السيدة النبيلة كانت تحرس المعبد
أجل غابت السيدة النبيلة!
ردَّدتُ كلمات من أغنية أوفيليا، إحدى نساء شكسبير الخالدات:
"سافر الموت بها يا طفلتي..
وتزَيَّا النَّعش بالورد شذى".
لنا الذكرى والخواطر، والسلام لك يا بنفسجة الإخلاص.
أنتِ ورفاقٌ لك ذوو حلم شريف ..
أنشأتم مسرحاً صغيراً ليكون معبداً للفن. عمّاله ... جوّه دافئ، ودّي وخاص. لا فرق بين معبد كبير أو صغير. ما الذي يميز كتدرائية عن مصلّى صغير في الجوهر؟ هذه الكنيسة الصغيرة من المهم أن يكون لها مذبح يفي بالخدمة.
منذ لاحتْ لها الفكرة، وعتْ أن المسرح عالم صغير. وأن الحياة فيه تنتصر على الموت، وأن ماءه يكون دائماً ماء زلالاً. أدركتْ أنْ لا مسرحَ بدون حرية، وهو ضروري لسعادة الناس، وأن العرض على خشبته هو شرعية الحياة.
ما كانت السيدة لتكره الرقابة فقط، بل كانت تبغضها كثيراً وتمقتها أكثر. قالت لنا: لن نتدخل في أعمالكم، لن نشطب كلمة في جملة، ولا حرفاً في كلمة، ولن نلقي النظر على نصوصكم. افْعلوا ما ترغبون وتشاؤون. ليس عليكم إلا أن تجعلوا من سقط المتاع جمالاً.
على أساس هذا الوضوح، اتّخذنا من هذا المسرح وطناً لنا، تأقلمنا وتأملنا. أتذكر هنا حادثة منع مسرحية جلال خوري. جاء رجال الدرك ووقفوا عند باب الصالة. قابلهم جلال من على خشبة المسرح. صاح به الجندي: "اقترب الى هنا". ابتسم جلال وأجابه: "شرِّفْنا أنت الى هنا، هذا هو مكان عملي". وانكفأ الدركيون.
كم كانت ابتسامة السيدة تنير وجهها. كأن اليوم يوم عرسها، علاوة على أن هذا المسرح مركز إشعاع للفن والثقافة، فميزته أنه كان يوصلنا بسرعة فائقة بالعالم العربي. في حين ما كان ليصلنا من زملائنا العرب مهما قدّموا من أعمال جيدة وممتازة، الا شحائح الاخبار. أما أعمالنا فكانت تُقرع لها الطبول الصينية والأجراس معاً، وتدوّي من المحيط الى الخليج.
يوم عدت من بلاد الموسكوب بعد مدة طويلة من الدراسة، كان افتُتح هذا المسرح بمسرحية الرائد منير أبو دبس. بعده، كنتُ الثاني في الولوج لأقدّم باكورة أعمالي المسرحية. من على خشبة هذا المسرح، سيْمَ يعقوب الشدراوي مخرجاً مسرحياً في لبنان وسائر المشرق والمغرب. على هذه الخشبة كانت ولادة ريمون جبارة، كرجل مسرح كامل، اي جامع للكتابة والإخراج والصفات الأخرى، ومن هنا طار الى مهرجان شيراز. من هنا ظهر واضحاً الكوميدي القدير، المغفور له نبيه أبو الحسن، حاملاً زيّ دوره ليتبرّك به في أعماله اللاحقة.
شيخ مسرحنا انطوان ملتقى مرّ من هنا، وكذلك السيدة لطيفة، وهدى زكَّا وبِرْجْ فازليان وفاليري صروف و ..
الماغوط كاتباً مسرحياً، أنطوان كرباج وانا، حملنا "مهرّجه" حبراً على ورق في دفتر أزرق اللون. ومن مسرح لجنة مهرجانات بعلبك انتشرت مسرحيات محمد الماغوط على معظم المسارح العربية.
هذا قليل من كثير.
امتلأت عينا شكيب خوري بالدموع عندما كان ينتزع من بين ركام المسرح الذي أطلق كرّاسه لـ"القداس الأسود"، مسرحيته المتينة. في الوقت الذي بكى شكيب، بدأت صورة المسرح تخبو!!! "راحيلُ تبكي على بنيها ولا من يعزّيها".
ايتها السيدة النبيلة ان حشود الممثلين والمخرجين والكتاب والشعراء والتقنيين والرسامين والموسيقيين والمصممين والخياطين والنجارين والحدادين وغيرهم العديد من عمال المسرح الذين لم نذكرهم لضيق المجال، اولئك الذين جبلوا تراب المسرح بعرق أجسادهم وأعطوا الكثير من قلوبهم وعقولهم وجميع من جسّدوا أدوارهم وجميع النظارة الأوفياء، يمجِّدون أعمالك.
أيتها السيدة النبيلة، يا مَن أردتِ، ان يكون هذا المسرح منبراً لنا نردّد عليه "خطبة المأتم" لبركليس، لعلَّ جهابذة السياسة عندنا يستوحون من الخطبة ديموقراطية متواضعة لشعب تواضع كثيرا.
"صمتاً في السّماء، وسكوناً في السحب".
وإن عدتِ الينا، بطريقة ما، فيا لسعادة البشر.
النهار