بين قدرة العاطفي وعاطفة القدرة - العازف الألماني باسلر في البلمند
تقدم بأكليله الأبيض، مجللاً رأسه باعوامه العديدة وبخبرته المديدة نحو البيانو، أمام قاعة خاوية إلا من بعض مجانين الموسيقى ممن صار صرح البلمند القاعة الأخرى من مسكنهم الروحي. مناخ الطقس أم طقس السياسة، لا فرق، فالجلسة حميمة بمن حضر ومن قدم أثناء العزف، مغفور الذنب تائباً أمام حضرة الموسيقى التي لا تقبل شغب الوصول عادة، لكن القوة الشخصية لفنان أستاذ مثل كلاوس باسلر تستوعب بساطتنا اللبنانية التي لا خبث فيها.
بدأ البروفسور رحلته بفانتازيا موزار من مقام دو مينور، وأدخلنا منذ المفتاح الأول في جو درامي من أفضل ما كتبه الطفل المعجزة سنة 1785 ووصل فيها إلى قمة نضوجه الفني مع ان الطابع الارتجالي طغى عليها إذ تنوّعت الحركات والسرعات بتنوّع الجمل الغزيرة غزارة العواطف الجياشة، علماً أن هذه الفانتازيا مهداة إلى تريز فون تراتنر، إحدى معجباته. أمّا الأداء فكان أميناً ولكن ينقصه دلع وجنون الارتجال.
بعدها سافر بنا باسلر إلى سوناتة بتهوفن المصفف رقم 101 وفيها يبرز المجهود الكبير الذي بذله المؤلف العبقري لتحسين أسلوب ومستوى تأليفه لآلة البيانو-فورت على الرغم من عوارض الصّمم التي بدأت تنتابه، وكذلك التجديد في هذا العمل الذي كان مؤْذنا كالنبوءة بعصر جديد من التأليف. وهذا ما وضع بتهوفن في موقع الرّيادة الذي لا يزال يحتله حتى الآن. حركات هذه السوناتة أربع، ولكن مناخاتها تفوق الخيال، إذ ذهب فيها العبقري من فوغة (fugue) باخ إلى صدامية أكبر الرومنطيقيين من بين ورثته الروحيين. ولقد أجاد باسلر تقنياً في أداء هذه السوناتة التي تكاد تكون تجريبية من ناحية الأسلوب والكتابة الكونترابونتية، وأعتقد انها تصلح لأن تكون درساً لطلاب مميّزين.
ثم تغيّر المناخ وانتقلنا إلى تجديد القرن العشرين بمدارسه المتعدّدة ومنها مدرسة المؤلف الهنغاري بيلا بارتوك (1881-1945) التي تعمّدت إبراز الألحان الشعبية، كما فعل زولتان كودالي الذي عاصره وأتحفنا بألحان الفولكلور الهنغاري المحفوف بالموسيقى الغجرية. في هذه المتتابعة مصنف 14 سنة 1916، كسر بارتوك القالب الكلاسيكي المعروف جاعلاً من كل حركة من الحركات الأربع رقصة منمَّقة آتية من عوالم أخرى. وقد برع البروفسور باسلر بأدائها وإبراز مكوناتها التي تقبّلها جمهور لا يعرف التجديدات الأسلوبية لهذا المؤلف الذي استعان به كمال أتاتورك لتجديد الموسيقى التركية.
مسك الختام كانت سيدة "الفانتازيات"، فانتازيا روبير شومان الرائعة والتي كتبها المؤلف الألماني في عزّ شبابه وغرامه بابنة أستاذه كلارا ويك سنة 1836. إنها من وحي الغرام المقهور بالحرمان والفراق بسبب غضب الأستاذ الأب. والحقيقة أنها تقترب في براعة كتابتها وقالبها من السونات، حتى أن شومان أراد وضعها في حركاتها الثلاث تحت العناوين التالية "أطلال، غنائم، سعف نخيل"، علماً أن رومنطيقيته بقيت تتأثر بوجهي شخصيته القوي والحالم، أي فلورستان واوزوبيوس. إنها العاطفة الجياشة من خلال الأنامل والنوتات المهداة إلى الكبير فرانز ليست، سيد الرومنطيقيين وراعيهم. إنه اليأس في الحركة الأولى وبعض الأمل والقوة في الثانية، لينتهي المؤلف بوقفة تأمّل هادىء من دون أن تخلو من مظاهر يقظة وسمو.
لا مجال لنكران قدرة العازف الأستاذ باسلر الذي قد يكون نسي بعضاً من عواطفه، أو قُل عواطف المؤلفين
النهار