الفن اللبناني الجديد يملأ الشاشات

 

رغم ان الفن اللبناني يملأ الشاشات، وفنانيه اسماؤهم على كل لسان، إلا ان المهرجانات اللبنانية12345443313221.jpg الصيفية، تجد نفسها أمام أزمة كل سنة، حين يكون عليها أن تستضيف إلى جانب العروض الأجنبية المستقدمة من الخارج، والمنتقاة على مستوى رفيع، عروضاً لبنانية تجاريها أو تقاربها.
همساً يعترف بعض المسؤولين في المهرجانات أنهم في أزمة، وغالباً ما يصابون بالإحباط حين يراهنون على بعض الأسماء، لكنها سرعان ما تبدو أدنى من المنتظر. هكذا بالإمكان الكلام على كمية في الفن اللبناني تقضم النوعية. الفنانون يتحدثون عن شح مالي يشلهم، لكن المسألة تتجاوز التمويل لنجد أن الجو العام مسموم لحد أن اختراقه بإبداعات كبيرة يبدو شاقاً، ويزداد صعوبة، على الأرجح.
كما في مطلع كل صيف، يهرع لبنان الى مهرجاناته الفنية، «بعلبك» في الطليعة و«بيت الدين»، وجبيل أيضا. الجديد هذا العام هو غياب «مهرجانات صور» التي كانت تتولاها رندة نبيه بري، عقيلة رئيس المجلس النيابي. وثمة من يرى أن الامر ليس معزولا عن التطورات السياسية التي شهدها لبنان في العامين الماضيين، والتي أدت في بعض تداعياتها الى اعادة رسم خريطة الاحجام والامكانيات ومكامن النفوذ لعناصر التركيبة الحاكمة. ولعل هذا ما يعزز القول ان تعدد المهرجانات الفنية اللبنانية لا ينطوي على تنافس مشروع، بقدر ما هو يخفي وراءه انعكاسا للتناقضات الطائفية والمذهبية والمناطقية، بل هو يصل في بعض تجلياته الى سلوك كيدي يماثل اللعبة السياسية الدائرة في لبنان.

كما في كل موسم تعود الاسئلة لتفرض نفسها حول هوية هذه المهرجانات، حيويتها، قدرتها على التجدد، مقدار تعبيرها عن الهوية الحقيقية للفن اللبناني والعربي تاليا، وايضا عن مقدار التشابه أو التنافر بين الامس واليوم. وهي مقاربة لا تتيح الركون الى مقولة التجربة المتراكمة تصاعدا نحو الافضل. ثمة من يترحم على الايام الخوالي، ويرى في الصخب المهرجاني الدائر راهنا مجرد محاولات متعثرة للتواصل مع ماض جميل ولى، وأغلب الظن أنه لن يعود.

«مهرجانات بعلبك» تحتفل هذا العام بيوبيلها الذهبي، والاحتفال مناسبة لاستعادة زمن مختلف بمقدار ما هو زمن بعيد. يحلو لبعض المتابعين استذكار الاسماء الكبيرة التي جاورت الهياكل الراسخة ذات مرحلة: الرحابنة الكبار، ومعهم السيدة الكبيرة فيروز، أم كلثوم، صباح، وديع الصافي، نصري شمس الدين، فيلمون وهبة، زكي ناصيف، توفيق الباشا، وسواهم ممن يوازونهم في الحضور. ولان الذكرى تتمتع بموهبة الاغواء فهي تتوغل عميقا نحو جنفياف باج، مستوحية مقاطع شعرية لجان كوكتو وميشال لافونيتن وشارل بودلير وفيكتور هوغو ومالارميه وآخرين.

كان لحضور هذه الاسماء أن دفع القامة الفنية لمدينة الشمس، بعلبك، نحو التسامي صعودا مع أعمدتها الشاهقة، وكان القيمون على النشاطات الابداعية لتلك المرحلة الزاهرة مكافئين بشريين لاولئك المعماريين العظام الذين حولوا الصخر الى علامات فارقة في مسيرة التاريخ.

مهرجانات بعلبك في يوبيلها الذهبي، هذه السنة، تستحضر النتاج الرحباني مجسدا بمسرحية «صح النوم» المنجزة في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، وتفسح المجال لفرقة كركلا التي لازمتها زمنا لتشكل الخاتمة، هكذا تكون فيروز والفرقة الراقصة ذات البعد العالمي بمثابة صمامي أمان يتيحان للمهرجان الحصول على براءة نجاح. وعندما تضاف الى اللائحة بعض الفرق الاجنبية وعدد من راقصي الباليه، يكون النشاط الفني قد استوفى مقومات وجوده، ويمكن اعتبار المتحف الخاص بالمهرجان، والذي تقرر افتتاحه هذا العام، بمثابة اضافة نوعية تليق بالذكرى الخمسين. لكن السؤال الكبير هو هل تستعيد «مهرجانات بعلبك» إحدى مسرحيات الرحابنة القديمة من بطولة فيروز، وتستضيف «فرقة كركلا» من باب الاحتفال بما مضى، ام ان الساحة شبه خواء من مواهب لبنانية جديدة، تستطيع أن تملاً الفراغ وتليق بالمستوى العالمي الذي تطمح اليه المهرجانات. يكاد مهرجان بيت الدين يحار كيف يسد فراغ الغياب اللبناني، وحتى العربي أحياناً. مسرحية «حكم الرعيان» العام الماضي، لمنصور الرحباني، ظلت تدور في فلك مبدعي ستينات القرن الماضي، وكانما النخبة الفنية التي تليق بالمهرجانات لم تتجدد منذ خمسين سنة.

يمكن للنقاش مع المهرجانات وحولها أن يدور في محاور شتى: هل هي مجرد صناعة سياحية تضاف الى مثيلاتها في الوطن الصغير الطامح الى أن يكون مطرحا للفرجة المدهشة؟ هل هي بؤرة نخبوية في محيط ينزع نحو شعبوية متطرفة؟ وأيضا: هل هي وسيلة من الاندماج في رحاب عولمة جموح يملك لبنان المتنوع ثقافيا استعدادا فطريا للتماهي معها؟ وماذا عن غياب الاثر المحلي في ظل هيمنة النتاج الوافد الذي يلقى حفاوة أقل ما يقال بصددها انها مبالغ فيها؟ قد يكون مفيدا هنا استعادة ما طرحته نورا جنبلاط، رئيسة لجنة «مهرجانات بيت الدين» في المؤتمر الصحافي الذي اعلنت خلاله انطلاق اعمال المهرجان: «نحن نحاول منذ سنوات الحصول على (المغنية الاميركية) ليزا منيلي، وأخيرا حصلنا عليها». وأيضا: «تستضيف «مهرجانات بيت الدين» فرقة ستومب التي تعزف على آلات النقر، وتستعمل ادوات منزلية من الحياة العادية لاستخراج الموسيقى منها».

اما الفنانة ماجدة الرومي (النجمة اللبنانية للمهرجان) فهي تقول معبرة عن ابتهاجها بالمشاركة للمرة السابعة في بيت الدين: «بانتظار قيامة لبنان سياسيا يبقى البديل هو دور الفن والثقافة». هل هو الفن المستخرج من ادوات الحياة العادية الذي سيمنح لبنان مقومات الصمود بانتظار حلول موعد القيامة السياسية؟ أم ان النجمة تراهن على الدور الاستراتيجي للنجم العالمي ريكي مارتن، الذي زار لبنان اواخر مايو (ايار) الفائت مصطحبا حمولة طائرة من آلات الصوت والضوء تقدر بالاطنان، ومفتتحا المهرجان الذي سيكون على نشاطاته التالية الانتظار قرابة الشهرين، اي الى 16 يوليو (تموز) الحالي لتمارس حضورها؟ تجدر الاشارة هنا الى أمر مماثل حصل مع «مهرجانات جبيل» ونجمها العالمي فرانسيس كابرال، المغني وعازف الكمان الفرنسي الذي افتتح المهرجان في حزيران (يونيو) الفائت، وفقا لجدول مواعيده الشخصي، قبل أكثر من شهر على الموعد الفعلي للافتتاح.

يؤكد الزميل رفيق نصر الله، عضو لجنة «مهرجانات صور» المتوقفة أن بعض المهرجانات تجنح الى تغييب المحلي، وحتى العربي لصالح الغربي. وذلك عائد الى تناقض الرؤية، كما الى تباين الخلفيات الثقافية والسياسية أيضا. لكن نصر الله لا يبرئ النتاج الفني اللبناني من المسؤولية: «هناك غياب للاعمال الجادة على المستوى المحلي. فنحن نعرف ان المسرح اللبناني يعاني انتكاسة واضحة، كذلك فان الاعمال الفنية والثقافية الاخرى متأثرة بالسائد. وليس الواقع العربي أفضل من مثيله اللبناني. لعل هذا ما يبرر الاستعانة باسماء أجنبية لرفع مستوى هذا المهرجان أو ذاك، الى جانب ضرورة اضفاء نوع من الصيغة العالمية على بعض هذه المهرجانات في اطار تعددية التجارب التي يجسدها لبنان».

وفي اطار توصيفه للواقع الفني اللبناني راهنا يقول نصرالله: «لقد تدنى الى مستويات أقل ما يقال فيها انها انكسارية بالكامل، غابت اسماء كبيرة عن الذاكرة الجماعية للناس، وغابت معها تلك الاعمال التي كادت أن تتحول الى مناسبات سنوية تنتظرها شرائح كثيرة».

من جهتها المسؤولة الاعلامية لمهرجانات بعلبك، ليلى البساط تستعرض الحرص الذي أبدته اللجنة تاريخيا لاحتضان الفولكلور اللبناني، ضمن ما عرف باسم «الليالي اللبنانية»، وشهدت، برأيها، نجاحا منقطع النظير. لكن البساط تشير الى أن سنوات الحرب مارست أثرا سلبيا واضحا على الاعمال الفنية اللبنانية، ادت الى غياب الانتاج النوعي، الا أن «مهرجانات بعلبك» ظلت على وفائها للفن اللبناني، وما ان هدأت الحرب، حتى كانت مسرحية «مجد الاندلس الضائع» لفرقة كركلا في مقدم البرنامج.

وفي اطار تفسيرها لتواضع حضور الاعمال الفنية اللبنانية والعربية، مقارنة بمثيلاتها الاجنبية، تقول البساط: «ثمة قصور واحجام واضح من قبل أهل الفن عن انتاج الاعمال المميزة لاسباب متعددة منها ما هو مادي، ومنها ما يتصل بالمناخ السياسي العام، وقرارنا في اللجنة واضح ومعلن: اما أن نعرض أعمالا قوية ومؤثرة، واما ان نمتنع عن العرض».

ثم ان لمهرجانات بعلبك طابعا دوليا، مما يحتم وجود فرق عالمية في حفلاتها، والبديهي أن من شأن ذلك ان يلعب دورا هاما على الصعيد السياحي الذي لا يمكن اغفال اهميته.

هل يمكن الحديث عن رسالة فنية تجسدها هذه المهرجانات أم ان الامر لا يتعدى كونه تقليدا سنويا يسعى المعنيون لانجازه بأقل الخسائر الممكنة؟ يقول نصر الله انه بالرغم من كون المشهد الحالي مغايرا كليا لما كان عليه في مرحلة سابقة، فان مجرد الاصرار على اقامة هذه المهرجانات، في ظل الظروف الصعبة التي يشهدها لبنان، أمر ينطوي على الكثير من الانجاز والمغامرة. ويسند ذلك الى أسباب ومعطيات كثيرة: الزمن يتغير، الواقع الاقتصادي، الهواجس السياسية والأمنية، قيام نوع من الفرز المناطقي الذي بدأ اللبنانيون يشعرون بثقله الفادح، كل ذلك من شأنه اعاقة تطور هذه المهرجانات، لكن في النهاية ثمة ارادة واضحة للحفاظ عليها، وهذا أمر مبشر.

تبدو ليلى البساط أكثر تفاؤلا على هذا الصعيد: «رسالة المهرجان ايصال الفن والثقافة الفنية الى كل بيت لبناني، دون التقوقع في أبراج عاجية، وتعريف الجمهور على مختلف تيارات الموسيقى العالمية، خاصة أن الموسيقى هي لغة موحدة للشعوب، كما أن بين وظائف المهرجان تقديم لبنان الى العالم بوصفه بلد محبة وتنوع. وهي ميزة يجب الحفاظ عليها.

المسؤولة الاعلامية لمهرجان بيت الدين، وفا صعب تميل الى الاجابات الحاسمة على الاسئلة التي تفرضها المرحلة: «المنافسة بين المحلي والاجنبي لا بد لها أن تنعكس بصورة ايجابية على الفن اللبناني، الذي سيتعين عليه أن يتجاوز نفسه آملا باللحاق بركب العالمية. وثمة أعمال لبنانية يجري تحضيرها خصيصا للمهرجانات، مما يعني دورا محفزا على انتاج الافضل دوما».

مهرجانات لبنان نقصت واحدا هذا العام، هل يعني ذلك تراجعا في الرسالة الفنية، وضآلة في حجم الاشعاع الثقافي الذي اعتاد الوطن الصغير على تسليطه نحو العالم الاكبر؟! الارجح ان مساحة الضوء ستبقى محافظة على منسوبها الاعتيادي، وأن الارض ستبقى تدور، وان الشمس ستظل تكيد لوطن الاشراق، وتشرق.

منقول عن صحيفة الشرق الأوسط – جريدة العرب الدولية – بتاريخ 5 تموز/يوليو 2006