نساء في ساحات الثورات

د. رياض نعسان آغا قرأها 1,306

نساء في ساحات الثورات 

لئن كان الربيع العربي قد فاجأ العالم بأن العرب أحياء رغم كل النّعي الذي أعلن وفاتهم فإن المفاجأة الأكبر هي مشاركة المرأة العربية في هذا الربيع الذي روت ورودَه اليانعة دماءُ الشهداء والشهيدات.

فمنذ أن انطلقت ثورة تونس كانت المرأة التونسية في المقدمة. ثم كانت النساء شعلة الثورة في مصر، وكنّ وقودَها ليبيا. وأما في اليمن فقد عبّر العالم عن تقديره الضّخم للمرأة العربية واليمنية بخاصة حين كرّم المناضلة توكُّل كَرمان بجائزة "نوبل". وقد بدا هذا التكريم مفاجئاً لملايين المتابعين، ومثيراً لدهشة واستغراب المُصْطَفّين منذ عقود أمام جائزة "نوبل" وقد أوشكت أعمارهم أن تُعلِن النهاية ولم يأتِهم دور، بينما مضت الجائزة لصبيّة يمنية لم تكن تنتظرها يوماً، ولم تحلم بها، وربما لم تكن تعني لها شيئاً، لولا أنها تكريمٌ من خلالها لنساء العرب في مطلع هذا القرن. ولم يجرؤ أحدٌ على انتقاد اختيار توكُّل لهذا التكريم الذي جمعها مع رئيسة ليبيريا إيلين جونسون سيرليف الملقّبة بالمرأة الحديدية، وهي أول امرأة تُنتخب رئيسة لدولة في أفريقيا، ومع المناضلة الليبيرية ليما غوبوي الملقّبة بالصّهباء بسبب لونها الفاتح. وهي المرأة التي تمكنت من إلهاء الحرب الأهلية الثانية في بلادها. وقبل نهاية هذا العام وبالتحديد في العاشر من ديسمبر – كانون أول المقبل، سيرى العالمُ أولَ امرأة عربية تقدَّم لها جائزةُ "نوبل" للسلام في أهم مسرح أوروبي، رغم وجود الحجاب على رأسها وتأكيدها انتماءها الإسلامي الواضح، ما يوحي بتنامي القبول العالمي بالنظر إلى المضمون الذي تؤديه النساء المسلمات، سواء كنَّ سافراتٍ أو محجباتٍ أو منقّبات. فقد بدأ العالمُ يفهم معانيَ الخصوصيات الثقافية للشعوب، ويرفض ما روّجه الإعلام المعادي للعرب والمسلمين بكون الحجاب دليل تخلُّف المرأة المسلمة. فقد نجحت النساء المسلمات في فرض الاحترام العالمي لهنّ، وأكّدنَ أن اللباس شأنٌ خاصٌّ.

والمفارقة أن النساء الفائزات الثلاث متديّناتٌ وتضعن حجاباً على رؤوسهنّ رغم اختلاف الأديان، فالسيدة الرئيسة إيلين تدين بالميثودية (المنهاجية البروتستانتية) والسيدة ليما رئيسة كنيسة لوثرية وقد بدأت حركتها عام 2002 بالدعوة إلى إقامة الصلاة من أجل السلام، وصلّت معها نساءٌ مسلماتٌ ليبيريّات كثيرات.

وأعتقد أن مشاركة المرأة العربية بهذه القوة والحضور الضخم في ثورات الربيع العربي ستسهم في تغيير الصورة النّمطية التي توارثها الغربُ عن المرأة العربية أو المسلمة، التي قدّمتها جاهلةً، خانعةً ومضطّهَدة. فقد رأي العالم مدى تمكُّن المرأة العربية في مجتمعها مع كل ما تحتاج إليه من دعمٍ أكبر، وتحُّرٍ أوسع.

نساء في ساحات الثورات

الثائرة اليمنية توكُّل كرمان

ربما سمع كثيرٌ من أهل الغرب كلمة "الحرائر" للمرّة الأولى وفهموا معناها الدلاليّ عند العرب، وربما يكون بين العرب أنفُسِهم مَن أدهشه المستوى الثقافي الرفيع الذي عبّرت عنه نساءُ اليمن وهنّ يتحدّثن من وراء نقاب.

ولقد رحّب العالم كلّه باختيار توكُّل لجائزة "نوبل". وقال بان كي مون: "لا يمكن أن يكون هناك خيارٌ أفضل". ورأى كثيرٌ من قادة الرأي في العالم أن اختيار توكُّل هو اعترافٌ بأهمية الربيع العربي وبسلمية الثورة اليمنية. وكان طريفاً أن يثيرَ فوزُ توكّل ذاكرة العرب وأن يتذكّروا أن المرأة اليمنية هي سليلةُ بلقيس التي عاصرت النبي سليمان (عليه السلام)، (ربما في القرن العاشر قبل الميلاد) وقد ذكر القرآنُ الكريم قصّتَها معه، ونُسجت حولها الأقاصيص لما عُرف من ذكائها وقدراتها، وهي جدّةُ كل اليمنيات اللواتي أثبتْن مع شقيقاتهنّ في كل ساحات الثورات العربية أنّهنّ صانعاتُ المستقبل وشقائقُ الرجال، كما وصفهُنّ رسولُ الله (صلّى الله عليه وسلّم).

نساء في ساحات الثورات

رئيسة ليبيريا إيلين جونسون سيرليف