هزيمة من هذا الزمان
باغته صوته عبر سماعة الهاتف: ما جديدك؟
- لا شيء
- جيد، فالمراوحة في المكان إنجاز في زمن كهذا. -(مطلِقاً ضحكته المجلجلة كعادته)- تعال مساءً أنا بانتظارك.
أغلق سماعة الهاتف، دخل المطبخ، فتح باب الثلاجة، دخلت شقيقته ألقت تحية الصباح مردفة:
- لِمَ تزورنا باستمرار يا رجل؟ دعنا نشتَق لك!
رد عليها بابتسامة وكأنه يعتذر عن شيء ما.
- ثم أستحلفك بالله أن تأكل جيداً، ألا ترى كيف أصبحت! ثم والله لا أدري أين ستوصلك دراستك وقراءتك لتلك الكتب.
- أرجوك دعيني أُنهِ طعامي لأني إذا تأخرت سوف يصنع مني الحاج قطعة فضلات كبيرة.
- كعادتك تتهرّب بهذه الطريقة، اذهب إلى عملك هيا.
عندما خرج من المنزل كانت هي أول مرة يهطل فيها المطر ذلك العام، كان صباحاً بارداً وأوراق الخريف تتطاير في جميع الاتجاهات من حوله وكأنها شبحٌ يريد الإمساك به، وغيوم سوداء داكنة تريد أن تخنق العالم.
بدأ المطر يهطل بقطرات كبيرة لكنها لم تكن غزيرة. أسرع الخطى. لم يكن يعنيه البلل الذي سوف يصيبه جرّاءَ المطر، بقدر ما كان يعنيه عواء الأسئلة التي سوف يثيرها في رأسه، كان يحاول الهرب من رائحة الأرض، من ذلك الشعور الثقيل الذي ينتابه، ذلك الانكماش، ذلك الاشتياق.
- عليك أن تسرع الخطى... عليك أن تسرع الخطى.
عندما وقف على باب المعمل أرعبته الفكرة: أمعقول أن يكون ملاذه هو الحاج؟ أمن المعقول أن الظروف بأكملها ترتب له موعداً مع هزيمة تشبه هزيمة هذا المجتمع بأكمله بعد الهزائم التي مني بها على كافة الجبهات؟ بعد سقوط جميع المشاريع أيكون ملاذه هو الحاج؟
عندما عبر الطاولة كان الحاج ينظر إلى ساعته فقد تأخر عشر دقائق. رمقه بتلك النظرة من رأسه حتى أخمص قدميه. ألقى تحية الصباح بصيغة تعبر عن اعتذاره لتأخره وتابع طريقه باتجاه ماكينته.
عندما لمس الزر زعقت الماكينة بذلك الصوت الذي يوحي إليه بأنها سوف تلتهم جمجمته.
مع ذلك الصوت استعاد صورة الحاج وهو ينظر إلى ساعته. أثار لديه الموقف نصف ابتسامة ارتسمت على محياه. لقد ارتدى الرأسمالي عباءة وذقناً، إذاً لم تختلف الصورة كثيراً. اتسعت الابتسامة عندما تذكر عنوان تلك المقالة (يا عمال العالم ماذا ستفعلون؟!)
استمرت هذه الأفكار ترسم دوامات في رأسه حتى فرصة الغداء، حيث كان العمال يتناولون وجبة سريعة جداً ثم يشربون كأساً من الشاي ضمن حلقات صغيرة، إلا هو فقد كان يجلس قرب ماكينته يرتشف كأس الشاي ويدخن سيجارته بهدوء ولا مبالاة.
في هذه الأثناء كان الحاج يتجول بين العمال وعندما وصل إليه وقف يراقبه من بعيد، كان يدرك هذا ولكنه لم يبد أي اكتراث. كان يدرك أن الحاج يكنُّ له العداء بالقدر نفسه الذي يكنه هو له، ولكنه دائماً كان يتساءل عن سبب احتفاظ الحاج به وعدم طرده له. عندما التقت عيناهما أدرك الحقيقة، استطاع أن يصل إلى أعماقه، نعم هذه هي، لم تكن المسألة أكثر من مجرد رغبة الحاج بامتلاكه.
خرج مساء من عمله. كان قلبه شرنقة، وشعور ثقيل بالخواء يعصف بداخله، لم يكن يشعر بأي شيء، وجهه دون ملامح، عيناه باردتان وقلبه يخفق ببطء شديد، خطواته كانت دون بوصلة ساقته قدماه إليه. عندما وصل كان بادياً تماماً أنه بانتظاره، ودون مقدمات وضع كأسين وبدأ ذلك الطقس، ضوء شحيح وتبادل للكلمات دون شرح طويل. كان كل منهما يدخل الآخر إلى عالمه، إلى قلقه.. إلى ألمه.. إلى جراحه. عندما بدأت الدنيا بالدوران حوله بدأ الهذيان.
- سوف تلتهمنا الرمال ...... سوف تلتهمنا الرمال.
عندما بدأ بالتقيؤ شعر أن عليه إخراج العالم من رأسه، أن يتقيأ كل الأحلام.. كل الوجوه.. كل الصور.. وهو لا يزال يردّد: ستلتهمنا الرمال.... سوف تلتهمنا الرمال.
اول تشرين الأول 2011
اعتقل كاتب هذه القصة القصيرة صباح السبت 1/10/2011 بتهمة إنشاء تنسيقية حي الزهراء في حمص