القصة القصيرة السورية: آراء.. في واقعها ومستقبلها

سامر أنور الشمالي قرأها 6
  

أفترضمسبقاً أن القصة القصيرة السورية لم تأخذ حقَّها من النقد كما ينبغي، علماً أنني لم أقارنها بالشعر لما للشعر من تاريخ عريق في مسيرة الأدب العربي، بل مقارنة بالرواية التي لها نفس المراحل التاريخية تقريباً، آخذاً بعين الاعتبار أن معظم كتاب القصة كتبوا الرواية، ويصح العكس أيضاً.‏

ولابدمن الإشارة إلى أن رواد القصة وأعلامها أخذوا حقهم من النقد، ولكن النقد المعاصر ظلَّيستعين بالمنجز النقدي السابق، مغفِلاً إلى حد بعيد النتاج القصصي الحديث، لاسيما الأسماء الجديدة، خاصة تلك التي لم تنطو تحت تيارات إيديولوجية بذاتها، أو بعلاقاتشخصية جيدة مع الوسط الأدبي. ولابد من الإشارة هنا إلى أنني غير معني بالنتاج القصصي الذي لم يمتلك مقومات هذا الفن.‏

وأيضاً لابد من الأخذ بعين الاعتبار صراع الأجيال الذي أسهم في إحداث هوة بين الأجيال القصصية لاعتبارات كثيرة لا مجال هنا للخوض فيها.

هذهالهواجس وغيرها طرحتُها على مجموعة من النقاد الذين صدرت لهم كتب في نقد القصةالقصيرة، وبعضهم من كتاب القصة القصيرة أيضاً.

ولابدمن الإشارة إلى أنه تم ترتيب إجابات النقاد حسب تاريخ صدور أول كتاب نقدي عن القصةالقصيرة.

*  * *  * *  *‏

د.عبدالله أبو هيف (له ثلاث مجموعات قصصية: موتى الأحياء 1976-ذلك النداء الطويل 1984- هواجس غير منهية 2004. وصدر له في نقد القصة القصيرة: فكرة القصة، نقد القصة القصيرة في سورية 1981-عن التقاليد والتحديث في القصة العربية 1993- القصة العربيةالحديثة والغرب 1995).‏

محمدغازي التدمري (له كتابان عن القصة القصيرة: لغة القصة 1995- قصص مدينتين الجزءالثاني 2003- وينشر في الصحافة قصصاً قصيرة جداً).‏

د.نضال الصالح - له ثلاث مجموعات قصصية: مكابدات يقظان البوصيري 1989-  الأفعال الناقصة 1990- طائر الجهات المخاتلة 1998. وصدر له كتابان في نقدّ القصة القصيرة بعنوان: تحولات الرمل، الحكائي والجمالي في القصة القصيرة في قطر 1999 -القصّة القصيرة في سورية، قصّ التسعينيات 2006).‏

د.عادل الفريجات (له كتاب نقدي عن القصة القصيرة بعنوان: القصةالقصيرة في سورية نقد تطبيقي 2002).‏

لقدتطور الفن القصصي في سورية كثيراً‏

*      د.عبد الله أبو هيف‏

يرىأبو هيف أن القصة القصيرة حققت حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي عبر تاريخها فيقول:‏

"عَدَّت القصة القصيرة في سورية الفن الأكثر انتشاراً وتحققاً لإنجازات الإبداع الأدبي منذ خمسينيات القرن العشرين، وتميزت خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينياتبمزايا متعددة أذكر منها تقلص مساحة المثاقفة بمعناه السلبي بفعل استواء المؤثراتالأجنبية وامتلاك القاص لناصية فنه وتأصيله استعانة بالموروث السردي العربي، وتقلصحجم العنصر السيري والشخصي والذاتي في القصة، وتقلص التحكميات السابقة على الكتابةالقصصية مثل الأدلجة والتحزب والالتزام، وقد نجح قصاصون متميزون إلى حد كبير فيتخليص قصصهم من معضلات الممارسة الفنية وأوهام تضييق على وظيفية السرد من جهة أو مجرد تحويله إلى نصوص من جهة ثانية.‏

ويفصلأبو هيف في حديثه عن القصة بين مرحلتين تاريخيتين: نهاية القرن العشرين وبدايةالقرن الحادي والعشرين:‏

تؤشرالقصة القصيرة في سورية نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين إلىالملاحظات التالية:‏

العودإلى تقدير القصة القصيرة إلى جانب الرواية، إذ تصدرت الرواية الأجناس الأدبية خلالالعقود الأخيرة.‏

التوازي بين الكمّ والنوع، فقد ظهر خلال التسعينيات قرابة 400 مجموعةقصصية، وتشير غالبية هذه المجموعات إلى التوغل والتأصيل والتحديث معاً، وكشفتالندوات السنوية وجمعية القصة والرواية في اتحاد الكتاب العرب عن هذه العمليات في البحوث والنقد وشهادات القصاصين أنفسهم، بالإضافة إلى النشاطات الشهرية للجمعية التي تضيء جوانب الإبداع القصصي.‏

ويتحدث أبو هيف بشكل مستقل عن القصة القصيرة جداً لما لها من خصوصيةتميزها عن القصة القصيرة:‏

القص القصير جداً: انتشر الإقبال على كتابة القصة القصيرة جداً، وسمي عند ممارسيه (القصة القصيرة جداً) ووضع (أحمد جاسم الحسين) كتاباً عن هذا الفن القصصي، ونظم آخرون مهرجاناً سنوياً منذ عام 2000، وأصدر عدد من القصاصين مجموعات قصصية قصيرة جداً أوضمنوا مجموعاتهم صفحات كثيرة لهذا الفن، مثل (ذماء) لـ(يوسف حطيني)، و(على هامشالمزامير) لـ(عدنان كنفاني)، والحلم المسروق لـ(محمد توفيق السهلي)، و(جرائم شتوية لـ (عماد نداف)، و(ومضات) لـ(هيمى المفتي)، و(ربطة لسان) لـ(أسامة الحويج العمر).

أيضاًيتحدث أبو هيف بشكل مستقل عن القصة النسوية باعتبارها ذات خصوصية معينة:‏

القصة النسوية: اندرجت كتابة المرأة القصصية في مداميك الأدب النسوي الذي يناهض المجتمع الأبوي إلى حد هجاء السطوة الذكورية عند كثير من القاصات، ويندر أن نجد قاصة خلال العقدين الأخيرين لا تكتب قصة نسوية كما هو الحال (مع نادرة بركات الحفار) في مجموعتها (أرملة رجل حي)، و(وفاء خرما) في مجموعتيها (الأجنحة المتكسرة لـ س و ع)، و(البرج).‏

اتساععدد القاصات المنخرطات في النسوية مناهضة للذكورة والمجتمع الذكوري وتضييق حريةالمرأة، مثل (رباب هلال) و(نجاح إبراهيم) و(أمية عبد الدين) و(كوليت بهنا) و(أنيسة عبود) و(هيفاء بيطار) و(غالية قباني) و(غزالة درويش) و(ماجدة بوظو) و(وفاء خرما) و(عبير كامل اسماعيل) و(نهلة البدوي) و(هدى وسوف).. الخ...‏

ونلاحظ انفراد أبي هيف بإجاباته التوثيقية الدقيقة، حيث يذكر أسماء كتاب القصة، وعناوين مجموعاتهم، إذ اقتضت الحاجة. وهنا يشير إلى أسماء برزت في المشهد القصصي في بداية قرن ونهاية قرن:

برز عشرات القصاصين في جودة كتاباتهم مثل الأديب الراحل (حسان يوسف المحمد) في مجموعته (بصمات الموتى) و(سوق النخاسين) و(بيننا طير ووردة). و(سامر أنور الشمالي) في مجموعتيه (في البحث عن الضياء) و(تصفيق حتى الموت). و(أسامة الفروي) في مجموعتيه (الخراطين) و(المرسونون). و(أيمن الحسن) في مجموعته (محاولة في رصد ما حدث) و(شاي) و(محمود الوهب) في مجموعتيه (إشراقات الزمن الماضي) و(تخاريف العم لطوف).‏

وينوهأبو هيف إلى المجموعات القصصية المشتركة التي قدمت القصة القصيرة في سوريا ضمن إطارجماعي حقق حضوراً لافتاً:‏

زادتالعناية بتجارب القصة السورية في وضع مختارات قصصية في كتابين من إعداد (أحمداسكندر سليمان) (1995-1998) ومختارات قصصية (رؤى) 2000. ومختارات (جنوب القصةالسورية –درعا) 1998. و(وجوه ومرايا: مختارات من القصة القصيرة السورية في مطلعالألفية) 2005. الخ...‏

ويختمأبو هيف حديثه عن القصة باعتبارها نتاجاً ذا تاريخ متأصِّل ومفتوح في الآن ذاته علىآفاق المستقبل:‏

لقدتطور الفن القصصي في سورية كثيراً، وتنوعت اتجاهاته التأصيلية والتحديثية، ويجد اهتماماً واسعاً عن العديد من الباحثين والنقاد والأكاديميين في الأطروحات الجامعية بما يليق بهذا التطور اللافت للنظر كماً ونوعاً.‏

وهي غنية بظواهرها واتجاهاتها الحداثية التي تجعل من القصة تعبيراً فنياً عن اللحظة الحضارية التي نمر بها، وهو تعبير فني موصول بالتراث العربي والإنساني، وهذه مزية من مزاياه الكثيرة ويشير إلى آفاق مستقبلية مفتوحة على التحديث والتأصيل في الوقت نفسه، إذ تتميز تجارب القصة القصيرة في سورية بمسعى قصاصيها وقصاصاتها إلى مثل هذاالتحديث المشبع إلى حد كبير بالتأصيل والحامل للرؤى الفكرية والفنية.‏

‏*  * *  * *  *‏

علىالجيل الجديد من القصاصين أن يتحملوا مسؤولية النهوض بنتاجهم القصصي‏

*      محمدغازي التدمري:‏

يقارنالتدمري في حديثه بين القصة والرواية نظراً للعلاقة القريبة بين الجنسين، ويرى أن النقد أولى كلا الجنسين حقهما من المتابعة النقدية الجادة، فيقول:‏

يرىبعض المهتمين بمسيرة القصة القصيرة، أنها لم تأخذ حقها من اهتمام النقد المعاصر مقارنة مع الرواية التي احتلت الصدارة في اهتمام النقاد لدرجة أن بعضهم عد الرواية ديوان العرب في العصر الحديث، سواء أكان المصطلح صحيحاً وموائماً لحركة تطور الرواية وتماهيها مع مستجدات الحياة المعاصرة أم لا، فإن النقاد عموماً لم يتجاهلوا التجارب الجادة في القصة، كما لم يتمكنوا من تجاوز أسماء معدودة أخذت نصيبها من الشهرة بفضل تقانة ما أنجزته في هذا الجنس، فأخذت حقها من النقد الأكاديمي ومنذالثلث الأخير من العقد الماضي، واتجاه بعض النقاد المعاصرين إلى الرواية لم يكن بسبب قصور في القصة وإنما بسبب ما أنتجه الروائيون العرب عامة، والسوريون خاصة منروايات كسرت حدود المألوف والمعتاد الكلاسيكي.‏

كما يؤكد التدمري أن النقاد كانوا متابعين بشكل جيد للقصة القصيرة في مراحلها كافة ومنصفين لها:‏

لايسعنا إلا أن نشير بداءة إلى أن المتابع لمسيرة النقد الأدبي المعاصر، لابد أنيلاحظ بأنه واكب بشكل واضح مسيرة القصة المتطورة شكلاً ومضموناً فظهرت كتب نقدية عديدة حول القصة وأساليبها ونقدها، مما أسهم بشكل أو بآخر في تطوير هذا الجنسالأدبي، حيث لاحظنا اهتمام النقاد بقصاصي الستينيات والسبعينيات وحتى التسعينيات من عقود القرن العشرين، وذلك بفضل ظهور مجموعة من القصاصين، الذين لفتوا أنظار الناس والنقاد على حد سواء، لاسيما بعد أن تخلّت القصة عن أثوابها القديمة.‏

والتدمري يقف في صف النقاد دائماً، فهو يرى أنهم لم يهملوا كاتباً جيداً، فالنقد منصف تماماً، أما في حال تجاهل النقاد لأسماء معينة فمبرره أن أصحابتلك الأسماء قدموا نتاجاً ضعيفاً:‏

النقد غير معني بتاتاً إلا بالتجارب الجديدة والمتميزة والتي تضيف إلى جنسها شيئاً ما ولا أعتقد أن ناقداً ما أهمل قاصاً أو روائياً مبدعاً، فالأمر مرتبط أولاً وأخيراً بالقاصين الجدد الذين رفدوا الساحة القصصية بتجارب فنية قادرة على أن تلفت أنظارالدارسين والنقاد، أما من يكتب قصصه على هامش الإبداع، ولا يقدم غير التجريب القاصر فنياً وإبداعياً، فمن البدهي أن يبقى مثل هذا النتاج خارج محراب النقد واهتمامالنقاد، لذلك على الجيل الجديد من القصاصين أن يتحملوا مسؤولية النهوض بنتاجهمالقصصي، وأن يهتموا بتطوير أدواتهم، وتفعيل لغتهم، ويقدموا الجديد المتألق فنياًعلى مستوى البناء القادر على أن يثبت وجوده، ويدل على حضوره، ويلفت أنظار النقاد إليه، لاسيما أننا نعرف أن النقد يأتي بعد الإبداع وليس قبله، والناقد يشكل خلاصةثقافة عصره، صاحب منهج لا يسمح له إلا بدراسة التجارب الفنية الجادة.

ويضعالتدمري اقتراحات يجب برأيه أن تتبناها الجهات المختصة للنهوض بالقصة القصيرة:

إعادةالنظر في كل ما يصدر من نتاج قصصي، لا تنطبق عليه مواصفات القصة الفنية، وحواملهااللغوية، وهنا يأتي دور القراء الذين بيدهم قرار الموافقة على النشر في المؤسساتالثقافية المعنية المجال.‏

إعادةالنظر في ما ينشر في الصحف والدوريات المحلية، وأن لا يسمح القائمون على الصفحاتالثقافية في هذه الدوريات بنشر الغث على حساب الجيد والمتميز.

فتحالمجال أمام القصص الجادة، والقصاصين المبدعين لأن يأخذوا دورهم، سواء في المنابرالثقافية، أو في الدوريات المحلية.

إقامةندوات خاصة بفن القصة وأصوله، وتلك مهمة فروع اتحاد الكتاب العرب والمراكز الثقافية، ووضع حدود نقدية ومنهجية واضحة بين القصة الطويلة، والقصة القصيرة،والقصة القصيرة جداً.‏

توجيه عناية النقاد إلى الأصوات القصصية الجديدة والمتطورة والملفتة للنظر، والعمل على دراستها بعمق بغض النظر عن عمرها الإبداعي.‏

وينهيالتدمري كلامه بالحديث عن مستقبل القصة الذي يراه مبشراً:‏

إنالقصة القصيرة كفن وجنس أدبي لا يمكن أن يتوقف أو يطغى عليه فن آخر، ولا يخوض سباقاً مع الرواية أو غيره. فلكل فن خصوصيته وأصوله ومبدعوه، ولا أعتقد أن ناقداًمخلصاً لفنه من الممكن أن يغض الطرف عن تجربة متميزة سواء في القصة، أو غيرها منالفنون الأدبية.‏

*  * *  * *  *‏

تمّتغييب وتهميش وإقصاء أسماء جديرة باهتمام النقّاد‏

*      د.نضال الصالح:‏

تبدونظرة الصالح أكثر تشاؤماً من غيره من النقاد،بل يمكن أن يعد أكثر صراحة وجرأة، حيثيقول:

واقع القصة القصيرة في سورية لا يختلف عما يضطرم في الواقع عامة من تناقضات، فكما يمكن التمييز، في الأخير، بين الحقيقة والزيف، واليقين والوهم، والأمانة والفساد، يمكن التمييز، في المشهد القصصي السوري الراهن، بين مبدعين وأشباه مبدعين، وموهوبينوفقراء موهبة، وأصوات وتجارب مهمّة لكنها لم تنل ما يليق بها وبإبداعها من حفاوةوتقدير، لأسباب كثيرة، ومستحاثات اكتسبت أهميتها وحضورها في تاريخ التجربة القصصيةالسورية من شروط غير إبداعية، وكان الأجدر بها متاحف تاريخ الأدب، لا الأدب نفسه.‏

إنه واقع يستحقّ الرثاء، اختلطت فيه الأشياء إلى الحدّ الذي يكاد ينفي القول بمستقبل لتلك التجربة إذا ما ظلّ هذا الخراب الذي يفتك بذلك الواقع قائماً، أو إذا ما لميقدّم المعنيون بالثقافة جميعاً، مؤسساتٍ وأفراداً، الحقيقة الإبداعية، والوطنيةقبل ذلك، على أيّ شيء سواها. ‏

وينفرد الصالح في تأكيده على عدم نزاهة النقد وموضوعيته نتيجة ظروفمختلفة:‏

لقدتصدّرت واجهة المشهد القصصي السوري، منذ بدايته في ثلاثينيات القرن الفائت إلىالآن، أسماء لا صلة لمعظمها بالإبداع، وتمّ تغييب وتهميش وإقصاء أسماء جديرةباهتمام النقاد الذين لم ينجُ سوى القليل منهم من شرك الأضاليل والأكاذيب التي مازالت أصداؤها تتردّد إلى الآن في معظم الجهود النقدية المعنية بحراك التجربة القصصية السورية. فالمتابع لتلك الجهود، ولسواها ممّا تم التواضع عليه خطأ بأنه نقد، ينتهي إلى أنّ عدداً غير قليل ممّن أغدقت عليهم صفات الكبار، أو الرّواد، أو المؤسسين، لا يليق بنتاجه وبه أيّ من تلك الصفات، كما ينتهي إلى أنّ عدداً غير قليلأيضاً من المبدعين الحقيقيين لم ينصفه النقد، كما لم ينصف إبداعه.‏

والآنتتكرّر الأضاليل والأكاذيب نفسها، بفعل عوامل مختلفة لم تعد الأيديولوجيات واحدة منها، كما يتكرّر سقوط بعض المشتغلين بالنقد في شرك تلك الأضاليل والأكاذيب، بل إنّعدداً من أولئك يمارسها عن قصد، فيُعلي من شأن كتّاب، أو كاتبات على الأكثر، لا يحسنون بناء جملة قصصية واحدة، ويهمل نتاج كتّاب، أو كاتبات، مبدعين، أو مبدعات،حقاً.‏

ويحمل الصالح المؤسسات المعنية قسطاً كبيراً من المسؤولية عن تردي وتراجع القصة القصيرة:‏

من المفجع أن المخلصين للحقيقة الإبداعية في مؤسساتنا ومنابرنا الثقافية وخطابنا النقدي وإعلامنا أشبه ما يكونون بالنقاط المضيئة القليلة في فضاء متخم بالسواد، بينما الأمّيون، والأفاقون، والمدلّسون، وشهود الزور، واللاهثون وراء امتيازات خاصة بهم، يتناسلون في تلك المؤسسات والمنابر والنقد والإعلام كالجراد.ومن المفجع أكثرأنّ هؤلاء الأخيرين هم الذين يصنعون راهن المشهد الثقافي في سورية عامة، ومنهالمشهد القصصي الذي يحتشد بكمّ كبير ممّا هو زائف، وطارئ، وفقير بالموهبة.‏

ويختمالصالح كلامه بالحديث عن تجربته النقدية حول القصة القصيرة:‏

لقددأبت على المستوى الشخصيّ، فيما كتبت، على الإخلاص للإبداع، ولذلك لم تغرني الألقاب المجانيّة التي يصدح بها بعض النقاد والإعلاميين بين وقت وآخر، من مثل: الكاتب الكبير، والشاعر الكبير، والمسرحي الكبير، والروائي الكبير، و.. كما لم أهمل الأصوات الجديدة التي رأيت في نتاجها ما يشير إلى موهبة حقيقية، أو ما يعد بإبداع مميّز. وأستطيع تأكيد ذلك من خلال كتابي النقدي الذي صدر مؤخراً عن اتحاد الكتابالعرب بعنوان: "القصة القصيرة في سورية: قصّ التسعينيات" الذي درست فيه مايزيد علىثلثي المجموعات القصصية التي صدرت في عقد التسعينيات وحده، والتي بلغت نحو خمسمئة وتسع وعشرين مجموعة.‏

*  * *  * *  *‏

التجارب النقدية المعاصرة للقصة القصيرة، لا تستند إلى إرث نقدي‏

*      د.عادل الفريجات‏

يرىالفريجات أن الناقد لا يمكنه أن يكون متابعاً لكل ما ينشر، ويعلن صراحة أن النقدنتاج عملية انتقاء واختيار، ويبدو أن الانتقاء مبرر في أحيان كثيرة، لاسيما أن الناقد غير معني بالنتاج القصصي الضعيف فيقول:‏

النقدفي الحقيقة لا يمكن أن يكون تابعاً آلياً للتجارب الإبداعية كلها... والانتقائيةفيه أقوى وأولى من الشمولية والرصد والاختيار أفضل من الجري دون تمييز بين الآثار الفنية التي تتنزل منازل مابين السفوح والقمم... والتألق والكمون. ولا يعقل أن يكونالنقاد مستنفرين تمام الاستنفار ليستجيبوا لأي عمل قصصي يظهر للوجود، بل هم لو أرادوا ذلك لا يقدرون عليه... ومن هنا قد يلوح قصور النقد عن الإبداع القصصي فيسورية، وفي غيرها من الأقطار الغربية، بل والأجنبية أيضاً.‏

وربما يجد المراقب إسهاباً لذلك، فمن طبيعة الظواهر الأدبية أن يهمل النقاد المتهافت والمتواضع منها، أو قد يسلقون نماذج منها بألسنتهم الحادة. وهذا عمل غير سلبي دوماً، لأن المشهد الأدبي الأسمى له حراسه وسدنته. والنقد السلبي له جدواه دون ريب،كما للنقد الإيجابي جدواه هو الآخر.

ويعترف الفريجات صراحة بقصور النقد في مواكبة مسيرة القصة القصيرة، ويعزو ذلك لأسباب يفصلها كالتالي:‏

أكثرنقادنا يتعاطون نقد الشعر ونقد الرواية ونقد المسرح إلى جانب نقد القصة القصيرة،ونحن حتى اليوم لم نصل إلى درجة النقد المكرس لجنس أدبي بعينه يجعل من النقد الخاصهماً وحيداً لناقد بعينه.‏

ومنتلك الأسباب صعوبة نقد القصة القصيرة نقداً فنياً عميقاً ومتماسكاً، فمثل هذا العملليس سهلاً، لأن التجارب النقدية المعاصرة للقصة القصيرة، لا تستند إلى إرث نقدي كبير يقدم لها الأدوات والمصطلحات الجاهزة، لذا تبدو وبعض التجارب النقدية وكأنهاتبتكر ابتكاراً، سواء كان الأمر من زوايا النظر، أو من زاوية المصطلح، أو من زواياالإجراء النقدي المختار.

ثميعود الفريجات ليشير إلى أن النقد قد تمكن بشكل عام من أن يكون منصفاً تجاه القصةإلى حد بعيد على الرغم من الظروف التي تعيقه كلها:‏

نرىأن كتب النقد القصصي، لو دققنا، لم تتوقف عند أسماء بعينها، بل تناولت نتاج كتاب ظهر للتو، وقد درست في كتابي (القصة القصيرة في سورية نقد تطبيقي) مجموعات لقاصين عرفتهم الساحة الأدبية حديثاً، وخاصة كتاب القصة القصيرة جداً، كما في مجموعة (بوق) التي ضمت مئة قصة لعشرين قاصاً سورياً، ومجموعة (جنوبي القصة السورية) التي ضمت عشرين قصة لعشرة قاصين.‏

وفيكل ما تقدم إشارات إلى الجهود النقدية المنصبة على القصة القصيرة، وهي وإن لم تصلإلى المرتجى، فقد أثبت أن ما لا يدرك كله لم يترك جله.

الأسبوع الأدبي