توازن
|
لسبب لا أريد إعلانه قررت إنهاء حياتي، لا تخافوا ولا تستغربوا، فلست الأولى ولست الأخيرة التي تفعل ذلك. إن لدى (مارشاك) أبياتاً رائعة: أتى الموت كمهمة وأخذ الحياة. جاءني هذا القرار كمهمة أيضاً وبدأت أنتقي أكثر الطرق راحة للانتقال من الحياة إلى الموت. لم تكن لدي تجربة في الانتحار لذا توجهت إلى ما جاء في الأدب عن ذلك. (إيما بوفاري) سمَّمت نفسها كما في رواية (فلوبير). ولكن الموت بالسمِّ سيستغرق وقتاً طويلاً. وفيه الكثير من العذاب، وإذا أخذنا بعين الاعتبار مستوى الطب المعاصر، فمن المؤكد أنهم سينقذونني وسيبلغون عني مكان عملي. يبدو أن حياة كلِّ عضوٍ في المجتمع هي ملك المجتمع وأنا لا يحق لي الإعتداء على الممتلكات العامة، لذا فإن الموت بالسم غير واردٍ. أن أطلق النار على نفسي! ليس هذا قابلاً للتحقيق. فالمسدسات خرجت من الاستعمال خروجاً كاملاً ولسنا في القرن التاسع عشر، حين كان المسدس يوجد مع كل رجل يحترم نفسه، كالولاعة والقلم في زمننا. ما الذي تبقى؟ - الشنق؟ ليس جميلاً .. - القفز من النافذة؟ مرعبٌ. أما أنا فأريد أن يأتي الموت متسللاً ويأخذني بلطف من يدي ساحباً إياي خلفه كالسعادة. كاحتضان حبيب بعد طول فراق. إنه هكذا. فالحياة فراقٌ مع الخلود، من الخلود أتيت وإليه أعود. وما الحياة إلا مرحلةٌ بين خلودين .. هذه قضيتي الخاصة وأنا أقرر كم ستطول هذه المرحلة. سألت نفسي ما أكثر ما أحب؟ إن أكثر ما أحب هو الفرح. ولكن أحداً لم يمت من الفرح. وأحب النوم أيضاً .. وهذا يعني أنه بإمكاني أن أموت وأنا نائمة. من الممكن ابتلاع عقاقير منومة، لكنها تباع بعبوات محددةٍ وهذا يعني أن جمع كمية كافية منها سيستغرق أسبوعاً كاملاً. ومن الممكن خلال هذه الفترة الطويلة أن أعيد النظر بالموضوع كله، لأن السبب الذي لا أريد إعلانه ربما يزول أو تتغير علاقتي به. هناك طريقة أخرى للنوم، إنها التجمد في الثلوج كسائق زحافة في السهوب الصماء المتجلدة. يقول العارفون إننا نشعر بداية ببردٍ شديد ثم يليه دفءٌ. بعده تأتينا أحلامٌ سعيدة. لا تظنوا أبداً أنني أمزح أو أتلاعب فلست مرحة قط كما أنني لست حزينةً أيضاً. لست آسفة على نفسي. لدى الشاعرة (أحمدولينا) أبياتاً تقول: "سنتحمل قتلنا نحن الإثنين بلا أسف ولا اهتمام". كما ترون فأنا بمجملي محشوة بالشِّعر الحديث. أحفظ بعض الأشعار كاملة مثل: "لا فرق عندي حينما أكون وحيداً" .. ولكن! يكفي حديثاً عن الشِّعر فلديَّ عملٌ هام. دخلت حوض الحمام وقفت تحت الدوش البارد تبلَّلت بالماء. التففت بشرشفٍ مخملي وخرجت إلى الشرفة، حيث درجة الحرارة ثلاثون تحت الصفر. شعرت وكأنني دخلت في اللهيب مثل (جان دارك). يظهر أن البرد حارقٌ وأن الحرارة العالية جداً والباردة جداً تعطيان التأثير نفسه. لم يكن الوقوف محتملاً، لكأنني في نار ملتهبة، ولكنها دون دخان. كانت الأحلام السعيدة بعيدةً جداً، لا علاقة لها بالحقيقة. ربما كانت خيالاً فنياً. لكن للتأكد منها يجب أن نتحلى بالطموح، وكي نجد الطموح علينا أن نتحمل، وكي يكون باستطاعتنا التحمل يجب أن نشد من عزيمتنا، فالعزيمة هي الأهم في أي عملٍ كان. أصبح شعري زجاجياً كالأنابيب وابيضَّ حاجباي وأصبحا طويلين أشعثين .. تعلق القمر فوق رأسي في السماء السوداء كفطيرة غير ناضجة. سأذهب ويبقى القمر. سينظر إليه الآخرون من الأرض، وسيضيء لهم بمعان متعددة لمعت المدينة بأنوار النوافذ، وخلف كل نافذة أبله أو عدة بلهاء معاً. إلى جانبي خشخش شيءٌ ما بقوةٍ كدبٍّ زاحفٍ، لعلها بداية الحلم السعيد. قفز رجلٌ ضخمٌ من الشرفة المجاورة إلى شرفتي، أغلب الظن أنه لصٌ، كان يسرق الشقة المجاورة. وفجأة جاء أصحابها فأراد الاختفاء عن أنظارهم. وقد يكون عاشقاً منحوساً قصد امرأة غريبة، وفجأة عاد زوجها، فوجد المغامرة بحياته أخف وطأة من أن مواجهة الزوج. وربما هو مهووسٌ قاتل. توجد نماذج إنسانية من هذا النوع، تتصيّدهم الشرطة عادة. وإلى أن تعثر الشرطة على هؤلاء المهووسين يكون لديهم من الوقت ما يكفي لفعل الكثير. أما بالنسبة لي فإن ظهور هذا المهووس ما هو إلا هدية القدر. ما دام سيختصر وقت انتقالي من هنا إلى هناك، لكأنه منحني السيارة التي تجعل انتقالي أكثر سهولة وراحة. ولكن وافقوا معي، إنَّ ترك الحياة برغبة خاصة شيءٌ، وأن تُدفَعْ منها دون إرادتك شيءٌ آخر، حتى لو تمَّ ذلك بسيارة مريحة. زَعقت بكلّ ما أوتيت من قوة، مع أنه لم يبق لدي منها إلا القليل. لقد رآني اللص حافيةً، شاحبةً ملتفةً بشرشفٍ، أخذتْه الدَّهشة، وقف كعمودٍ بالدرجة نفسها من التخشب والجمود: -ماذا تفعلين هنا ؟ سأل بصوتِ مندهشٍ لبق - وأنتَ؟ سألتُ أنا. شفتاي لم تتحركا. لفظت الكلمات كمن يتكلم من جوفه - أريد المرور عبر شقتكم إلى الدرج، هل هذا ممكن؟ - اذهب .. لك حرية المرور - وأنتِ؟ - ماذا أنا؟ - ألا ترشدينني؟ لا أعرف أقفال أبوابكم لا يبدو هذا الشخص لِصاً .. لو كان كذلك لما أربكته الأقفال - لنذهب وافقتُ وعبرتُ من الشرفة إلى غرفتي، كان ضوؤها ساطعاً. لم أطفئْه قبل الموت. تجمَّد الشرشف على جسمي وأصبح كالصَّفيح. مشى اللِّص خلفي وكأنه لم يفهم شيئاً. يبدو أنه لم يستطع كبت فضوله فسأل: - ماذا كنتِ تفعلين هناك؟ فأجبت: - شعرتُ بالحرّ - هل كنتِ تمارسين اليوغا؟ فوافقته متوخية اختصار الحديث: - نعم - ألا تشعرين بالبرد؟ - كلا، لقد اعتدت ذلك. اقتربنا من الباب، فتحت القفل بأصابع متجمدة مستقيمة وقبل أن يخرج رمقته بنظرة. وثانية شعرت بلهيب في داخلي، ربما من شدة البرد، إوه .. لقد عرفته: - ألستَ أنيسيموف؟ - كلا لستُ أنيسيموف، ومن يكون هذا؟ - لاشيء .. أحدهم أنيسيموف، حبي الأول .. كنت في الصف السابع وكانت مدرستنا تقابل دار الطلبة، ونوافذ صفنا تطل على نوافذ طالبين مرحين، وفي الفرصة كانت الفتيات تتعلقن بحاجب النافذة كالعناقيد، وتصرخن بكلامٍ ما، غبيّ ومرح، وكان الطلبة من الناحية المقابلة يتدافعون خارج النافذة صارخين بكلامٍ غبيٍ أيضاً. كان الجميع مرحين .. وكان أحدهم فاتح الشعر متطاول الوجه يصرخ "أنا أنيسيموف". كان له يدان ساعدان مفتولان وكفان قويتان تذكرتهما. دخل حب أنيسيموف قلبي كإبرة سعادة، ولكني لم أظهر حبي هذا مطلقاً. لم أتعلق بالنافذة ولم أصرخ كغيري. كنت أقف خلف الظهور وأراقب دون انقطاع. أما هو فيبدو أنه لم يرني قَط ولم يعرف أنني أحبه. أثناء الدروس، كنت أجلس دائماً ملتفتة، ناظرةً إلى نافذة أنيسيموف. كان يظهر أحياناً فيرتجف قلبي بنعومة، يقفز من مكانه ويسبح في جوفي كما لو كان في حالة انعدام الوزن، كنت أبدو كمن فقد وعيه. عندما انتقلت إلى الصف الثامن وأصبحت نوافذنا تطل على جهات مختلفة، انتهى كل شيء. لم يقدَّر لنا أن نتعارف ولكن إعجابي بأنسيموف لم ينته. وهكذا بقي حبي له أبدياً كالعسل المخبَّأ في القبور الحجرية القديمة. من ملابس فرعون لم يبق زرٌُّ واحدٌ، أما قارورة العسل فهي باقية إلى الآن كما كانت في ذلك الزمن، كما لو أنها على مائدتك وأنت تشرب الشاي بالعسل. هذا هو حبي لأنيسيموف. لا أستطيع القول إنني انتظرته طوال حياتي، وهو الذي لم يستطع الظهور لأنه لم يكن يعرفني في تلك الأيام، فأمام النافذة كانت تتسلطن الشقراء الجميلة (ريتكا نوسيكوفا) بينما كنت أقف خلف ظهور الفتيات، بنظارتي وحقيبتي المليئة بأبياتٍ من الشعر. لم يرني وحتماً لم يكتشف حبي، أما أنا فأتذكره جيداً لأنه كان في صلب حياتي. غير أن ظهوره هنا في هذه اللحظة المصيرية الذي لم يكن معقولاً كان حتمياً وطبيعياً. وكرَّر مؤكداً: - كلا أنا لست أنيسيموف ثم أردف: - دائماً يخلطون بيني وبين أحدٍ ما. أبدو دائماً شبيهاً لأحدٍ ما. كان هذا الرجل بالفعل شبيهاً بأنيسيموف لدرجة جعلتني أستدعي الأخير من ذاكرتي. كم من المياه انسكبت منذ ذلك الحين، كان عمري آنذاك أربعة عشر عاماً وكنت في الصف السابع، لم أره بعدها إلا نادراً ومن بعيد. أعدت التمعن في كفَّي الرجل وقلت في نفسي: كفَّان كهاتين لا تجيدان السرقة أو القتل، إنهما تجيدان الملاطفة فحسب.: - إلى اللقاء ودّعني (لا أنيسيموف) وهو يعتذر فشعرت وأنا أغلق الباب خلفه أنني لم أعد أرغب في العودة إلى الشرفة، لقد فقدت عزيمتي. دخلت حوض الحمام. ملأته ماءً حاراً واستلقيت فيه وبدأت أذوب ببطء، كدجاجة مجلدة. وسرى الدفء ببطءٍ في جسدي وتسلَّل أعمق فأعمق فأحسست بنشوة سعادة. كان دفئاً حقيقياً حتى أنك تستطيع تحسسه باليد. بعد أن ذبت بشكلٍ كاملٍ، أخذت "الشمبوان" وكان من نوع "التفاحة الخضراء" .. غسلت رأسي ونشفته بالهواء الساخن، لفَّ التيار الساخن شعري وصفَّفه حول وجهي، أزلت طلاء أظافري وضعت طلاءً جديداً عليها، ولبست فستان عرسي، وكان أبيض من (الباتستا) ذا خياطة بيضاءً أيضاً، صُنِعَ يوم صُنِع من قماش يوغسلافي غالي الثمن، أما الآن فيعتبر ذلك الثمن طبيعياً. فلقد تغيرت مفاهيم الأسعار. لقد لبسته مرة واحدةً يوم عرسي، وهو من ذلك الحين معلقٌ في خزانتي كمعروضٍ في متحف الشعوب، ليعكس تاريخي وماضيَّ المجيد. مرتدية ثياب عروس، أحضرت من البرّاد زجاجة شمبانيا سبق أن شربت منها، جلست خلف طاولة المطبخ، وفتحت الغاز، فتحت جميع عيناته الأربعة، والفرن أيضاً. انتشرت رائحة الثوم جارحةً، كأن رأسي امتلأ بالغاز وأصبح خفيفاً. لا تظنونني مجنونة. بكلّ بساطة أنا أشبه الطائرة التي انتهى وقودها فابتدأتْ بالهبوط ثم فقدت توازنها واتجهت منهارة إلى الأسفل. كنتم سترونني بهذه الحالة بالضبط. سكبت الشمبانيا وشربت .. انتفضت جدران المطبخ ودارت على وقع فالسٍ بطيء، مع تشديد عند مقاطعه القوية. بدا لي كأنني أستمع إلى ذلك الفالس. خطر لي أن أنهض وأدور مع الجدران. في تلك اللحظة رنَّ جرس الباب. أوهمت نفسي بأنه طنين في أذني ليس إلا، ولكن طنين الأذن لا يحدث الذعر! توقف الرَّنين وعلى الباب سمعت طرقات قبضات وركلات أقدام تلاها دفعٌ قويٌّ للباب بالأجساد. أدركت أنني إن لم أنهض فوراً وأفتح الباب فسوف أجده محطماً خلال لحظات. اقتربت، سحبت المزلاج وفككت السلسلة. أمام الباب كان يقف (لا أنيسيموف)، الذي تجاوز دهشته إذ رآني بالفستان الأبيض وأزاحني بحزم جانباً وتوجه إلى المطبخ كما لو أنه لم يكن ضيفاً، وإنما في بيته الخاص، أغلق كل مفاتيح الغاز وفتح النافذة، فدخل الهواء المجلد إلى المطبخ. ثم توجه إليَّ بشيء من الحزم: - لماذا فتحتِ الغاز؟ - تدفأتْ - مرةً تحسين بالبرد، وأخرى تحسين بالحرّ، ألا يكفي هذا؟! - وماذا يهمك أنت؟ ما الذي أتى بك، هنا وهناك!! مرة من الباب ومرةً من النافذة! - لأنك لا تعجبينني نزعتُ نظارتي رغبة مني ألا أرى وجه هذا الرجل بوضوح إذ وقعت عيناه على عينيَّ، وقال: - لماذا تتصرفين هكذا؟ هل أزعجكِ أحد؟ - أنا لا أوجه لكَ الأسئلة - لماذا؟ بإمكانكِ سؤالي - لماذا هربتَ عبر الشرفة؟ هل أتى الزوج؟ - نعم هزّ رأسه موافقاً - وأنتِ من أين عرفتِ هذا؟ - من النكات، هي حالة عادية، وصل الرجل في الوقت غير المناسب - نحن لم نتفق - هذا مفهوم .. لا حاجة لشرحه - أنا لم أكن أريد رؤيته. والمشكلة أنني قتلت زوجته كان هذا تغير غير متوقع لحالة عادية، أعدت نظارتي إلى وجهي وحملقت بوحه الضيف غير المدعو وقلت: - هل قتلتَها بسبب الغيرة ؟ - أنا طبيبٌ جراحٌ، أجريت لها عملية - آه، هكذا، عملٌ غير ناجحٍ، خللٌ، وما به .. هذا يحدث في أيِّ عمل - عملٌ غير ناجحٍ؟ إنها عملية القرن، (دبغي) فقط استطاع إجراء مثل هذه العملية هل سمعتم اسمه؟ وكان لا بدَّ لي من الاعتراف: - كلا، لم أسمع به نظر إلي (لا أنيسيموف) مستغرباً وكأن (دبغي) هذا (شكسبير) - أنا بالمناسبة لا أقرأ حتى شكسبير، أشاهده فقط في المسارح. وأضاف: - (دبغي) !! هذا أول جرّاحٍ في العالم، اقترح خياطة صمامٍ من "التيفلون" في القلب. قبل هذا كانوا يستعملون الصمامات الكروية، وكانت الكرة تلعب دور الصمام مباشرة ولكنها كانت تدق بقوةٍ حتى يذكرك حاملها بساعات المعامل، فتكتكاتها تسمع من بعدِ خمسة أمتار حول حاملها. بعدها اكتُشفت الصمامات "الوريقيّة" ثم حاول العلماء زرع صماماتِ من الخنازير. دبغي أول من اقترح "التيفلون". هل تعرفين ما هو التيفلون؟ - كلا - أنتِ لا تعرفين شيئاً! إنه مادة صناعية متينة جداً، يصنع منها طلاء المقلاة التي تستعمل للقلي بدون زبدة. أما الصمام التيفلوني، فهو عملياً غير قابل للتلف. "غير قابل للتلف! كما هو الحب الأول" .. فكرت في نفسي وعدت إلى فرعون .. لو أن الدكتور (دبغي) أجرى له عملية، لكان الصمام التيفلوني حتى الآن محفوظاً إلى جانب العسل. فسألته: - إذاَ أنتَ أجريت خياطة مثل هذا الصمام! - لم أخط بل ألصقت، لقد مضيت قدماً متجاوزاً (دبغي)، لقد عملت خمس سنوات مع العلماء لتصنيع صمغ عضوي قابل للامتصاص التدريجي. يلتحم بعدها الصمام دون أية خياطة ودون رضٍ لعضلات القلب. ولكن المهم هو الزمن، سابقاً كانت هذه العملية تستغرق خمس ساعات، أما الآن فتكفي لإنجازها أربعون دقيقة، كما في استئصال الزائدة الدودية. إنني خطوت مئة عام إلى الأمام، فأزلت من نفوس الناس رعبهم من عمليات جراحة القلب. بهذا أصبح القلب قابلاً للإصلاح كما في ورش إصلاح الموتورات. اتصلت بدبغي، إنه ينتظرني مع مريضتي، أما هي فلا تريد الشفاء. - لماذا؟ - لا تتحمل متطلبات العلاج. تقول إنها تعبت. وعندما لا يريد الإنسان أن يعيش يكون قد أصبح في دائرة الموت!.. ورفع (لا أنيسيموف) إصبعه إلى صدغه مؤشراً: - كل شيء هنا. صادفتني حالةٌ .. أجريت عملاً جراحياً لقرحةٍ معدية متطورة، لم أؤمن بالنجاح في ذلك الحين. كان المريض سائقاً لشاحنةٍ تنقل السَّمك وكان يأكل سمكاً فقط، كالقط، وكان يشرب كثيراً على ما يبدو.. هذا ليس مهماً. كنت خائفاً من احتمال موته على طاولة العمليات. ولكن الأمر مرّ بسلام، واستطعت الوصول بالعملية إلى نهايتها، بعد ساعةٍ ذهبت لأفحص المريض في غرفة العناية المشدَّدة فوجدت السرير فارغاً. نظرت تحت السرير .. خلته سقط، لم أجده، ركضنا نبحث عنه دخلت المرحاض فوجدته جالساً يدخن، يبدو أن دماغه لم يستوعب حجم الجراحة التي أجريت له. هل تتصورين؟ لقد شفي. مثل هذه العملية تكلف مليوناً ونصف من الدولارات في أمريكا. سكب (لا أنيسيموف) لنفسه شامبانيا وشرب ثم عرض علي، مع أنه من المفروض أنني أنا التي أعرض عليه الضيافة: - هل تريدين؟ - لا، شكراً اقتربتُ من المائدة وجلست. واقترب هو أيضاً وجلس. لم يشرب. بل أسند رأسه بكفيه وتجمد حزيناً. نظرت إلى هامته الشابة. عبرت قلبي إبرةٌ من الأسف، فقلت وأنا مقتنعة في ذاتي: - ولكن لا علاقة لك بما حدث، وما من ذنب عليكَ وقد فعلت واجبك، وبقية الأمر متعلقُ بها - لا قيمة للعملية بمعزل عن المريض. من الأفضل أن يعيش المريض بعد عملية سيئة من أن يموت بعد عملية جيدة. ها هو زوجها يأتي ليقول شكراً وبيديه زجاجة من (الكونياك) الفرنسي قلت مستغربة: - هل تعني أن هذه شقتكم؟ - نعم .. أنا أسكن في المدخل السابع - لم أركَ من قبل - وأنا لم أركِ أبداً - والزوج؟ هل يجلس الآن عندكم؟ - لا أعرف، ربما - ولماذا لم يكن خروجك من الباب ممكناً؟ - من غير اللائق أن أخرج وعندي ضيفٌ. أما هكذا فأنا اختفيت فقط، بدون شرحٍ، إن الاختفاء يختلف عن الذهاب - على الرغم من هذا، فإن خروجك غير لائقٍ، ومن الأفضل أن تعود - عليَّ أن أكون في المشفى الآن - ولكن كم الساعة الآن؟ لم أفهمك .. - هذا ليس مهماً، يجب أن أكون إلى جانبها، أو بالأحرى لا يمكن أن أكون، إلا إلى جانبها - اذهبْ إذن - لا أستطيع تركَكِ - لماذا؟ - لقد قلت لكِ، إنكِ لا تعجبينني - ولكنك تستطيع الوجود في مكانين في نفس الوقت فنظر (لا أنيسيموف) إليَّ بشيء من الرجاء: - إذن اذهبي معي ارتديت معطفاً فوق فستان العرس، نزعت حذائي المذهَّب واحتذيت جزمةً بدلاً منه. كان ضيفي يلبس ما خرج به مختبئاً: كنزة وبنطالاً من الجينز. - هل أعطيكَ شيئاً ما؟ - وماذا لديكِ؟ - لا شيء، لا توجد لديَّ أشياء رجالية - إذن أعطيني بطانية. أليس عنكِ واحدة؟ كان عندي بطانيتان، إحداهما من الريش والأخرى من القطن. جلبت له بطانية الريش لأنها أخف. تغطى (لا أنيسيموف) بها من رأسه، لقد لاءمته كثيراً يتكون المشفى من عدة أبنية بيضاء اللون، بدت في العتمة كأنها ترتدي مآزر طبية. دخلناه من أحد أبوابه وصعدنا إلى الطابق الثاني. سألت: - لماذا يبدلون الصمامات الطبيعية؟ - الصمام الطبيعي ممكن أن يَتلف. كان لديها صمام تالف .. أستغرب كيف كانت تعيش! - وممّ تَتلف الصمامات؟ - ليس كلُّها بل واحدٌ منها، إنه الصمام التاجي بين البُطين والأذين - وممّ يتلف؟ أمن المعاناة؟ - من الهجمات الروماتيزمية - وما هي هذه الهجمات الروماتيزمية؟ - لستِ طبيباً. لن تفهمي. دخلنا المكتب. ألقى (لا أنيسيموف) البطانية على الكنبة. أخذ مئزره الأبيض من الخزانة. خرج من مكتبه ثم عاد بسرعة وقال: - لنَمضِ معاً ربما خاف من تركي دون مراقبة. سطع في الممشى ضوءٌ خافت، كان الممشى موحشاً. جميع المرضى نائمون في غرفهم. تذكرت: "وبهدوء .. كالماء في الوعاء، كانت حياةٌ في المنام" .. آهٍ لقد أخطأت .. بل "كانت حياتها في المنام". لم تكن المريضة نائمة، كانت مستلقية، في غرفة فردية تنظر إلى الأعلى، عمرها غير ظاهر مطلقاً .. عشرون عاماً وربما خمسون. كانت تنظر إلى السقف وكأن عينيها تعلقتا به، لم تنتبه لظهورنا. - آلا نادى (لا أنيسيموف) فلم تكترث وظلت تنظر إلى الأعلى. مسك (لا أنيسيموف) يد (آلا) الضعيفة ورفعها عن صدرها ليعدَّ نبض القلب، ثم أعاد يدها وهو يرجوها متضرعاً: - آلا… أرجوكِ لم تسمع (آلا) أو أنها لم ترد أن تسمع، لقد فاح منها عدم اكتراث كونيّ بارد. يبدو أن (لا أنيسيموف) أراد أن يقول شيئاً ما ولم يستطع. استدار وخرج من الغرفة كالأعمى، أظنه.. ذهب ليبكي. لقد نسيني من شدة يأسه، اخترقتني إبرة من الأسف من جانب لآخر. فقلت للمريضة مكرِّرة وبهدوء جلست على حافة فراشها: - من فضلك حرصت أن أقع في محيط نظرها بكل معنى الكلمة، كنت أمام وجهها. رأتني بفستان العرس الأبيض، ظنت أنني الموت، وقد ظهر بهذا المظهر الغريب، ولكن حتى الموت لم يسترع اهتمامها. همستُ في إليها بحرقة - أنا أفهمكِ، أعلم أنكِ تعذبتِ طويلاً. لا أفهم كيف استطعتِ البقاء على قيد الحياة، أنتِ تعبتِ كثيراً وتنشدين الراحة بأي ثمن كان، حتى ولو بنوم أبدي، تريدين الاستراحة من الألم، من الناس من كل شيء في هذه الحياة، فحياتك هجمات متتالية من الألم. لا يُحتمل الألم الشديد طويلاً. وصلتِ إلى حدِّ الانهيار .. وصلتِ إلى حد الانفجار، أنا أفهم. آلا .. أنتِ لستِ وحيدة .. معكِ يقف طبيبكِ الذي عالجكِ، وخلفكِ مئات الآلاف من المرضى الذين يحتاجون شفاءكِ كضمانة لهم. خلفكِ (دبغي) الذي ينتظركِ، وكلّ أمريكا، هناك أيضاً يمرض الناس. وبالمناسبة، هل تعلمين بأن كلفة عملية كهذه هناك تصل إلى مليون ونصف من الدولارات، وأنه ليس كل مليونير يسمح لنفسه بدفع هذا المبلغ لقاءها. أما أنتِ فقد أجْريَتْ لكِ دون مقابل، في حين أنكِ تتقززين ولا تودين الشفاء!! حسناً .. من الممكن أنكِ لا تكنرثين لما أقول، لا تريدون الشفاء بل أنتِ تبصقين على الإنسانية وأمريكا ودبغي، الذين لا تعرفينهم، إنما تذكَّري أن وراءكِ أناسٌ قريبون .. زوجكِ .. الذي يجلس الآن قلقاً شارد الذهن لا يعرف النوم .. ببساطةٍ آلا .. ليس من حقِّكِ فعل هذا، هل تسمعينني آلا؟ نظرت آلا في وجهي وسألت بهدوء: - من أنتِ؟ فأجبت: - لا أحد - ألست أتخيلكِ؟ - لا بل أنا موجودة انحنيت كثيراً فوق (آلا) فسقطت نظارتي على وجهها. سحبت يدها عن صدرها، أخذت نظارتي ووضعتها على وجهها. - بالفعل هاأنذا أراكِ لقد رأتني، وسمعتني .. وهذا أعطاني إلهاماً حتى القشعريرة، نسيت معه نفسي تماماً ونسيت ذاك السبب الذي لا أريد إعلانه، كانت هناك فقط تلك الغرفة وعينا آلا وخلف الجدار كان (لا أنيسيموف) يقف مصغياً. قلت لها: - لا يجوز للمرء التفكير بنفسه فقط، أو حبّ نفسه فقط، أو الأسف فقط على نفسه .. وإلا اختلَّ التوازن سألت المريضة: - ما الذي سيختل؟ - كل شيء سيختل، سيختل النظام الشمسي كله. لا يحق لكِ وعادت آلا تسأل بلهجة ضعف: - ما الذي تريدينه مني؟ - أن تذهبي إلى المرحاض - لماذا؟ - لكي تدخني - لا أريد .. ولا أستطيع - أنتِ لا تعرفين إن كنتِ تستطيعين أم لا .. إن الإنسان لا يقدِّر إمكاناته ضممتُ (آلا) من كتفيها وبدأت أرفعها، تعلقت بعنقي وبدأت تساعدني كي تتسند عليَّ وسألتني: - ألن ينقلع صمامي؟ هاهي تبدي خشيتها على حياتها .. إنه مؤشرٌ جيد. فقلت مؤكدة: - لا لن ينقلع قامت آلا من سريرها .. تساندنا معاً وخرجنا ببطء من الغرفة إلى الممشى، كنت ألبس فستان عرسٍ أبيض وكانت تلبس قميصاً المرضى الأبيض المختوم بخاتم المشفى الخاص عند الظَّهر. كنا نتقدم ببطء، كطيفين متضامنين، وكان يخيل إليَّ أننا لو قفزنا لطرنا سابحتين في الفضاء. انساب ضعفها إلى داخلي وانسابت سعادتي إليها. تلك السعادة التي أحبها أكثر من كل ما في هذه الحياة، ومن أجلها كنت سأموت .. وأنا الآن لا أريد الموت، انتهى مزاجي العملي وطار، أريد فقط أن نمشي هكذا متضامتين، وكفراشة في الكف .. أن أحمل هذه الحياة الحساسة الغريبة الهشَّة. كان الممشى لا يزال فارغاً إلا من ممرضةٍ تتكئ على الأريكة شبه نائمة، ولا يزعج الهدوء إلا تكتكات المنبه المنتظمة تذكرك بصوت الجندب، تنتشر عبر الممشى. خرج (لاأنيسيموف) من مكتبه فرآنا وقد اقترب الصباح. دُهش كما توقعت .. كان كل يومه اندهاشاً. وقعت على عينيه عينا آلا: - مساء الخير ولم يستطع (لا أنيسيموف) الكلام فتمتم: - ماذا تفعلان هنا؟ فأجبته: - ذاهبتان للتدخين عندها اندفع (لا أنيسيموف) نحونا فأخذ يد آلا وبدأ يتحسس نبضها، ثم أدار نحوي وجهاً مصعوقاً وسأل: - اسمعوا. ماذا فعلتِ؟ رن منبه الممشى، كانت السادسة صباحاً، حان وقت الحقُن الصباحية، قامت الممرضة عن الأريكة، كانت ممتلئة وذات نظارات مدورة، برّية تشبه (أختي توخت). لقد سمعت في طفولتي تلك الحكاية ولم أفهم من هي (أختي توختي) حتى الآن أهي دجاجة أم كبابة شوك. غادرنا المشفى .. قرب مدخل بيته أمر (لآ أنيسيموف) السائق بالتوقف. ما استطاع أيٌّ منا النوم في السيارة. تحدث معي وهو يدفع الأجرة، قال: - إنه اليوم الخامس دون نوم الآن أصبحت قادراً على النوم، سأصل وأنام كالقتيل خرجنا من السيارة. نظر السائق باستغراب نحو (لا أنيسيموف) الملتف ببطانية، ترى ترى ما الذي ظنه بنا؟ اتجهت نحو مدخلي. - إلى أين؟ صرخ بي .. ناداني كأنني كلبٌ، واقتربت منه كالكلب. بالدرجة نفسها من الثقة والبساطة مذكِّرة إياه: - ولكنكَ ذاهبٌ إلى النوم - وما به؟ أنتِ أيضاً ذاهبة إلى النوم. حتى أنه لكِ عندي بطانية. تحت بطانيتكِ تستلقين. أخذني من يدي وقادني خلفه فقاومته قليلاً وقلت: - لا .. لا أستطيع النوم بدون قميص نوم - لا أستطيع أن أساعدكِ إذ لا توجد لديَّ ثيابٌ نسائية، تنامين بفستانكِ. وما أن دخلنا المصعد حتى أرخى رأسه إلى جداره وأغمض عينيه. وغفا كالفرس، لا بل كالحصان. ضغطت على الزر اللازم. ولكوننا جاران ونعيش في المستوى الطابقي نفسه فإنني أعرف الطابق. قدته بيدي مباشرة إلى بابه وبدون أن يستيقظ تماماً حاول (لا أنيسيموف) فتح الباب ولم يفلح فصرخ وكأنه استيقظ من نعاسه فجأة: - يا للشيطان سُمع من الناحية الأخرى حفيفٌ فُتح بعده الباب. وعلى العتبة وقف رجلٌ أشعث، بقميص من المربعات الحمراء .. مظهره لا يشير إلى عمره، قد يكون بين الثلاثين والخمسين، فإما أن يكون ذا ثلاثين عاماً ويبدو تعباً، وهذا مبرر في حالته، أو أن يكون قارب نصف القرن ولكنه يبدو كمن حافظ على شبابه. سأله (لا أنيسيموف) دون استغراب: - أما زلت هنا؟ فأجاب باستغراب: - وأين تريدني أن أكون؟ وقفنا ونظر كل واحد في وجه لآخر فدعانا الرجل طالباً خلع المعاطف: - ادخلا دخلنا فخلعت معطفي بينما ألقى (لا أنيسيموف) البطانية عن كتفيه وفرك يديه المتخشبتين. كان وجهه مرهقاً وسعيداً في آنٍ واحد .. كان مسروراً مثل "اليوشا بايوفيتش" بعد معركة مع التاتار فقال للرجل الذي بدت عليه حالة الاضطراب: - أحضر زجاجة الكونياك فقد صار ممكناً أن نشربه الآن .. أصبحنا نستحقه. - لقد شربته.. كان يجدر بكم أن تتنزهوا فترة أطول أيضاً فقال (لا أنيسيموف) باستغراب: - كلَّه؟ - كلَّه طبعاً. آسف .. انتظرت .. انتظرت طويلاً - إذن اذهب إلى البيت ومرة ثانية فرك (لا أنيسيموف) يديه كمن حقق شيئاً ما، لا شكَّ بأنه تلك العملية التي اختصر بها مجمل إنجازاته الماضية. وكرَّر: - اذهب إلى البيت - أنا؟! سأل زوج المريضة آلا دافعاً إصبعه في صدره ذي المربعات الحمراء - أجل أنتَ، ثم التفت نحوي وأضاف: - وأنتِ أيضاً .. ستخلعان ملابسكما وتنامان نوماً طبيعياً .. فالنوم بملابس الشارع غير مريح فقلت مستغربة: - أتطردني؟ لماذا؟ - لأنكِ لا تعجبينني اقترب مني، أخذ نظارتي عن وجهي وبدأ ينظر وكأنه يمسح وجهي بعينيه. انتفض قلبي بنعومةٍ، قفز من مكانه وسبح كما في حال انعدام الوزن. - أعتقد أنني رأيتكِ في مكانٍ ما - طبعاً، ألسنا جارين؟ - لا بل قبل ذلك - يمكن أن يكون في ذلك الزمن البعيد وخلف الظهور، خلف وجه ريتكا نوسيكوفا العريض الضاحك - لا أريد أن أنزل إلى الشارع وأصعد من هناك إلى بيتي. هل بإمكاني المرور عبر الشرفة؟ - ممكن سمح (لا أنيسيموف) بذلك وأضاف: - ولكنني سأساعدكِ خرجنا إلى الشرفة فأعطاني يده القوية الجميلة الموهوبة، استندت إليها بثقة ووقفت على حاجز الشرفة. المدينة نائمة تتابع أحلام الفجر .. فكَّرت: "كم مددت يد المساعدة! ولأي عدد من الناس! وحين احتجتهم لم أجد أحداً منهم إلى جانبي .. بينما بمجرد صدفة، ظهر بقربي إنسانٌ لم أتوقع مساعته. هذا يعني أن مبدأ "أنا أعطيك وأنت تعطيني" غير حتمي، لأن الطيبة لا تتطلب تعويضاً مقابلاً، بل أنا اساعدك، وأنت تساعد آخر، والآخر يساعد ثالثاً، وهكذا على مسار الزمن والمكان. ولتبق هذه السلسلة دونما انقطاع". خرج زوج آلا إلى الشرفة وغطى باهتمام أكتاف (لا أنيسيموف) ببطانيتي وأنبه خائفاً عليه من البرد. لقد ساندني (لا أنيسيموف) وأنا ساندت (آلا) التي دعمت البشرية جمعاء، والبشرية ستدعم زوج (آلا) وعندها يلتئم العالم في حلقة كوراليةٍ واحدة. انقشعت السماء، تحولت من أسودٍ إلى فضي وأضاع القمر هالته الرائعة ولم يعد للظهور. كل شيء عاديٌ، لا حسنٌ ولا سيئ. بدت البيوت كأنما غطَّست بمادةٍ مظهِّرةٍ، وضحت الجدران بينما تعتمت النوافذ، وبدا لي وكأن خلف كل نافذة ينام عبقري أو مجموعة عباقرة. شاعر روسي. بطلة رواية فلوبير الكاتب الفرنسي والتي تحمل الاسم نفسه. شاعرة روسية. من الآن وحتى نهاية القصة سيبقى اسمه "لا أنيسيموف". شيء ما من حكايا الأطفال. |