناني على التيارات العلمية والثقافية والأكاديمية وحبه للفن والابداع والجمال، فإن ارادة الاهل في تجنيب أولادهم آفات اجتماعية ومحاولة اشغالهم عن مشاهد الدم والاقتتال جعلتهم يبذلون كل شيء في سبيل تنمية الثقافة الموسيقية لدى ابنائهم.
وعمد غلمية الى تغيير البرامج والمناهج كافة، وافتتح منذ توليه مسؤولية ادارة المعهد قسماً للتأليف الموسيقي وآخر للجاز ومختبراً (كومبيوتر) للموسيقى. وتعززت مكانة القسم الشرقي خصوصاً مع وضع مناهج لكل الآلات الشرقية والغناء الشرقي للمرة الاولى في الدول العربية، اضافة الى انشاء الاوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق - عربية. اما الاوركسترا السمفونية الوطنية فتصنف اليوم كأهم اوركسترا في العالم العربي.
اما الشهادات فقد تم تعديلها من شهادة انهاء دروس الى شهادات بكالوريا وإجازة وماسترز.
ويقول غلمية: «لو طبقت خطة النمو التربوي التي وضعها الرئيس الراحل الياس الهراوي والرئيس الشهيد رفيق الحريري لكنا اليوم في حاجة للمئات من أساتذة الموسيقى في المدارس اللبنانية كافة».
ويبقى «الكونسرفاتوار» في ورشة دائمة على رغم الغيوم الملبدة في سماء لبنان. ويدل على ذلك نشاط الاوركسترا الغربية والشرقية الاسبوعي في بيروت، وسط إقبال جماهيري ملحوظ.
ويضيف غلمية: «من الناحية العلمية، الموسيقى هي معرفة قائمة بذاتها، لها قواميسها وقواعدها. ومن الناحية الدينية، فهي لغة الله لأن جميع الكتب السماوية توصي الصلاة بالترتيل. اما من الناحية الذهنية، فالموسيقى الكلاسيكية تشكل فلسفة صوت للانسان. وكما ان الفلسفة الاغريقية هي قاعدة الفلسفة والحساب هو قاعدة الرياضيات، فالقاعدة في الموسيقى هي الموسيقى الكبيرة بغض النظر اذا كان المبدع يؤلف موسيقى معاصرة أم لا».
ويوجه غلمية نداء الى العالم العربي: «الشعوب التي لا تدرك الموسيقى الكبيرة هي شعوب فاشلة ولا يمكن ان تنهض. فالشعب العربي لا يحركه الا الكلام، ينتقل دائماً من رد فعل الى رد فعل، ولا يعبر عن ما يختلجه من مشاعر في الحب والانجذاب والقتال والثورة الا بالكلمة». وكم من المرات يعجز الكلام عن التعبير.
واذا كان السائد في مجتمعاتنا العربية ان الموسيقى هي للترفيه يجدر التوضيح أن الثقافة الموسيقية ليست من الكماليات بل هي علم قائم في ذاته ونشرها في المجتمع يزيده انفتاحاً على الآخر ومعرفة للتراث الانساني العظيم.