أهمية أن تكون من كندا

د. أحمد الخميسي قرأها 6
 

dddddddddddfghjyyyyyyyyyyytr44444.JPG

لأن المهاجرين الوافدين يشكلون أكثر من نصف تعداد سكان كندا فقد وصف "يان مارتل" الأديب الكندي الحائز على جائزة بوكر عام 2002 كندا بأنها: "أعظم فندق على وجه الأرض". إلى ذلك الفندق شد الكثيرون رحالهم في أوقات مختلفة وكان من ضمنهم شاب سوري مهندس كمبيوتر اسمه ماهر عرار. استقر فيها وتزوج وحصل على الجنسية وعاش سعيدا بحياته وعمله وأسرته لولا أن لحيته كانت طويلة بعض الشيء وأن أصله عربي. ولأن أمريكا تعمل منذ مدة بشعار "ع الأصل دور"، قامت باحتجاز ماهر عرار في مطار جون كيندي بنيويورك في 26 سبتمبر عام 2002  بناء على معلومات غير صحيحة من الشرطة الكندية تفيد أن ماهر صاحب اللحية الطويلة مسلم متطرف. ورغم أن جواز سفر ماهر كندي، فقد تم ترحيله على الفور في طائرة إلى الأردن ومنها براً إلى سوريا، ليسجن ويعذب في بلده سوريا نحو العام. هناك بالطبع أسباب وراء ترحيل ماهر إلى السجون السورية، في مقدمتها الاعتقاد الأمريكي بأن الإنسان لا يستريح إلا في بلده مهما كان، وثانياً الحرص الأمريكي على ازدهار وتنوع ثقافات التعذيب القومية، وثالثاً لأن السلطات الأمريكية بذلك تدَّخر أجرة مترجم أثناء التعذيب.

خلال فترة اعتقال ماهر في سوريا قادت زوجته الكندية الدكتورة مونيا مزيج حملة للإفراج عنه انتهت بإطلاق سراحه في 57777777777777ytrfdeeeee.JPG أكتوبر 2003.  ويمكن القول عند هذا الحد من القصة أنها لا تنطوي على جديد. ذلك أن إرسال المعتقلين لتعذيبهم في بلدان عربية أمر معترف به رسميا وأشار إليه مسؤول سابق في المخابرات الأمريكية هو مايكل شوير في فبراير 2005 بقوله: "أرسلنا معتقلين إلى بعض الدول بما فيها مصر وتعرضوا للتعذيب". الجديد والعجيب في القصة بدأ بعد ذلك، عقب رجوع ماهر صاحب اللحية الطويلة إلى كندا. فقد أصرَّ ماهر – ولا أدري من أين أتته الفكرة– على مطالبة السلطات الكندية بإجراء تحقيق علني لتبرئة ساحته.

أول الأمر رفضت السلطات طلبه، ثم انصاعت له تحت ضغوط حملة شعبية تندِّد بإسهام السلطات الكندية في سجن ماهر! وبعد تحقيق مطوَّل كلَّف الدولة 21 مليون دولار هي ميزانية لجنة التحقيق والدفاع، انتهى القاضي الكندي في سبتمبر 2005 إلى أن ماهر تعرض للتعذيب في سوريا ظلماً، وأن الشرطة الكندية قدمت معلومات مشوهة إلى السلطات الأمريكية تسببت في إلحاق الأذى بمواطن كندي". وبناء على هذا الحكم الواضح زادت جرأة ماهر عرار فرفع قضية على المدعي العام الأمريكي ورئيس الوزراء الكندي السابق وعلى رئيس الشرطة الكندية وطالب فيها بتعويض يصل لمئات الملايين. ووصفت الصحف الكندية ما جرى لماهر باعتباره "العار الوطني"، بينما طالب زعيم حزب الديمقراطيين الجدد الحكومة الكندية بالاعتذار الرسمي لماهر وأسرته. وفي نهاية يناير العام الماضي تقدم جوليانو زكارديلي، رئيس الشرطة الكندية باعتذر رسمي لماهر قال فيه: "أعربُ لك ولزوجتك ولأولادك علناً عن أسفي الحقيقي لكل ما اتخذته الشرطة من إجراءات قد تكون ساهمت في الظلم الرهيب الذي عانيتَ منه والألم الذي تحملته وعائلتك". ولكن ذلك الاعتذار لم يكن كافياً بالنسبة للمجتمع الذي واصل ضغوطه حتى إقالة رئيس الشرطة!

عند هذا الحد يبدأ المرء في التفكير: هل يمكن لشيء كهذا أن يقع عندنا؟ أي أن يتلقى معتقل بالخطأ اعتذاراً رسمياً من مسؤول في الداخلية أو مأمور قسم أو حتى من مجرد شاويش بشريطين في الحجز؟   

الأكثر من هذا أن مجلس العموم الكندي في 21 يناير الحالي تبنَّى بالإجماع (لاحظْ: الإجماع) قراراً يعتذر فيه لماهر! والأعجب أن44444444444thjtfreeee.JPG ستيفن هاربر رئيس الوزراء الكندي قدم في يوم الجمعة 26 يناير اعتذاراً رسمياً لماهر باسم الحكومة الكندية قائلاً: "أود باسم حكومة كندا أن أقدم لكم اعتذاري عن أي دور قام به المسؤولون الكنديون في المحنة الرهيبة التي عشتموها". هذا على الرغم من أن ما حدث لماهر جرى خلال حكومة الحزب الليبرالي، بينما ينتمي رئيس الوزراء المعتذر إلى حزب وحكومة المحافظين التي لا علاقة لها بالقضية! ولن أتوقف هنا عند قرار الحكومة صرف 12 مليون دولار كتعويض لماهر المحظوظ الذي دعت له أمه يوم مولده بقولها: "رح إلهي يعتقلوك سنة ويعتذروا لك ويعطوك الملايين يا ابني".  أريد فقط أن أتوقف عند أن الحكومة السورية لم تنطق بحرف، لأن اعتذار جهة رسمية عندنا أمر يتجاوز خيالنا، لا يخطر ولم يخطر أبداً على بال خلال كل عهود السجن والاعتقال. السجَّان والمسجون استبعدا نهائياً الحلم المستحيل بأن الاعتذار للإنسان، بديهي، وممكن، وأحياناً ضروري، وهو حقه قبل كل شيء.