شوقي مسلماني: شعري يتنفس من فضاء معولم

اسكندر حبش قرأها 9
 

 يكتب تحت تأثير منفى داخلي مدمِّر لكن الكتابة ليست ملاذه الأخير


"من نزع وجه الوردة"
، عنوان المجموعة الشعرية الجديدة الصادرة حديثاً للشاعر اللبناني شوقي مسلماني المقيم في استراليا،hhhhhhhhhgdhgdhdghdgdfddddddddgfdgfterte.JPG وفيها يتابع كتابته التي تسائل الأمكنة والذات، أي ذلك التصادم بين عالمين. حول الكتاب، كان هذا الحوار عبر البريد الالكتروني.

ـ      غادرتَ لبنان منذ فترة بعيدة لتقيم في الطرف الآخر من العالم، هل نستطيع الحديث عن «منفى طوعي» لا ترغب في مغادرته؟ ماذا يتبقى من لبنان عندك، أهو الحنين أم شيء آخر؟

∎ أجل، غادرتُ لبنان منذ فترة بعيدة إلى ما تسمّيه «الطرف الآخر من العالم» أي أستراليا

ـ يمكن القول: منذ 28 سنة ـ لسبب أوّل وحاسم هو «طلب الأمن»، بتعبير والدي عندما قرّر أن يحمل أمتعة الرحيل إلى المجهول الذي حضر بإهاب أناس ضوئيين يقيمون وزناً للحياة. وطالت سنوات الحرب اللبنانيّة، وطال أمد الرحيل. ربّما ما أقوله ضروري لفهم ولو حيِّزاً ضئيلاً من الصورة، وأؤكد، والغربة منفى في بعدها الآخر، أنّ كلّ غربة بعيداً عن الوطن الأمّ هي وليدة غربة أسبق عن الروح داخل الوطن الأمّ ذاته، مرّة في شقِّها الاجتماعي، مرّة في شقِّها السياسي، مرّة في شقّها الثقافي، مرّة في شقّها الأمني ودواليك، أي لا مصالحة مع الذات بعدُ، وبهذا المعنى تتقدّم الغربة المكانيّة بصفتها خشبة خلاص، ليكتشفَ المرءُ غالباً متأخِّراً أنّ ما قد فُقِدَ مرّة قد فُقِدَ مرّة وإلى الأبد، وضغثاً على إبالة فُقِدَ معه الوطن الأمّ ذاته أيضاً وأيضاً، فليست المسافة بعدُ ذات بال، وهذا من نافل القول، بل هي هذه الغربة التي لا تكلّ ولا تملّ في بلد المنشأ (في حالتي: لبنان) والغربة الوافدة في بلد الملجأ (وفي حالتي أيضاً: أستراليا) على كلّ صعيد إذا شئت. فهل بعدُ ولو منفذ إبرة للحديث عن «منفى طوعي»؟

ـ      في هذا المكان الجديد، هل تجد أن لغتَك تحولتْ؟ كيف مارس المكان تأثيره على القصيدة؟

∎  اللغة كمفردات، أي لغة، هي كمّ زاخر، فمنذ اكتُشفَتْ وهي تتكاثر إلى ما لا نهاية، ويستحيل بعدُ أن يحيط بها فرد. ولا يخفى أثر اللغة، كلغة، الأهم على سلوك الناس ونشاطاتهم الذهنيّة والعمليّة وهم يمخرون في عبابها. ولا ينشأ الفرد فصيحاً إنّما يبدأ بالاكتساب، وكلّما اكتسب مفردة جديدة كسب شوطاً مع الحياة، هذا منذ البدء، وكل كاتب أو أديب أو شاعر بتقدّمه في اكتساب اللغة على مختلف الصعد لا يعود ما كانه، فمخزونه المضاف والجديد باعتقاد متخصّصين سيجعله ينظر إلى ذاته ومحيطه وفق قدر المخزون المتنامي ذاته، ويؤثِّر في المنظور إليه بهذا المستوى أو ذاك. وفيما الواحد يؤثِّر بما لديه فيه وفي مختلف الصعد أيضاً النفسيّة والاجتماعيّة وإلى ما هنالك، فهي علاقة جدليّة مفتوحة، حتى إذا أنتَ شاعر مثالاً لا حصراً فأنتَ في قصيدتك الجديدة غيرك في قصيدة سابقة وغيرك في قصيدة لاحقة همّاً وقلقاً واتجاهاً وتجريباً إذا تشاء.

وعليه فأنا الآن، وقد أمضيت سنوات أكثر في وطني الثاني أستراليا من تلك التي عشتها في وطني الأوّل لبنان، غيري باستمرار، وبغضّ النظر عن الآفاق المتباينة بما لا يُقاس بين الوطنَين فالتحوّل سيحصل إيجاباً أم سلباً ولو لم يحصل انتقال، والتأثير العامّ في حال قصيدتي لا يتعدّى دأبها في سلوك كل درب يضيء في هذه الظلمة الكثيفة غير سائل، على ما ذهب الشاعر أمجد ناصر مرّة، ولذلك أنا في مجموعتي «أوراق العزلة» غيري بنسبة مختلفة في «حيث الذئب» وغيري بنسبة مختلفة زيادة في «مَنْ نزعَ وجه الوردة؟»


تصادم

 
ـ      إحدى القراءات الممكنة لشعرك هي هذا التصادم الذي نجده بين عالمين، بين مكانين، بيد أن كل شيء يهرب منك في النهاية، ماذا تقول؟

∎ التصادم الذي تلحظه صديقي اسكندر ناتج عن تصادم عوالم الأمكنة ذاتها أيضاً، وتقارِب هذه النقطة أوراق لي في مجموعاتي الثلاث لا تسمّي الأمكنة وإنّما فقط تأخذ منها، وهو كلّ حال قصيدة «حيث الذئب» وغيرها الكثير، من دون تأطير بزمن محدّد إلاّ تاريخ الإصدار، فحيثُ ألم فحرب عليه، وحيث فرح فسلم له، أي خصومة وكراهية وتمرّد في قصيدة، وصداقة وأمل واستنصار في قصيدة، ويظنّ الشاعر، وأتجرّأ وأقول أيضاً إنّه مثلما هو من أذكى الناس هو من أغبى الناس في الوقت عينه، فهو يظنّ أنّه وهو يلمس الجرح سيبرأ الجرح، وإذا المجروح لا يزال في هوانه يرتدّ كسبانُ الشاعر إلى خسران، وإذا ما يبدو أنّه قد وصل واقعاً هو قد هرب، ولستُ أنا بمنأى عمّا ما أن يُقبل حتى يُدبِر كأنّما هو عين السراب.


ـ      حملتْ إحدى مجموعاتك عنوان «حيث الذئب»، أحبّ أن أسأل بداية: من هو هذا الذئب؟ وهل المكان الجديد هو الذي «حوّلك» بالمعنى «الكفكاوي» للكلمة؟


∎   «حيث الذئب» هو إصداري الثاني، وقد لقي قبولاً كالذي سبق وهو أوراق العزلة» (وبالمناسبة لستُ بعد على بيّنة من حقيقة واقع الثالث الأخير«مَنْ نزع وجه الوردة؟») وفيه خذلان ومرارات كثيرة تتمظهر في أغلب أوراقه، فالغياب، والأرق والقلق والظلام كثير، والرعب كثير، والسوداويّة كثيرة، وربّما هذه أجواء كافكا الذي قرأتُ له مرّة قوله، وهو الذي عانى من مرض رئوي قتله على ما أظنّ وهو في أواسط العمر: «آلام الرئة ليستْ سوى انعكاس لآلامي المعنويّة»، وما الغياب بكلّ مجسّماته، وكذلك حتى السوداويّة، سوى عين الآلام المعنويّة. وبهذا المعنى، إذ تجد صديقي اسكندر كابوسيّة ما في ما أدّعي فأنتَ مصيب، فأمام هذا الإحساس بالعزلة لا يبقى لكتاب «حيث الذئب» (مِنْ عالم كافكا: «الدودة الهائلة»، «الجحر»، «مستعمرة العقاب»، «أبحاث كلب») إلاّ أن يحمل هذا العنوان، فما هي هذه الشراسة في العالم؟  إلاّ أنّي أكرِّر أنّي بمجموع أعمالي لستُ صنيع مكان معيّن، أو مكان جديد محدّد بالكامل، وإنّما أتنفّس في عالم معولم أكثر ممّا مضى حتى بتنا نتحدّث عن العالم ـ القرية، وهل كائن هو في بعض قرية؟

 
منفى أم ملاذ


ـ      «تحت هذا الرماد/ لا شيء» تقول في إحدى قصائد هذا الكتاب، هل الكتابة هنا هي «المنفى» أم الملاذ الأخير؟

∎   التعاقب في ما بين «تحت هذا الرماد / لا شيء» و«المنفى» صائب، مثلما هو صائب الحديث عن بحث من أجل «الملاذ الأخير»، ولو بالكتابة: الاختراع العظيم. وأقول بالصوابين لبديهة الشعور بالهزيمة عندما لا يبقى ما يُنفَخ تحته غير الرماد، فالكآبة عظيمة ـ صحارى لا تنتهي وحروب ومجاعات، فإذا الشاعر هو تحت تأثير منفى داخلي مدمِّر، ولبديهة أنّه ليس سوى الميْت لا يطلب الملاذ الأخير ـ ربّما لأنّه فيه ـ ولو يتوهّم بالعمق، فالكتابة ملاذ يعرفه كلّ كاتب، ولكن لستُ متأكِّداً أنّه الأخير لكلّ كاتب، فيما أعتقد أنّه لا ملاذ أخير كالأمل، وأنا هنا لا أتناقض مع الكافكاويّة التي أشرتَ إليها بل أؤكِّد على مذهبي الذي يقول بعمق وطول وظلام النفق ولكن لا يطلب الموت، وكيف يطلب الموت مَنْ ختم مجموعة «حيث الذئب» بعنوان هو «استجابة الضوء» ومجموعة «من نزع وجه الوردة؟» بقطعة تقول: «خلف كلّ شمس/ مواكب أرواح» وقبلهما مجموعة «أوراق العزلة» بجملة «أسابقُ الريح»؟

 
ـ      من يعرف تجربتك لا بد أن ينتبه إلى هذه اللغة التي تريد أن تمحو نفسها من مجموعة إلى أخرى، هذا ما أجده واضحاً في كتابك الأخير: «من نزع وجه الوردة؟». هل اللغة تغيب بدورها بعد أن نفقد كل شيء؟


∎    البعض يأخذ على الذات أن تستمرّ في محو ذاتها، مثلما يأخذ عليها البعض أن تفعل غير هذا، مثلما حصل مع الشاعر بول شاوول، مثالاً لا حصراً، الذي محا ذاته مراراً، ومثلما يحصل مع غيره ممّن ألغوا ذواتهم. أمّا مفردة «محو» فلا أعرف إذا هي هنا بمعنى التدمير بمفهوم الشاعر عبّاس بيضون عندما يكتب عن شاعر عربي يعيش في ألمانيا مثنياً أنّ كتابته تدمِّر ما تحتها، أو شيئاً من ذلك، وإذا كانت هي بهذا المعنى فإنّك تهبني فوق طاقتي. وعليه هناك فقدان للشيء وغياب للغة والأسلوب واللبّ، ولكن ليس للشيء كلّه ولغيره كلّه، لأن الخطو الذي جذوره فيه، بتعبير الشاعر (أعتقد أنه أدونيس) هو فقط في أفق الشاعر.


ـ يقول عنك وديع سعادة بأنك أحد «الخارجين على القبيلة والمتمردين على الذائقة العامــة». كيف تفهم هذا التمرد في الشعر؟

∎    سادتْ كثيراً محاولات في القول العربي، وغرق المركب، وقوم كُثُر ما زالوا نياماً، ولا أقصد بالقول هنا الشعر فقط، بل أيضاً الفكر قيماً وعادات وتقاليد وتصوّرات وأماني وسلوكاً ومنهجيّة وإلى آخره، حتى باتت هذه المحاولات اللانهائيّة بالأصل نهائيّة مقدّسة، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يرشقها حتى بوردة. وأذكر أن الشاعر أدونيس قال ما معناه ان الإفراط في فرض سيؤدّي حتماً إلى ردود لن تعدم في ردّ منها الإفراط في التمرّد عليه. وكان ردّ عظيم من قبل الشاعر الراحل بدر شاكر السيّاب، ثمّ ردّ عظيم آخر من قبل الشاعر أنسي الحاج، وأعتقد أنّ الكلام الآن بات أكثر وضوحاً. وعندما يراني الشاعر الصديق وديع سعادة الذي أوصى زوجته الكريمة أورور وولديه وابنته أنّه إذا أصابه مكروه (وأشار إلى حقيبتي سفر فوق خزانة مدكوكتين دكّاً بالأوراق وقصاصات صحف ومجلاّت عربيّة وأجنبيّة) تُنقَل إلى بيت شوقي، ويكون هو المؤتمن، أنّي أحد الخارجين والمتمرّدين على القبيلة والذائقة العامّة فإنّه يهبني أيضاً حبّاً ما هو فوق طاقتي. وعموماً أفهم الخروج والتمرّد في الشعر بالاقتراب من الواقع وكسر القوالب الجامدة والمغامرة لكي يكون بمقدور «حفنة من الغبار» على حدّ تعبير الشاعر أدونيس ذاته أن «تتمرّد على قبضة الكون». إنّما أمام تمرّدها طريق لا تزال طويلة.