المفارقة
تجمَّدت عقارب الساعة واستطال ذهوله لوقت من الصعب تعريفه وتحديده بمعايير الزمن المتداولة.
تاه في رحلة بلا معالم.
بحث عن صوته ليطلق صرخة ذهول.. فتلاشى الصوت.
كان الألم يعيث فيه تمزيقاً. يبعثر أشلاءه. لم يصَب بأذى وياليته أصيب. كان ذهوله وحشياً. تداخلتْ أفكاره عليه. فقد القدرة على الفهم. اختلط المكان عليه ففقد الدلائل لتحديد مكان تواجده. تناثر الزمن.. فاختلط عليه الوقت. كان يَرى ولا يُرى. يَعرف ولا يُعرف. ينزف دماً ولا ينزف. يمزِّقه الألم ولا يمزِّقه. يصرخ ولا يصرخ. الصراخ محبوس في صدره. ثلاشى أمام ذهوله. أحسَّ بضياعه.. ضياعٌ يتكثف.. خانقٌ، مؤذٍ، كئيب. قد تفيده الصرخة في تحديد مكانه، في العودة الى عالم معروف والى زمن معلوم والى رؤية محددة.
ركض مرتعباً نحوه.. شنطتُه متدلية من كتفه.. وصوته ينطلق مرعوباً:
- بابا…
بابا ممتدة طويلة نصبت شعر جسمه بقشعريرة وأيقظت كل حواسه. حتى تلك اللحظة كان كل كل شيء واضحاً.. وبزمن من الصعب تعريفه انتهى أحساسه بما حوله. صرخ مستغيثاً، صرخ بقوة لم يعهدها في نفسه. ركض نحوه بهمَّة ظنَّها تلاشتْ مع تلاشي الشباب. اشْتَدَّتْ عضلاته، وتيقَّظت كل حواسه... للحظات فقط.. بعدها تمزق في ضياعه. تاه في رحلته.
رحلة غامضة.. فقد صوته.. لم يعد يشعر بذاته.. تتفكَّك أطرافه.. لا شيء يجمعها.. لا شيء يربطها.. لا شيء يحرِّكها.. تسمَّر في مكانه باحثاً عن أطرافه. لا يشعر بيديه. لا يشعر بقدميه. لا يشعر برأسه بين كتفيه. لا يجد صوته. لا يجد يقينه. لا يستوعب رؤيته. جسده يفقد ترابطه. يتفكَّك. ركبتاه تفشلان في استمرار حمله. لم تعد له قدمان، لا يحس بقدميه.. تلاشتا... وتهاوى فوق الأرض الترابية. لم يحسَّ بألم ركبتيه.. لم يحسَّ بأي ألم يعتريه. كان ألمه غريباً. يتدفَّق من داخله.. يتفجر بدفعات... والدم يتدفق.. حارا.. والنظرات المرعوبة تتعلق به بلا حراك.. ربما فيهما رجاء، رجاء صامت.
- بابا..
صرخة مرعوبة ممتدة تطرق طبلتي أذنيه، وتترُك صدى لا ينتهي. إحساسه العارم بالعجز المطلق يزيده ذهولاً وألما.. ذهول ممتد وألم متدفق.. طاغ، صرخة مرعوبة ممتدة تمزق طبلتي أذنيه. وصراخه يتراكم في صدره.. لا يجد منفذاً له، صراخ أخرس، يكاد يخنقه صراخه المحبوس، ولم يجد بدَّاً من احتضان الجسد الصغير.. احتضنه بأمل ان يجد فيه بقايا حياة. خضَّب الدَّم يديه وثيابه.. دم حار. والصرخة المدوِّية تواصل طنينها.
صرخة مرعوبة ممتدة.. “بابا” كان الدم دمه والألم ألمه.. والجسد المتراخي جسده، والعينان الجاحظتان عيناه. مد يده يلامس الجبين الذي تدفَّق العرق منه قبل لحظات. اصطبغ العرق بالدم. كان يجري مرعوباً صارخاً للاحتماء به، فاجبرته طلقة على افتراش الارض... منهاراً مذهولاً أمامه. كاد يحتضنه وهو يتدفق حياة.. وها هو يحتضنه ودمه ينزف قطراته الأخيرة.
كل شيء تغير بلحظات، كل شيء اختلف بلحظات. لم يستوعب ما جرى.. وعجز عن التفكير.
تغيرت المشاعر والأفكار، انعدمت، تلاشت، وغيّرت مضمونها.. احتلَّتْه أحاسيس أخرى، أحاسيس مجهولة لم يدر كنهَها. اعْترته رؤية غير التي يمارسها منذ نصف قرن. حاسَّة سمع غير التي اعتاد عليها كل عمره. ألمٌ لم يعرفه من قبل.. حتى حاسة اللمس تفقد مميزاتها القديمة.
الدم الحار المتدفق لا ينتهي. ربما خياله يوحي له ذلك.. والصرخة في صدره تتضخَّم ولا تجد مخرجاً.. تكاد تخنقه.. والدم يخضب يديه والارض، والجسد يتراخى بين يديه، وصرخته المرعوبة الممتدة “بابا” تدوي بتواصل لا يتوقف.. وفي عينيه الجاحظتين رجاء.. وهو عاجز أمام الرجاء.
لم يشعر بالجلبة التي حوله، لم يسمع صراخ القهر المدوي.. وغرق بألمه وذهوله وعجزه المرعب. ذهوله تجاوز ألمه.. تجاوز قهره.. تجاوز صراخه. “بابا” تدوي بأاذنيه. كان بينه وبين احتضانه لحظة. قطعتها طلقة.. بعد الطلقة حل الذهول.. ولم يحتضن الجسد المنطلق، احتضن صرخته المدوية “بابا”.
الطلقة أوقفته على بعد خطوة منه.. وتلوَّث الجبين الفتي بالدم الحار المتدفق بغزارة.. واحتضن الأرض تحت قدميه.. واحتضنه الذهول.. وبقي الرجاء في عيني الصغير.
أراد من نفسه أشياء كثيرة.. في تلك اللحظة لم يفهمها. كان في زمان محدد ومكان معرَّف.. ولكنه خارج ذاته. كان منفصلاً عن حواسِّه، حياً وميتاً، موجوداً وغير موجود. قريباً وبعيداً. يمسح العرق عن جبين الصغير فيتدفق الدم. الدم الأحمر القاني. دم لا يتوقف. يملأ يديه. يروي الارض الشرهة بغزارة. تصطبغ ولا ترتوي. وصرخات الألم حوله تعلو.. وهو بعيد. ربما لا يسمع؟ ربما هو المقتول؟ الدماء المتدفقة دماؤه؟ كان خارج نفسه. خارج وعيه. خارج مكان تواجده.. وخارج الزمان المعروف. خارج حواسه ومشاعره. وفي أذنيه دويٌّ لا يتوقف.. يمتد مرعوباً.. مدوّياً “بابا”، وهو لا ينجح ان يجمع نفسه... فيتهاوى.
للحظات تداخل الحدث في ذهنه بشكل غير منظم. ربما بقي وعيه. ترسّبات ذهنية من قبل الذهول.
حين دوت الصرخة اهتز جسده بفزع.. وبشكل خاطف انطلق للخارج باتجاه الصرخة. لم تكن ضرورة ليفكر بما يحدث. كل شيء كان واضحاً بالصرخة.
كان يراه شاباً يافعاً وعروسه ترفل بالبدلة البيضاء وسط غابة من الزهور، والسعادة تملؤه. تلك أمنية عمره. رُزق به بعد عام كامل من المعاناة ولم يرزق بغيره. وكان يرى حفيده. كان يحلم ان يكون له حفيد، يحمل نفس اسمه، يتجدد به. يحقق ما لم يحققه هو. ومن كثرة ما تاه بحلمه صار يشعر بأصابع الحفيد الصغير تلاطف وجنتيه.. تشد شعره. ولكن الصرخة نقلته من حلمه الجميل الى واقعه التعيس. من شطحته الذهنية الممتعة الى حاضره المذهل اللعين.
“بابا” تدوي ممتدة مرعوبة في أذنيه... تختصر أحلاما وأمنيات واسعة رحبة. حين ركض نحوه فهم كل شيء باجزاء من اللحظة. حاول ان يوقف الطلقة بكفه الملوحة للجندي.. او ان يقنع الجندي بتوجيهها نحوه، بدل الصغير المرعوب. ولكن القرار كان جاهزاً.. ونفذ بلا تردد.
تأمّل لثوانٍ سحنة الجندي الباردة، ولمح ظل ابتسامة. حقاً سحناتُهم متشابهة.. ورصاصهم متشابه، اما تلك السحنة لذلك الجندي مع ظل ابتسامة، بوجهه الطفولي الأجرد من الشعر، وبعينيه الزرقاوتين الباردتين، فترسبت في ذهنه.
كان فيها شيء مألوف لم يستوعبه في ذهوله. لامر ما كانت السحنة تضغط للتجلي.. للبروز.. ولكن الصرخة المدوية الممتدة “بابا” أفقدته القدرة على اي حس او تفكير او مراجعة ذهنية. أفقدته تفكيره وذاكرته. أفقدته إحساسه بالزمان. أفقدته احساسه بالمكان. أفقدته معرفة ذاته. ومع ذلك ضغطت سحنة الجندي ذهنه... ذهنه الخالي الا من ذهوله والمه وصراخه المحبوس.. سحنة لن ينساها. لأمر لا يفهمه تشده سحنة الجندي نحو حدث لم يتّضح له بعد. ولكن ذهوله أمام الدم المتدفق والصرخة الخرساء والعينين الباردتين المذهولتين، والارض المخضّبة بالدم.. أبعده عن كل ما يوثق عراه مع عالمه. والرجاء يطل من العينين الجاحظتين. صرخاته المحبوسه في صدره تؤلمه. لم يعد يقوى على لملمة نفسه.. يتفكك. جمع نفسه، او ربما لم يجمع.. وأخذ الجسد الصغير الدافئ بين يديه. ضغطه الى صدره عله يوقف تدفق الدم. شدته حواسه بين الحار والبارد. ولم يدر ما هو فيه. كانت السحنة ذات الوجه الطفولي الأجرد تضغط في مكان ما في ذهنه.. وتتراوح الصور والأفكار بين المعتم والمضيء، بين الواضح والمجهول، بين اليقين والوهم، بين الوعي واللا وعي، والصرخة تدوي...والدم يتدفق.. وهو يتفكَّك.. يتحلَّل، يفقد توازنه، يفقد ذاته، والسحنة تعمق قهره، وذهوله يشتد... و “بابا” صارخة قوية مرعوبة... أراد ان يصرخ، ان يحتج.. ان يخترق صمته وذاته..., فلم يجد بداً من الانهيار فوق الجسد الصغير.. وفي ذهنه شاب يافع عروسه ترفل بثوبها الابيض الى جانبه وسط الزهور.. مئات الزهور...
********
اقيمت خيمة التعازي في عصر اليوم نفسه. جلس صامتاً وصرخة الفزع المدوية “بابا” ترنُّ في أذنيه، تتفجر داخلهما، وتكاد تجعله أصم عن سماع أية كلمة تعزية.. بل يكاد لا يعي أحداً من المعزّين. عجز ذهنه عن استيعاب الوجوه المعروفة. كان حاضراً وغائباً.. قريباً وبعيداً.. ذهنه يراوح بين التّشتُّت واليقين.. بين الوهم والواقع... وتلك الصورة المشؤومة للجندي ذي الوجه الطفولي الأجرد، مصوِّباً بندقيته، ومطلقاً رصاصته القاتلة بلا تردد، تمزَّق هدوءُ نفسه. تقف حائلاً بينه وبين عودته لذاته.. تشده بعيداً بعيداً عما هو به. خيِّل له للحظات ان ما يعتريه ليس حزناً على فقدان حلمه، بل ندماً على تصرف لن ينساه ولن يسامح نفسه بسببه أبداً. ربما بسببه يتواصل صراخ الفزع الممتد “بابا” مدويا في أذنيه، حتى يكاد يعزله عن كل ما يحيط به.. فلا يسمع الا صرخة الصغير المرعوبة، ولا يرى الا الدم المتدفق من الجبين الفتي، وانهياره فوق الجسد الصغير..
كان منفيا عن ذاته غائبا عما حوله. وصورة الوجه الطفولي الاجرد، بالعينين الزرقاوتين الباردتين، والبندقية المصوبة، ودوي الطلقة، يكثف قهره ويضاعف قيظ نفسه... والرجاء في العينين الصغيرتين يعمق قهره وعجزه...
لوهْلةٍ اتّضحت الملامح ووضحت الصورة. لا بل كان كل شيء واضحاً من اللحظة الاولى، حتى من اللحظة التي سبقت الطلقة. ربما هذا ما ضاعف ذهوله وفجَّر ألمه بكثافة لم يعهدها. ربما “بابا” ليس نداء استغاثة من مرعوب فقط..انما توبيخ على حماقة لم تكن ضرورية. هل بتصرفه ذاك ارتكب خطيئة يدفع ثمنها اليوم ؟!.. ليكون هو قاتل ابنه بيديه ؟!
تحتقن الدموع في عينيه، يشعر بها لكنها لا تشفي غلّه. محبوسة مع صرخاته، محبوسة مع ألمه، محبوسة مع تفجر نفسه بالقهر، تتهدم ذاته وتعذبه أفكاره المشتتة، وملامح تلك السحنة من وراء البندقية لا تفارقه... والاحساس بحرارة الدم لا يفارقه.. والجسد المرتخي بين يديه يكاد لا يغادره، وهو بعيد عن نفسه، لا يرى الا الجبين المثقوب، والوجه الطفولي الأجرد من وراء البندقية.. وهو بين اليقين والشتات. الصرخات المرعوبة لا تغادر سمعه... يتواصل دويها. يصدق ولا يصدق.. ويرى صغيره يركض نحوه.. يراه شاباً يافعاً يسير مع عروسه والزهور تحيط بهما.. ويرى الوجه الطفولي الأجرد من وراء البندقية، يتضخم ليحتل كل شاشات دماغه..
في ظهر يوم قائظ التقى تلك السحنة الطفولية الجرداء. لم يكن ذلك منذ وقت طويل، منذ أسبوعين في خضم الأحداث الأخيرة.. وها هو اليوم يدفع الثمن. الصرخات المرعوبة “بابا” تتفجر في أذنيه، توبِّخه، تصيح به، تتَّهمه، تؤلمه وتزيد قهره... ويطل من عينيه رجاء لا يستطع تلبيته.
كان بعض الشباب الهائجين يحيطون بسيارة عسكرية حاولت ملاحقة بعض الفتيان، واستطاعوا ان يوقِعوا بها، ويشعلوا فيها النار. ومن البعيد لمح ظِلَّ جنديين. أيقن ان النيران ستأتي عليهما ان لم يخرجهما من السيارة. ولأمر لا يدريه نسي كل حقده وألمه لما يجري. قال لنفسه انهما لا يختلفان عن صغيره.. لهما أحلامهما وقلوب تبكي خوفاً عليهما. ربما لو سمع عن حادث بعيد عنه لما اهتز.. ولكنه لم يحتمل ان يحرقا أمامه. شعر ان الذي يحترق قد يكون ابنه الوحيد وأحلامه. فاندفع كالمجنون تحت حجارة الشباب، ورغم الحروق الخفيفة التي أصابته وأصابت الجنديان، استطاع ان يخرجهما من السيارة المحترقة ويمنع الشباب من تنفيذ غضبهم ونقمتهم.. ربما شتموه.. ولكنه شعر بكبرياء وراحة. شعر انه انسان.. يعطي الحياة ويعطي الأمل، ليس للعسكريين، انما للانسانين المرعوبين داخل البزّات العسكرية. وأيقن ان رعبهما لا يختلف عن رعبنا، وكرههم للموت لا يختلف عن كرهنا.. هذا ما أعلنه مراراً متفاخراً بانقاذه لعدوين مرعوبين... "سننتصر بإنسانيتنا" كان يصرّ رغم سخرية الكثيرين منه. وحين كان ينظر لابنه، ويتأمل أحلامه، يعرف انه تصرف التصرف الصحيح، وقد شدّه وجه احد الجنديين الطفولي الأجرد بعينيه الزرقاوتين. كان مرعوباً وفاقداً لتوازنه فاحتمى به.. حماه بجسده.. ورافقهما حتى الحاجز. لأول مرة يشعر بالشفقة على عدو له.. شعر بانسانيته تتجاوز ذاته وتمتد. كان سعيدا لقراره المباغت بإنقاذ الجنديين، ولن ينسى الوجه الطفولي الأجرد المرعوب... ولكنه اليوم لم يكن مرعوباً.. كان ينظر ببرود من وراء بندقيته.. وابتسامة تعلو شفتيه وهو يطلق رصاصة على الصغير المرعوب الراكض للاحتماء به. وتبعثرت أفكاره مرة اخرى.. تبعثرت راحة نفسه التي عاد بعضها اليه.. وعلى حين غرة انفجرت صرخته.. وانطلقت دموعه.. بحر من الدموع والقهر والألم... ليس لفقدانه صغيره فقط.. الذي كان صوته يدوي حاداً مرعوبا كل الوقت، ومؤنباً غاضباً “بابا”... ولكن، ربما لانه كان انساناً... ؟! لا يدري ما يؤلمه أكثر.. كان ألمه مضاعفاً. وكان لا بد له ان يصرخ.