الحكيم عمر الخيَّام .. بين مِطرقة الحقيقة وسندان الأيَّام
دَرْ كارْكِه كُوزْكَرى رَفْتَمْ دُوشْ
دِيْدُمْ دو هَزَارْ كُوزَه كُويّا وَخَمُوشْ
ناكَاه يِكِى كُوزَه بَرْ آوٌرْد خَرُوشْ
كُو كُوزَه كَرْ وَكُوزَه خَرْ وَ كُوزَه فَرُوشْ
رأيت صفاً من دنـان سـرى
ما بينهـا همسُ حديث جرى
كأنهـا تسـأل: أيـن الـذي
قد صاغنا او باعنا او شرى؟
إنه أبو الفتح غياث الدين عمر بن ابراهيم النيسابوري المعروف بالحكيم عمر الخيام، واحد من أعظم فلاسفة ورياضي ومنجمي وأطباء وحكماء وشعراء القرن الخامس وأوائل القرن السادس. ولد في نيسابور في العقد الرابع للقرن الخامس لأب يعمل في صناعة الخيام وإليه نسب، وكما هو شأن العظام فان تفاصيل حياته يلفّها هالة من الروايات المختلطة بالاساطير والإبهام من ذلك انه درس في صغره مع خواجه نظام الملك الطوسي وحسن الصباح مؤسس الفرقة الاسماعيلية وهذا ينافي الحقائق التاريخية.
انتقل عمر الخيام الى سمرقند بعد أن تلقّى علوم عصره ومعارفها في نيسابور. وهناك في سمرقند نال رضى واهتمام أمير القراخانيين شمس الملك نصر بن ابراهيم وأنجز آنذاك رسالته المعروفة في الجبر. بعدئذ انتقل الخيام الى أصفهان ليدخل تحت ظل عناية السلطان ملك شاه السلجوقي، هنالك عمل على اصلاح التقويم الايراني وبناء المرصد الفلكي في أصفهان بعد ان أكرمه السلطان ومد له يد العطاء وسخَّر له كل الإمكانات اللازمة لأعماله.
توفي السلطان ملك شاه فخلفه السلطان سنجر السلجوقي، لكن الحكيم الخيام لم ينل حظه وبغيته من الأخير رغم معالجته له من الجدري، الأمر الذي دفعه للعودة الى موطنه نيسابور ليُمضي باقي أيام عمره في العزلة والانزواء حتى توفي هناك في تاريخ يقدر بين العقدين الثاني والثالث للقرن السادس الهجري.
يذكر التاريخ ان الخيام لم يكن لديه رغبة كبيرة بالتدريس والتأليف، بسبب افتقاده لتلاميذ أذكياء، وربما كان لأوضاع عصره أثر في ذلك، فقد عاصر أيام الحكم السلجوقي حيث التعصُّب الشديد ضد الفلسفة في مجتمع راج فيه سوق الفقهاء والقشوريين، الأمر الذي جعله يترفع عن إبراز افكاره الحرة الرفيعة، لكن رغم ذلك فقد ترك الخيام آثاراً كثيرة وعظيمة تُرجِمتْ في القرون الوسطى الى اللاتينية ثم ساهمت في نهضة العلوم الحديثة والتقدم العلمي في الغرب ومن ذلك:
1- رسالة في الجبر والمقابلة؛ وتُعَدُّ أهم مؤلفاته في الرياضيات وقد تُرجمت سنة ۱۸۵۱م الى الفرنسية وفُسِّرت وطُبعت مرفقةً مع نصِّها العربي. ثم قام المحقِّق الإيراني غلام حسين مصاحب بترجمتها الى الفارسية مع غيرها من الرسائل الخيَّامية وذلك في سنة ۱۹۵۰م وقد طبعتْها مؤسسة الآثار الوطنية الايرانية في كتاب عنوانه: «الحكيم عمر الخيام عالماً في الجبر».
2- رسالة في شرح ما اشكل من مصادرات كتاب اقليدس وهي محفوظة في مكتبة ليدن في هولندا.
3- زيج ملكشاهي.
4- خلاصة في الطبيعيات.
5- رسالة في الوجود، كتبها بالفارسية باسم فخر الملك بن مؤيد، وهي محفوظة في متحف بريطانيا في لندن وعنوانها «رسالة بالعجمية لعمر بن الخيام في كليات الوجود».
6- رسالة في الكون والتكليف.
7- لوازم الأمكنة.
8- رسالة في الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما، وهي محفوظة في مكتبة غوته في ألمانيا.
9- رسالة مسمَّاة بلوازم الأمكنة في الفصول وعلَّة اختلاف هواء البلاد والاقليم.
10- نوروزنامه، أيْ رسالة النوروز وقد خُطَّت باللغة الفارسية وتتحدث عن نشأة عيد النوروز ومبدعه وآداب ملوك إيران في هذا العيد.
على ان أشهَرَ آثار الخيام والتي طغت على باقي مؤلفاته هو الرباعيات التي طُبعت مراراً وتكراراً في إيران والهند، وتُرجمت مئات المرات الى الكثير من اللغات الأوروبية كاللاتينية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والدنمركية والروسية و.. إضافة الى اللغات الشرقية ولاسيما اللغة العربية والتركية. والحق ان شهرة الخيام في الخارج ولاسيما في بريطانيا وأمريكا قد فاقت شهرته في وطنه، ولعلّ السبب يعود الى الترجمة الإنجليزية التي قام بها أحد الشعراء المبدعين الإنجليز واسمه إدوارد فيتز جرالد، وحمّلها أسمى درجات العذوبة والإبداع والجمال والبلاغة وذلك سنة ،۱۸۵۹ ونشرها في لندن فلاقت ذيوعاً وشهرة عظيمة، الأمر الذي ساهم في انتشار فلسفة الخيام ومسلكه الفكري بشكل متزايد في أنحاء الغرب بعد ان تلقَّاها وفق منحىً مادي يروِّج لفلسفة اللَّذة والعيش الرغيد دون مبالاة بشيء.
يُثار الشكُّ في حقيقة عدد رباعيات الخيام، ففي الوقت الذي وصل عددها إلى ۸۰۰ رباعية يرى البعض انها لا تتجاوز في الأصل المائة رباعية، ثم تضخَّمت مع مرور الأيام. لكن وبحسب رأي المستشرقة الدنماركية كريستنسن فانه رغم الشكِّ في هذه الرباعيات إلا أن هذا لا يَقْدح في أهميتها التاريخية والشعرية ولا ينال منها، اي - وبحسب كريستنسن - يجب ان تفصل عن الخيام وتُعَدُّ وليدة روح إيرانية تعبِّر عن الثورات السياسية والدينية والخلافات الاعتقادية والصراعات التي كانت تحتدم دائماً. وتضيف: قد يكون الخيام هو الذي بدأ بهذا الخط وأعلنه، ثم تلقَّفه الآخرون فبسطوه وتوسعوا فيه.
تلخِّص الرباعيات فلسفةً ورؤيةً تقوم على الشك وعبثية الوجود وجدليَّة الحياة والموت والخلق والحَيرة والحسرة على الأيام، وتغليب العقل على الكشف والشهود، والدعوة الى اغتنام العيش والتلذذ بالحياة، وغير ذلك من المفاهيم التي أثارت حفيظة الفقهاء وعلماء الدين فكفَّروا صاحبها وهاجموه، حتى بعد موته.
وكم هو مبدع الشاعر العربي أحمد رامي حينما صاغ رباعيات الخيام شعراً ومن ذلك:
لا تَشْغَلِ البـال بماضي الزّمانْ
ولا بـآتي العيشِ قبـْل الأوان
واغنم مِن الحـاضرِ لـذّاتـِه
فليس في طبع اللّيـالي الأمان
لا تحسبوا أني أخافُ الزّمـان
أو أرْهبُ الموتَ إذا الموتُ حان
الموتُ حقٌّ لستُ أخشى الرَّدى
وإنما أخشى فـــواتَ الأوان
عشْ راضياً واهْجر دواعي الألم
واعْدل مع الظـّالم مهما ظلـم
نهــاية الدّنيــا فنـاءٌ فعِشْ
فيهـا طليـقاً واعْتبرْهـا عَدَمْ
الأسبوع الأدبي