في معاني الاستبداد (2)
إذا كان نزار قباني قد تفرّد شعرياً في توصيف المستبدّ (الديكتاتور) ولاسيما في رائعته (السيرة الذاتية لسياف عربي) فإن ممدوح عدوان تفرد في بحثه المهم عن (حيونة الإنسان) ورغم عدم الرضا الرسمي عن ما كان يكتب ممدوح فقد تمكّن من التعبير عن فكره دون أن يحاصره أحد، أما نزار فقد أرهقه كثيراً هجاؤه للمستبدين وقضى عمره شبه منفيٍّ عن وطنه، ويوم ألقى سيرة السياف في مكتبة الأسد في دمشق، أشاح بعض المسئولين بوجوههم عنه، وألغيت بعض دعوات كانت موجّهة له إلى عشاء وغداء، وأحسّ نزار أنه بات غير مرغوب به، مع أنه كان مدعواً لإحياء أمسية شعرية من جهة عليا في سورية، وكنت قد رَتّبتُ من قبْل موعداً مع نزار للقاء تلفزيوني، لكنه اعتذر عنه بعد أن رأى جفاءً من مضيفيه، يومها قلت لنزار: (دعنا نسجل الحوار ونتركه للتاريخ) وقد تمكّنت من إقناع نزار، وأجريت معه حواراً عذباً أحسب أنه من أهم الوثائق عنه وقد سمّاه نزار حوار العمر وقد طال نحو ستّ ساعات، وتمّ بثُّه على حلقات، وأما ممدوح فلم أستطع أن أبثّ حديثه في إحدى حلقات برنامجي التلفزيوني (دعوة إلى الحوار) وكان قبل فترة من التسجيل قد شاركنا في حوار رسمي (منتصف التسعينيات) حول تطوير الإعلام، فاختصر الحديث بالقول: (إن تطوير الإعلام يبدأ من كسْر المسطرة التي نقيس بها آراء الآخرين) وكان برنامجي هذا قد تجاوز المسطرة بدبلوماسية لطيفة تمكّنه من البثّ، وقد طرحت فيه إشكالياتٍ عديدة بدتْ في التسعينيات ذاتَ سقفٍ مرتفع، فقد كان من بين الموضوعات مثلاً (بناء الدولة المدنية وإنهاء الدولة الأمنية) وقد شارك في هذه الحلقة الطيب التيزيني ومحمد ميرو (وكان يومها محافظاً لحلب) وآخرون، كما كانت حلقة أخرى بعنوان (هل تصلح المنطلقات النظرية لحزب البعث دليل عمل للقرن الحادي والعشرين؟) وقد شارك في هذه الحلقة مجموعة من المفكرين من مختلف التوجهات السياسية، وكان هذا الحوار مثيراً يومذاك وقد أقيم في رحاب جامعة حلب وسْطَ تحفّظٍ قَلِقْ.
.jpg)
كان ممدوح عدوان قد شارك في بعض حلقات برنامجي، وكنت أعرفه صديقا حميماً منذ مطلع السبعينيات، وأعرف أنه مسكون بالنضال ضد الاستبداد، ومناضل مبدع من أجل الحرية، وفي كتابه (حيونة الإنسان) يحذر عدوان من البلطجية والشبيحة كأنه يرى خطر ما سينجم عن تأصيل العنف، يقول (ولكلّ شعب عبقريته في التعبير عن الظلم والقمع والإضطهاد، وطرائقه في ابتكار التسميات لرموز القمع وأساليبه، وقد اخترع الناس عندنا كلمة جديدة لوصف النماذج الحديثة من عناصر يتصرفون وكأن القانون غير موجود إلا للآخرين، وهي كلمة “الشبيّحة”.
وكتاب عدوان دراسة مستفيضة في معاني الاستبداد، سبقتها دراسته الشهيرة (دفاعاً عن الجنون) وهو يبحث عن إنسانية الإنسان، ويستعرض نماذج من القوة الغاشمة التي تفقده إنسانيته وتجعله حيواناً، كما يتحدث عن صناعة الوحش التي تتقنها النظم الديكتاتورية، ورغم أن الكتاب يستعرض نماذج معاصرة من الأدب الفاضح للاستبداد، إلا أن كتاب الكواكبي يبقى الشاهد الأوضح، ويشير عدوان إلى قول الكواكبي: (كلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج الى زيادة جيش الممجّدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج الى الدّقة في اتّخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان). وكتابُ ممدوح فضحٌ لأساليب صناعة الخوف، ولأساليب الحيونة، وهو كذلك بحثٌ أدبيٌّ نقديّ في تعبيرات الآداب العالمية عن طبائع الاستبداد، وفي ختامها تنويه بخطاب الديكتاتورية الموزونة لمحمود درويش، وفي خطاب محمود سخرية بارعة، وترقُّبٌ مثيرٌ لطوفان الثورات على الاستبداد.
*