في معاني الاستبداد (1)
يبدو من المفارقات أن يكون العرب من أكثر الأمم معاناة من الاستبداد في تاريخهم، ومن أقلّهم تعبيراً عنه في آدابهم، فلا نكاد نجد إلا القليل من النصوص التي تحدثت عن الاستبداد بالمقارنة مع الآداب الأخرى، كأدب أمريكا اللاتينية مثلاً، وقد أغناه ماركيز بروايات حظيت بانتشار عالمي، لكن النماذج العربية على ندرتها بلغت سوية عالية على الصعيد الفني، وأنا هنا لا أقصد الأبحاث والدراسات، فحسب العرب في نهضتهم أن يجدوا بين أيديهم كتاب الكواكبي الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وهو من أهم الكتب التي تحدثت عن الديكتاتورية في الفكر الإنساني، وهذا سرُّ شهرة الكاتب والكتاب، لكن التعبير الفني عن الاستبداد كان أندر من الدراسات الفكرية، وقد نجد العذر لأدبائنا، في كون الاستبداد قامعاً وظالماً لدرجة لم تسمح للمبدعين بتناول الموضوع إلا بالرمز والتأويل، وهذا ما يفسّر انتشار (كليلة ودمنة) الذي نقله بعبقرية أدبية إلى العربية عبد الله بن المقفع، وهو في الأصل كتاب هندي مكتوب باللغة السنسكريتية، وترجم إلى العربية عن الفارسية في القرن الثامن الميلادي، وأضيفت إليه فصول لم تكن موجودة فيه، وكان من الواضح أن هدف الكتاب إصلاح الحاكم الظالم، وقد ظهر بعده الكتاب الشهير (ألف ليلة وليلة) وفيه الكثير من الإيحاءات الغامزة والمعاني الظليلة التي تتهكّم على الاستبداد في سياق قصصي لا يباشر السياسة ولكنه يدور في أحيائها، وربما وجدنا في الشعر العربي كثيراً من القصائد أو الأبيات التي تنتقد الاستبداد وتندّد به، ولكنها لاتحدّد مستبدّاً بعنيه، من مثل قول بشار بن برد: (إذا الملك الجبار صعّر خده، مشينا إليه بالسيوف نعاتبه) وقبله قال المتلمس: (وكُنَّا إذَا الجبَّارُ صعَّرَ خدَّهُ، أقمْنا لهُ منْ ميْلِهِ فتقَوَّما).
وبالوسع أن نذكر معلّقة عمرو بن كلثوم: (ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا) وسنجد عند المتنبي ما جرى على ألسنة الناس من مثل قوله: (والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لايظلم) وفي القصيدة ذاتها قوله الأشهر: (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدم) ولا يأتي الأذى إلا من ظالم مستبد، والطريف أن نجد كلمة "مستبدّ" تحمل معانيَ إيجابيةً في بعض المواضع حين يقصد الشاعر الاستبداد بالعدل، ومن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: (ليت هنداً أنجزتنا ما تعد، وشفت أنفسنا مما تجد، واستبدت مرة واحدة، إنما العاجز من لا يستبد) وقد فهم معنى استبدادها المرجو هنا، استبداد العدل، وليس استبداد الظلم، فإن كان هناك عجز عن العدل تحول الاستبداد إلى طغيان، وفي لغتنا كما في (لسان العرب) تأتي كلمة (استبدّ) بمعنى حكم بأمره، وتصرف بصورة مطلقة، غير قابل لاعتراض، وكلمة (استبداد) تعني التّعسُّف والتّسلُّط والتّحكُّم والظلم، ومن هنا يأتي القول الشهير (السلطة المطلقة مفسدة مطلقة) وفي أدبنا المعاصر نماذج تمكَّن مبدعوها من تقديم نصوص عالية السوية، وأبرزها قصيدة نزار قباني التي قدّم فيها صورة المستبدّ (الديكتاتور) في تهكّم وسخرية نادرتين وعنوانها (السيرة الذاتية لسيّاف عربي) وفيها يقول:
.jpg)
(وللحديث بقية).