المثاقفة ضرورة اجتماعية وحاجة عصرية
لأننا نعيش في عصر اختلاط المصطلحات وتداخل المفاهيم كان لابد- بدايةً- من تبيان لمبنى الثقافة ومعناها قبل الدخول إلى مفهوم المثاقفة. فالثقافة ضرورة من ضرورات الوعي الاجتماعي, و ليست حاجة علمية مقتصرة على رواد المكتبات أو المؤسسات العلمية, فتعريف الثقافة بأنها: الأخذ من كل علم بطرف, أو هي أن نعرف شيئاً عن كل شيء إنما هو تعريف سطحي بسيط. علة ذلك أنه مقتصر على بعض أولئك الذين تصفحوا الكتب وارتادوا الجامعات, دون النظر إلى الدور الذي تلعبه علوم الحياة وتجاربها. إن معاركة الحياة اليومية تشكل بنية معرفية عند المُعارِك لها, هي بنية قائمة على الاحتكاك الاجتماعي ضمن العائلة أو الأقارب أو حتى مجتمعنا القريب الذي نعيش وإياه, هذا التراكم المعرفي لدينا يشكل ما يسمى اليوم بمصطلح (الثقافة الاجتماعية) أو (الديالكتيك)- بحسب ماركس - هذه الثقافة ليست حكراً على المتعلمين و أصحاب الشهادات وما كان منبعها بطون الكتب أو عقول الأساتذة الجامعيين. إنها قابعة في مفاصل الحياة اليومية ومجرياتها. إنها في وعي الحكماء وقلوب المؤمنين. فلنضرب مثلاًً على ذلك, إن مشهد عجوزٍ يعبر شارعاً مكتظاً بالسيارات وبمساعدة أحد المارة، إنما هو مشهد يشكل بنيةً ثقافيةً ومعرفية تجاهه. و كثيرةٌ هي مواقف الحياة التي تعكس في داخلنا جملة انفعالات أو تساؤلات أو معارف, فقد أتفاعل مع الحدث الحياتي الذي أمامي تفاعلاًَ عاطفياً, أو قد أقف متسائلاً متردداً دون الوصول إلى حكم جازم أو حلٍ مناسب, أو قد أستوعبه وأفهمه بما أمتلكه من خبرات ومعارف كامنةٍ في أعماقي. ولهذه الانعكاسات الثلاثة عندي فائدةٌ هي أنها تشكل حجراً في هرمي الثقافي. فالثقافة الاجتماعية, إذن, ملكُ للجميع, وضرورةٌ مُجبَر على تلقيها الجميع لكنها كالمادة الخام, بحاجة إلى معالجة ذاتية داخل النفس الإنسانية, ومن ثم تكوينها صورةً من صور الوعي الاجتماعي لدينا. فنحن مستقبلون ومتلقون لكل ما يجري من حولنا, لكننا لسنا بالجملة عارفين أو مدركين الذي يجري بمجمله أو بتفصيله. فكلُّ إنسان مستقبل, لكنه ليس كلًُ مستقبلٍ مدركاً ما يستقبله وواعياً. فالثقافة -إذاً- وعيٌ وتفهم وإدراك داخلي لمجريات الحياة الدقيقة وحوادثها, ومن ثم التعامل مع هذه الحوادث وفق هذا الوعي لا وفق الموقف الانفعالي البدائي فقط. قد نفهم من ذلك أننا مجتمعٌ مثقف بمجمله, وهذا صحيح, لكن معظمنا لا يعمل وفقاً لهذه الثقافة, ولا يستفيد منها أو يستهلكها, وهكذا يغدو وجودها كعدمه. لذلك كان على المثقف منا أن يتصرف بحسب ثقافته النسبية وبحسب وعيه لما ثقفه من العالم من حوله, وبذلك يكون قد بدأ يعمل بما يعلم. ويكون قد شكل الجسر الذي سيعبر من خلاله إلى مثاقفة الغير وتبادل الوعي معهم. .....
يتبع