إبن خلدون .. جدليَّة المعرفة ونقد العقل النَّظري

وفيق غريزي قرأها 6
 

إن إبن خلدون هو من اوائل المفكرين الذين شعروا بضرورة التفكير الجدي بظاهرة المعرفة في المجتمع. هذا العلاّمة الذي يعتبرggggggggggggggghiuytr5555555tyuj.JPG اليوم مؤسساً لعلم الاجتماع، اظهر جهداً مرموقاً في التنظير حول المعرفة. في كتابه (المقدمة). كما هو الاول في ارجاعه الى حظيرة الاشكال الاجتماعية السائدة (بدوية كانت ام مدينية) العلم والمعرفة، وهو الاول الذي تكلم عن الاسس الاجتماعية للمعرفة والعلم ... وهو لم يعمل على تعريف مختلف اشكال المعرفة، بيد ان المسألة ليست غريبة عنه لانه عندما يتكلم عن المعرفة، يحرص على التلميح الى التبدّل في اشكالها الناجم عن الديمومة او القطع في الاشكال الاجتماعية. حياته هو ولي الدين ابو زيد عبد الرحمن بن محمد إبن خالد بن الخطاب. ولد في تونس غرّة رمضان 732 هـ (27 - 5 - 1332)، تلقى على أبيه وعلى بعض العلماء في تونس والوافدين اليها القرآن الكريم حفظاً وتفسيراً، ثم الحديث والفقه واللغة والنحو وكثيراً من الشعر. وفي السادسة عشرة من عمره كان قد استوفى اكثر علومه الدينية واللغوية، ثم توسّع بعد ذلك وازداد من علوم المنطق والفلسفة شيئاً كثيراً. سنة 1347 م، التحق بحاشية ابي الحسن المريني سلطان مراكش، على ان اول عهده بمراتب الدولة فعلاً كان سنة 1351، فقد تولّى ديوان الرسائل لأبي محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس. وتقلّب ابن خلدون في البلاد فكان عند بني مرسين في فاس سنة 1359، وعند بني الواد في تلمسان، ثم عند بني الاحمر في غرناطة، فأرسله بنو الاحمر في سفارة الى بطره ملك قشتالة لإتمام عقد الصلح بينه وبين ملوك المغرب. ثم انتقل الى المغرب، ولكنه سئم التطواف والمناصب فآثر الاعتزال في قلعة سلامة شرق تلمسان فمكث عند بني العريق اربع سنوات، وبدأ بتأليف كتابه في التاريخ. وقد تولى القضاء في مصر ردحة من الزمن، وافته المنية في 15 آذار 1406 م.

كان إبن خلدون أشعري السلوك يعتقد ان العقل قاصر عن ادراك الحقائق الماورائية الغيبية، ولذلك نراه في حياته الشخصية والعملية يعوّل على الشرع وحده، وأما في حياته العقلية وفي تآليفه خاصة، فانه معتزلي التفكير يعتمد على العقل والاقيسة المنطقية وطبائع الكائنات وتحليم النظر والبصيرة في الاخبار. ثم يعتقد ان الامور الجارية في عالمنا المادي والاجتماعي والنفساني تخضع لنواميس معينة وتجري في نظام مخصوص، ثم انها تتكرر كلما تهيأت لها مثل الاسباب التي عملت على ظهورها من قبل. وليس إبن خلدون فيلسوفاً اجتماعياً فحسب، بل هو عالم اجتماعي وواضع على الاجتماع على أسس حديثة، ثم ان علماء الاجتماع الذين جاءوا بعده من الغربيين كانوا دائماً مقصرين عنه في بعض النظريات الاجتماعية.

 

المعرفة والحضارة

في الحقبة من الافتقار ومن الاختلال العام، انطلقت شرارة الفكر العربي، ان مثال الامس فقد كل اثر على الواقع، وإبن خلدون كان هناك لينظم مسيرة الفكر الجديد، وليد الفوض الاجتماعية العامة، فكان فكره البحّاثة موجهاً نحوالمستقبل. ولقد أعطى ابن خلدون للفكر اتجاهاً عمودياً منطلقاً من مضمار العلم المحض الى مضمار المعرفة وكانت نقطة انطلاقه من ان الصلة القائمة بين العلم، اي كل معرفة علمية، والمدنية هي صلة موضوعية. ويقول في هذا المجال: (ان العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، والسبب في ذلك، ان الصنائع إنما تكثر في الامصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلّة والحضارة والترف.
تكون نسبة الضائع في الجودة والكثرة لانه امر زائد على المعاش).

ان إبن خلدون يلجأ الى التجريد ولكن ليس لاي نوع من التجريد، فعندما يعتبر ان المعرفة هي، ما بعد المعرفة نفسها تصور لادراك العالم، فهو ضمناً لا يرفض، رغم ماديته في التفكير، التجريد، غير ان التجريد يبقى تجريداً مادياً. فالمعرفة هي بنية معرفية وهذا ما يلتقطه ابن خلدون مباشرة، ان التجريد عنده له طابع بنيوي وليس مثالياً، كأني به يقول: وبقدر ما اعرف اكثر، بقدر ما اصبح اكثر قدرة على المعرفة).

ان في رؤية ابن خلدون مستويين من المعرفة، الاول مرئي والآخر غير مرئي. الاول ملموس والآخر مشخّص، طبعاً لا يذهب الى حد اعطاء الاولوية للوظيفة النوعية على الوظيفة الكمية. فالشكل التجريدي الذي يعطيه للمعرفة لا يهدف الى المثالية، بل يبقى ارادياً في حدود البنية الوليدة من تجمع عدة عناصر مادية من الاساس.

نقد العقل النظري

إذ ندرس فكر إبن خلدون الواقعي، لا نرغب مقابلته او تحديد وضعيته بالنسبة الى الفلسفة العقلانية والمثالثة الحديثة. فعقلانية ديكارت ونقدية كانط ومثالية هيغل أنماط من الفكر الفلسفي لا تشترك في شيء مع فكر إبن خلدون من جهة اشكاليتها العامة (إن اشكالية فكر إبن خلدون الفلسفي محددة جوهرياً بمعطيات الفلسفة اليونانية - العربية، وبخاصة في وجهها الارسطي والافلوطيني، والمعلومات التي يوفرها لنا تقدم الفلسفة الحديثة تساعدنا على تبيين السمات الحديثة لفكر إبن خلدون، ولكن الفائدة الاولى لتلك المعلومات ينبغي ان تكون في مساعدتنا على ادراك قيمة هذا الفكر بالنسبة الى التراث الفلسفي الكبير).

ان الفلسفة التي يقول إبن خلدون بإبطالها وفساد منتحلها، فلا ريب انه يقصد بها ما أسماه أرسطو الفلسفة الاولى او الميتافيزيقا، وهي ما طرقه الفلاسفة العرب المشاؤون في باب ما بعد الطبيعة والالهيات وما يتحدر عنه من نظريات مستغرقة في التجريد والمثالية حول جوهر العقول وتراتبها، او حول السعادة الفلسفية. وما ينتقد إبن خلدون في فلسفة ما بعد الطبيعة هو اساسها المعرفي نفسه، القاضي بإمكانية ادراك الوجود الكلي وتطابق الاحكام الذهنية مع الموجودات الخارجية المحسوسة. وفي نقد الميتافيزيقا ذاتها، فان إبن خلدون يقدم أفكاراً قد تذكّر مؤرخ الفلسفة اليوم ببعض وجوه النواة الصلبة في نقدوية كانط القائلة بعجز العقل الانساني المشروط بمقولاته القبليّة عن معرفة الحقيقة في قضايا الميتافيزيقا والثيولوجيا كالعالم في ذاته، والروح، والله، وكلها قضايا تنتهي فيها الوثوقيات الى افكار مجرّدة متعالية، هي في آخر المطاف افكار ذاتية منتسبة، لا تقول شيئاً سوى عن استعمالها التجاوزي لمقولات الفهم وضربها صفحاً عن معطيات الحساسية والتجربة.

إن إبن خلدون ككل الماديين القدامى والمحدثين، يرجع للانسان وضعه ككائن طبيعي خاضع لمنحنى بيولوجي ضروري وشمولي. وهذا المنحنى هو، من جهة اوسع، النموذج الذي يصلح له بالتماثل لتفسير الحياة، حياة وموت الدول والحضارات كما هو الشأن عند شبنغلر على وجه نظري دوغمائي. اما السببية او (العليّة) عند إبن خلدون فهي القدرة على الربط بين ظواهر ومعطيات كأسباب ومسبّبات، وهذه القدرة، كلما مارسها فكر الانسان تميز عن الحيوان وتقدم في انسانيته، ولعل احسن صياغة لمبدأ السببية لدى إبن خلدون هي انه اذا قصد ايجاد شيء من الاشياء فلأجل الترتيب بين الحوادث. ولا بد من التقصّد بسببه او علته او شرطه، وهي على الجملة مبادئه. اذ لا يوجد الا ثانياً عنها. ولا يمكن ايقاع المتقدم متأخراً ولا المتأخر متقدماً. ومبادئ الاشياء لا يمكن ادارتها الا بالعقل عبر مستوياته الثلاثة: التمييزي، التجريبي والنظري، وكلها تتضافر لسبر الحقيقة الانسانية ولتصور الوجود. ان فكرتي الطبيعة والسببية تتصدران تصميم إبن خلدون الدراسي.


الفكر والوجود


إن إبن خلدون يرى ان العملية التي يرتقي بها الفكر من مستوى الكائنات الجزئية الى مستوى الكليات الشاملة بأسلوب كثيف، تتمثل بالنظر الذي يفيد تميز الحق من الباطل انما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية، فيجر منها اولاً صوراً منطبقة على جميع الاشخاص كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي نرسمها في الطين او الشمع. وهذه المجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الاوائل، ثم تجرّد من تلك المعاني الكلية اذا كانت مشتركة مع معان اخرى، وقد تميزت عنها في الذهن فتجرّد منها معاني اخرى وهي التي اشتركت بها، ثم تجرد ثانياً ان شاركها غيرها، وثالثاً الى ان ينتهي التجريد الى المعاني البسيطة الكلية المنطبقة على جميع المعاني والاشخاص، ولا يكون منها تجريد بعد هذا، وهي الاجناس العالية، وهذه المجرّدات كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض لتحصيل العلوم منها تسمّى المعقولات الثواني. فاذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجرّدة وطلب تصور الوجود كما هو، فلا بد للذهن من اضافة بعضها الى بعض ونفي بعضها عن بعضها بالبرهان العقلي اليقيني ليحصل تصور الوجود تصوراً صحيحاً مطابقاً اذا كان ذلك بقانون صحيح، حسب قول ابن خلدون.

ان المحققين من المتصوفة المتأخرين ألحقوا ما يسمّى (مقام الجميع) الذي تظهر فيه الوحدة بين الموجودات (مقام الفرق) وهو مقام التمييز بين الموجودات. وهذا يعني ان سبب الكثرة في الاشياء ليس الاعتبار الانساني او الادراك الحسي، فالاشياء لا يتعلّق تشكلها والعلاقات فيما بينها. بحواسنا، على العكس، انها هي التي تلقي بخصائصها الذاتية على حواسنا. الانسان يتلقى بواسطة الحواس معلومات ترسلها الكائنات في العالم. ولكي يؤكد إبن خلدون وجود الواقع الموضوعي للكائنات الحادثة، وباستقلال هذا الواقع عن المعرفة التي تكوّنها عنه، وبطابع الكثرة الذي يطبعه في مباشرتنا له، فما هو، في نهاية الامر وضع الفكر بالنسبة الى الوجود? إن الوجود اوسع من ان يحاط به او يُستوفى ادراكه بجملته روحانياً وجسمانياً.
من جهة ثانية، يختصر إبن خلدون دعوى الفلاسفة بقوله: (ان قوماً عقلاء النوع الانساني زعموا ان الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسّي، تدرك ذواته واحواله بأسبابها وعللها بالانظار الفكرية والاقيسة العقلية، فاذا كانت هذه الدعوى صحيحة، فمعناها ان الاداة التي يستعملها الفلاسفة مطابقة تماماً، اي انها تجعل الفكر قادراً على تكوين تصور صحيح عن الوجود في ذاتها، وبدونها لا يمكنه ذلك. هذه الاداة موضوعة اصلاً لحفظ العقل من الخطأ، وهي ما يسمّى بالمنطق، ولكن هذه الاداة لا تخلو من الإلتباس، فهي من جهة متعلّقة بمقتضيات في الوجود تخضعها لغير معيار العقل، وهي من جهة اخرى تنزع الى حصر الصحيح المقبول في ما هو متماسك صورياً. فالاستعمال المزدوج لها قد يكون سبباً للوقوع في الخطأ ولتحويل الاداة التي يستعملها العقل في البحث عن الحقيقة الى أداة سيئة) الفلاسفة يقولون ان الحق حق في الوجود، وفي العقل على سبيل المماثلة. وعليه ينبغي ان يكون الاساس الذي ينطلق منه المنطق حقاً ومعروفاً، والا، فإن قوانين المنطق تكون عقيمة.


الاخلاق وعلم العمران

عندما ننظر الى الاخلاق في علاقتها مع علم العمران، لا تعتبر الاخلاق علماً معيارياً خالصاً، وانما نعتبرها معرفة ببعض القوىeeeeeeeeertgyhujkqqqqqqqqwdfg.JPG الاجتماعية التي تتحول تجريدياً وتنقلب قواعد ضاغطة او ملزمة. بهذا، المعنى، نستطيع ان نجمع تحت عنوان الاخلاق الفلسفة السياسية والحقوق والعادات والتقاليد، ومن البديهي اننا لا نستطيع هنا اثارة مشكلة العلاقات الجدلية بين الفكر الاخلاقي والحادثات الاجتماعية التاريخية. فما نحتاج اليه هو مجموعة ملاحظات تساعد على توضيح العلاقات بين الاخلاق ان دائرة الاخلاق تسيطر على الحياة الاجتماعية. وفي الواقع فإن وجودها بهذا الشكل هو ما لعب دوراً كبيراً في تكوين السوسيولوجيا الخلدونية. فالثقافة العربية - الاسلامية تحدد اولياً بالاخلاق التي انتجتها، وهي اخلاق تعبّر عن مجتمع. يجعل في بنيته الفكرية بذور وأطر الوعي الجماعي الذاتي، واذا اخذنا بعين الاعتبار الدروس الفقهية التي واصل ابن خلدون يتعمق فيها منذ شبابه، فانه يسهل علينا ترميم العلاقة الاصلية بين الواقع وما أثاره من تفكير عند إبن خلدون، الذي التزم بأن الاخلاق تشتمل على ما لا يتعارض مع المعرفة الموضوعية للحوادث الاجتماعية. وعلى هذا الاساس تمكن من الانتقال من دائرة الاخلاق الى دائرة العمران.

شخصية إبن خلدون بين الشخصيات الفكرية الكبرى في تاريخ الثقافة العربية، هي شخصية استثنائية الى حد تثير في النفوس الحماسة والحذر في آن واحد، ويستحيل ردّها الى اي مدرسة او اي اتجاه محدّد من المدارس والمذاهب الفلسفية والتاريخية والسياسية والاصولية. وإبن خلدون لا ينتمي الى تيار محدّد من تيارات الثقافة العربية - الاسلامية، لا لانه لا يرتبط بأي تيار منها، بل لانه يرتبط بها جميعاً ففي فكره، نجد أثراً او صدى لكل المشكلات التي انطرحت على الوعي الاسلامي، وفي فكره نجد استيعاباً لتلك المشكلات واعادة صياغة لها من وجهة تأليفية لم يعرف الفكر العربي نظيراً لها.