كلمة الدكتور مفيد مسُّوح في احتفالية أبوظبي الأدبية الفنية المكرسة لكتاب "جماليات الإبداع الرحباني"

جماليا - أبوظبي قرأها 6
  

إطلاق كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" في أبوظبي – كلمة مؤلف الكتاب

مساء الخير،

بدايةً أشكر الإخوة في "اتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات" ورئيس مجلس إدارته الأستاذ حارب الظّاهري، والإخوة أعضاء مجلس العمل اللبناني وأعضاء مجلس العمل السوري على تنظيمهم هذه الأمسية، وباسمكم أشكر الشاعر الصديق هنري زغيب الذي لبَّى الدعوة وحضر إلينا من بيروت، والفنان أحمد جميل على وتره الراقي في هذه الأمسية.

* * *

لم أقصد من كتابي إضافةً إلى الرسالة الرحبانية، فصرحها كاملٌ متكاملٌ ضاربٌ جذورَه في حياتنا، تاريخاً وتراثاً ثقافياً وفكراً وفنَّاً بل فنوناً استمتعتْ بمكوناتها أجيالٌ لفترة زادت عن نصف قرن، ومازال النص الرحباني على ألقه، وما زال الناس بحاجة إليه، وما زلنا نبدأ نهاراتنا بالتفاؤل والابتسام وبروح المحبة والفرح يحفِّزُها سماعُنا الأغاني الرحبانية تبثُّها إذاعات عربية صباح كل يوم، كما لا نزال في حاجةٍ للعودة الى نصوص مسرحيات الأخوين عاصي ومنصور الرحباني كلما تراكمت أمامنا التفاعلات المعقَّدة لعناصر الوطن والمجتمع في بلداننا وكلما تأزمت العلاقات بين الناس. فالمسرح الرحباني في شموليته حاضر في كل زوايا حياة الناس المادية والروحية، فهو تميز بفراسة نادرة، ولا يزال أدب الناس الطيبين الأنقياء وأدب الأوطان المسالمة والمكافحة من أجل السلم والمُحِبَّةِ للحياة والمؤمنةِ بالتطور والقويةِ بشعوبها صانعة الحضارات.

في كتابي "جماليات الإبداع الرحباني" سافرت طويلاً وبعيداً في الأعمال المسرحية الرحبانية طوال الفترة الذّهبية مع السيدة فيروز وكبار كصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وإيلي شويري وآخرين. وجنَّدتُ لعملي أذنين دقيقتَي الإحساس وعينَين مجهريّتي القدرة ونفْساً صابرة جَلوداً، لاستضافة القرَّاء الى المناخ الرحباني فيروا ما رأيت ويسمعوا ما سمعت ويحبُّوا ما أحببت، ويعوا مثلي بأن قوَّة الإنسان في صدقه مع نفسه ومع الآخرين ومع وطنه وبأن سعادته تكمن في قدرته على خلق السعادة للآخرين وحفاظه عليها وبأن الأوطان تبهى بشعوبها القوية وبتألُّق حضورها الحضاري وبمدى حرص أبنائها عليها وعلى السلم والتطور.

* * *

كنتُ فتيَّاً أنهم من الكرم الرحباني بين ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومأخوذاً بأدبٍ وفكرٍ فيه لم يكن مثلي كثيرون يعتبرون النص الرحباني أدباً وفكراً. وكنت أقرأ ما يتوفر لي من كتابات وحوارات وتعليقات عن عروضِ وأغنياتِ فيروز والأخرين، وأرى الصرح الرحباني ينمو ويتطور وتزداد شعبيته وتنمو في داخلي فكرة الكتابة عنه. ولم يكن ذلك سهلاً، لمكانة هذا النص في الساحة العربية، وللفارق الشَّاسع بينه وبين ما يحيط به. وظللتُ أحلم بالكتابة عن المسرح الرحباني، حتى التقيت في هذا الحلُم مع الشاعر هنري زغيب الذي كتب في مقدمة كتابي: "مفيد مسُّوح يلتقي بحُلم راودني: أن يجيء يوماً من يقدِّم النَّص الرحباني إلى القرَّاء بعدما قدَّم نفسَه بنفسه إلى المستمعين والمشاهدين. والحلم ليس في مجرَّد تقديم النَّص بل في الإضاءة عليه سرداً وتفصيلاً وقراءة نقدية مُحبَّة تُبرز ما فيه من ثنايا وجماليات".

وكانت متعة هذا الحلم تصاحبني وأنا أستمتع بالمسرح الرحباني الساحر، حتى صدمَ حلمي في أيلول 1972 مرضُ عاصي. حلَّ القلق في نفسي. ومع أن شفاء عاصي النسبي وظهور مسرحية "المحطة" في موعدها أحيا الأمل باستمرار الدَّفق الرحباني، لكنه لم يبدِّد الخوف نهائياً، وعادت أخبار "بيت الرحباني" وعاصي تقضُّ مضجعي وتبعدني عن التفكير بتنفيذ مشروعي.

وتمر سنوات صعبة ومعقَّدة ذات أحداث مؤسفة، فيتوقف المسرح الرحباني عام 1977 ويخفتُ البريق الذي أضاءتْ دروبَنا قوَّتُه وجمالياتُه وتتسارع الأيام والأعوام حتى أعلنت بيروت الخبر المفجع في 21 حزيران 1986: مات عاصي الرحباني. يومها كنتُ في موسكو. حزنتُ وحفرتْ دمعاتٌ حارَّة خدَّيَّ الباردين وأنا على خطواتٍ من نهار الدفاع عن أطروحة الدكتوراه.

وصاحبني حزني سنواتٍ بعد عودتي وتنقُّلي، لكن حلمي بالكتابة عن الأدب الرحباني عاد يستيقظ تدريجياً.

هنا، في أبوظبي، رحتُ أتحيَّن الفرص للمْلَمة أوراقي القديمة ومَراجعي وقصاصاتٍ غاليةً جمعتُها طيلةَ سنواتِ تعايشي مع الأعمال الرحبانية. بدأتُ بأملٍ يكبر ومخاوفَ تتبدَّد. وطوال سنتين استخدمتُ كلَّ دقيقة وفَّرتْها لي أيامُ الرَّاحة والعطَل. كانتْ متعتي وأنا أكتب عظيمة فأنستْني التَّعب.

أخيراً تحقَّق الحلم، وخرج الكتاب كما أردتُه وفي موعده.

وهنا أتوجَّه بالعرفان أولاً للإمارات الحبيبة التي وفَّرت لي الشروط النفسية والموضوعية فتسنى لي أن ألتفتَ إلى هذا العمل الكبير الذي وُلد في أبوظبي خلال فترة تحضير وإتمام هي أجملُ وأغنى فترة عشتُها في حياتي. وكنت في حاجة الى من يشدُّ على يدي منذ انطلاقتي، فجاءني مَن فعل طوال تلك الفترة، ولا يزال، بقلبٍ مُحِبٍّ ويدٍ تلذّ للعطاء ووجه أخذني إلى فضاءات التفاؤل، إنه ضيفنا الليلة الصديق الشاعر اللبناني هنري زغيب، مَن أرى فيه أنقى مرآةٍ لجوهر الأدب الرحباني.

وأشكر المهندس روك سعادة مصمِّم لوحات الغلاف ومستشاري طيلة فترة الكتابة.

ويذهب شكري الكبير الى الكبير منصور الرحباني الذي تابع مراحل عملي حتى صدور الكتاب وإطلاقه في بيروت نهار الذكرى العشرين لغياب عاصي، مساء 21 حزيران 2006. صدِّقوني أنني كلما هاتفتُ منصور كنتُ أشعر كأنني أتحدَّث إلى الأخوين رحباني. وصدِّقوني أن عاصي ومنصور كانا إلى جانبيَّ طيلة فترة إعدادي لهذا الكتاب. وكم نحن مدينون لهما بأرصدة جمالية وأدبية وفنية وشحناتِ قيمِ الرَّزانة والرَّصانة والأخلاق ومقوِّمات الذَّائقة الرفيعة ونفحات الحب والفرح وعبادة الأوطان.   

إن كتابي "جماليات الإبداع الرحباني" المهدى إلى الأخوين عاصي ومنصور كـ"أرفعِ وسامٍ على صدر لبنان" مؤلفٌ من جزأين بنحو تسعِمائة صفحةٍ استَعرضتُ فيها تحليلاً ودراسة مسرحيات الأخوين رحباني بين 1960 و1977، في سبعَ عشْرة مسرحيةً، اثنتان مع السيدة صباح والباقية مع السيدة فيروز. كما أثبَتُّ نصوص الأغنيات كاملة ومعظم الحوارات الثنائية والجَماعيةِ، وحلّلتُ المشاهد والنصوص وما حولها وعرضتُ بيئات مواضيع هذه المسرحيات ومحاورها والعناصر المؤثرة في تلك البيئات مع ما يلزم من معلومات وأحداث وتواريخ، وما يخصُّ الفنَّانين والفنَّانات من منفّذي هذه الأعمال، فخرج الكتاب كما وسَمه الشاعر هنري زغيب في مقدِّمته بـ"السِّفرَ الموسوعي" وبـ"السِّفر المعمَّق"، وهي تسميةٌ أفتخر بها، وأفخر بكلمات الكبير منصور الرحباني على غلاف الكتاب: "حقَّق هذا السفْر الموسوعي ما قد يكون في لا وعينا، عاصي وأنا، حين كنا نكتب ونكتب ونكتب غير ملتفتَين إلى الشَّذا الذي سيتناثر حولنا من تلك الكتابات".

صدرَت عن كتابي هذا مقالاتٌ كثير في صحف لبنان وسوريا وأبوظبي وأستراليا، وتناولته لقاءاتٌ إذاعية وتلفزيونية عديدة في هذه البلدان، أحدثُها أمس الأحد مع الشاعر هنري زغيب في "قناة العربية".

ورغم ظروف حرب تموز/آب في لبنان، شارك الكتاب في معارض كتب عربية وعالمية، آخرَها معرضُ القاهرة الدولي، ويسرني ما يصلني من دخول كتابي هذا الى الكليات الفنية والأدبية في الجامعات والمعاهد المتخصصة، والى المكتبات العمومية وهيئات حفظ وإحياء التراث الأدبي والفكري والفني، وأن يكون مرجعاً للمهتمين بتاريخ منطقتنا وبالمسرح السياسي وبالمسرح الناقد، وللعاملين في الصحافة الفكرية والأدبية والفنية. وثمة معلومات كثيرة عن هذا الكتاب يجدها زوَّار المواقع الثقافية على الإنترنِت في موقع "جماليا" المتخصص بالآداب والفنون، الذي يكتب أدباء وشعراء ومثقفون من البلدان العربية، وهو الموقع الرسمي المعتمَد من "الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية"، الذي يرأس فرعه في لبنان والشرق الأوسط الشاعر هنري زغيب.

أكرر شكري لمجلسي العمل السوري واللبناني ورئيسَيهما الدكتور قاسم العوم والسيد ألبير متى، وأحيِّي روح العمل الأخوي بين المجلسين. إن مواطنين تجمعهم سعادة افتتاح نهاراتهم بصوت فيروز وكلمات وموسيقى الأخوين رحباني، لن تتفجَّر اختلافاتهم تناحراً وكراهية. وسوف نؤكد جميعاً أنّ مشاعر السلام والفرح والمحبة بين بلداننا هي التي ستنتصر في النهاية.

أشكر كل من ساهم في إحياء هذه الأمسية، إداريين وفنيين في المسرح الوطني وجهات راعية كريمة، وأشكركم فرداً فرداً على حضوركم، وأترككم تستمتعون بهذه الأمسية الرحبانية، ونلتقي في نهايتها عند طاولة عرض الكتاب الذي سأقوم بتوقيعه لمن يرغب في اقتنائه.

فإلى اللقاء في آخر هذه الأمسية، ودمتم.