شعب سياسي بامتياز.
في نقاش لي مع أحد الاصدقاء حول ما يحدث في بلدنا الحبيب سوريا، سألني:ما هو الحل ؟ والآن أحب أن أطرح ما يدور في ذهني، أعترف أولا ًبأني لا أفقه كثيراً في عالم السياسة الواضح والغامض في أنٍ معاً، وإن كنتُ منذ صغري أسترق السمع لأحاديث أبي وأصدقائه في السياسة، وأفضلّها على حديث أمي مع النساء. من وجهة نظري الآن، وقد توضحت الصورة بعد تلك الشهور الصعبة التي مرت علينا جميعاً، ومن خلال أحاديثي ونقاشاتي مع أصدقاء لي على اختلاف وجهات نظرهم، ألاحظ أن الجميع متفق على ضرورة حدوث تغيير في البلد. قد يكون هذا التغيير كلياً كتغيير النظام، أو جزئياً مثل تغيير بعض القوانين والعمل على القضاء على الفساد. دعونا نناقش الآن الاحتمالات الممكنة البعض ما زال يتكلم عن امكانية اسقاط النظام، فإسمحوا لي أن أقول أنّ هذا وهم ولا يمكن أن يحصل بدون مساعدة خارجية ولاسباب عديدة أهمها أنّ النظام متماسك وقوي رعم كل الإشاعات التي ترّوج حوله وحول الجيش والترويج للعديد من الانشقاقات التي كشف عامل الزمن بطلانها. وكذلك النظام وإن كنت لا أحبذ استعمال هذا الاسم للدلالة على الحكم في سوريا، له شعبية لا يستهان بها، والرئيس الاسد وخلال فترة حكمه حقق العديد من الاصلاحات والانفتاح وإن كان ذلك بطيئاً نسبياً في بعض المجالات. إذا عدنا للتدخل الخارجي، فإنّ بعض المعارضين قد طلبوا ذلك فعلياً على الرغم من رفض البعض الآخر له، لكن احتمال تدخل الغرب عسكرياً في مثل هذه الظروف ضئيلٌ جداً، لأن أمن اسرائيل وهو السبب الأهم
لتدخلهم، هو بنفس الوقت السبب الأهم في خوفهم من هذا التدخل، فاسرائيل ستكون أول وأقرب هدف لصواريخ السوريين أنفسهم وحلفائهم في حال تعرضت سوريا لاعتداء خارجي، وهم لا يريدون المخاطرة بذلك.وبناءً عليه فإنّ احتمال التدخل الخارجي وبالتالي سقوط النظام هو احتمال ضعيف جداً، و المعارضة لوحدها لا تمللك تلك الآلة العسكرية القادرة على تغيير النظام. دعونا نعود للاحتمالات الأخرى، هناك معارضة تستخدم كل ما أُتيح لها من ثقل إعلامي عربي وغربي بهدف التأتير على استقرار الحكم وهي تستعمل اسلوب النظاهر وخلق البلبلة الامنية وبسبب تماسك الحكومة والجيش فأقصى ما يمكن أن تصل إليه ولاسباب شرحتها سابقاً هو تشتيت جهد الحكومة والجيش والتأثير على الاقتصاد، أو بالمختصر دخول البلد في حرب استنزاف داخلية لا احتمال لاحد بالنصر فيها والخاسر الاكبر هو الوطن وقد تستمر هذه الحال لسنوات عديدة وقد تتطور لحرب أهلية ويستمر نزيف الدم السوري بأيادٍ سورية لأجل غير معروف وفي نهاية المطاف وبعد خسائر جسيمة في الارواح والاقتصاد سوف ينهك الجميع ويجلسون للحوار والمصالحة او للتهدئة كما يحصل عادة وكما حصل بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان والتي استمرت خمسة عشر عاماً وما تزال آثارها واضحة في التقسيم والتحاصص الطائفي في الحياة السياسية اللبنانية. لنعد للحالة السورية، الجميع متخوف ومضطرب، ولا بد من حل. لا أحد يحبذ الحرب، والخيار الاخر الذي لا بد منه هو الحوار وبالمقابل هناك من يرفض الحوار خوفاً من تراجع الحكومة عن الاصلاحات اذا ما توقفت الاحتجاجات وخوفهم أيضاً من بطش الحكومة بكل من نزل للشارع من الشباب، وبتحليل منطقي للأمور، نجد أنّه ليس من مصلحة الحكومة المماطلة في الاصلاح، ولكن تشتيت جهد الحكومة والجيش وحالة الشغب الوجودة في الشارع هي ما يبطئ الاصلاحات، والحكومة لا تستطيع التراجع عن الاصلاح لأنّها استشعرت الخطر المحدق بها وأحست فعلياً بضرورة أخذ الامور على محمل الجد حالها كحال كل السوريين، أما فيما يخص المتظاهرين وخوف البعض من الاعتقال بعد هدوء الوضغ، فإنّ من حق الحكومة والشعب القاء القبض على كل من حمل سلاح وقتل وخرّب أسوة بما يحصل في كل دول العالم، واما من تظاهر سلمياً فحمايته واجب على الجميع
قد يأتي قائل ويقول: إن دماءً كثيرة قد سفكت وكيف تنسى من قتل أبوك أو أخوك أو صديقك، واقول له بكلامك هذا أنت تدعو إلى سفك مزيد من الدماء ولو من غير قصد، لندع العدالة تأخذ مجراها، ويجب أن ننزع عقلية الثأر التي ورثناها من ايام الجاهلية ،مع العلم أنّ شهداء سوريا كانوا من كل الطوائف والملل، من المدنيين ومن الجيش والامن، ومن كل المناطق. ومبدأ الاخذ بالثأر لا يجرّ إلا المزيد من الدماء والالم لنأخد الايجابيات التي حصلنا عليها من حركة الشارع والتي سرّعت في تقديم الحكومة للاصلاحات، قد تكون هذه الاصلاحات غير كافية بنظر البعض، لكن بعملنا جميعاً سوف نجني الافضل منها، ولنعطي فرصة للحكومة لتنفيذ تلك الاصلاحات بالتوقف عن التظاهر وإيقاف سفك الدماء ولا ننس أن سلاح الكلمة والتظاهر سلاح فعال نستطيع استخدامه لاحقاً في حال فشل الحكومة، مع العلم ان محارية الفساد واجب على الفرد والحكومة معاً ويجب محاربته على كافة المستويات وهو الاولوية بعد استرداد الامان في الداخل.
نحن الآن في مرحلة خطيرة هي مرحلة الذروة،لا أحد يريد العودة إلى ما قبل منتصف أذار، هذا الحراك الشعبي كان مفيداً لنا جميعاً ولا نريد خسارة ما تحقق ولكن بالمقابل لا نريد الانحدار نحو الحرب الاهلية، بالتوقف هنا والمصالحة نكون قد أوقفنا شلال الدم السوري المؤلم، وطردنا شبح الحرب المخيف، أعطينا فرصة للحكومة لتنفيذ الاصلاحات تحت إشراف الشعب وبمشاركة من الجميع بعد أن أثبت السوريون أنهم شعب سياسي بامتياز.