النَّهر

د. عبد الرحمن الجديع قرأها 605

د. عبد الرحمن الجديع

سفير المملكة العربيَّة السعوديَّة في السويد

إلى الشاعر الكبير سعيد عقل بمناسبة الاحتفاء ببلوغه العامَ المئة من عمره المديد. ولَشَدَّ ما يُسعدني بأَن يكون الحظُّ قد أَسعفَني بالتعرُّف إلى هذا الرمز العظيم في تاريخ لبنان الحديث.

(البسيط)

مِن فوقِ تلك الرُّبى قد أَشرقَ القَمَرُ

وغرَّدَ الطيرُ صدَّاحًا: "أَنا النَّهَرُ"

هذا سعيدٌ... سَلِ التاريخَ عنه يُجِبْ

بأَنَّ في شِعرِه لبنانَ يُختَصَرُ

من زحلةٍ... في يدَيه إرْثُ تُربتِها:

الشِّعرُ والخمرُ والعُشَّاقُ والسَّمَرُ

يُعانقُ المجدَ كِبْرًا في ترفُّعِه

كأَنَّه الأَرزُ نورَ الشَّمسِ يَنتظِرُ

كالطَّودِ، قُلْ، ليس يخشى غيرَ خالقِه

والناسُ في شِعره سَكرى وما سكروا

لم يَلتمِسْ مِنَّةً أَو يَجتنِبْ خَطَرًا؛

راضَ المَخاطِرَ حتَّى هابَه الخَطَرُ!

فوق المنابر ما ينفكُّ منتفِضًا

نُصغي إليه، وتُصغي مثلَنا العُصُرُ

قد طوَّع الضادَ أَشكالاً لمنطقه

هذي القوافي له تعنو وتأْتمرُ

كالسَّيف ذو أَنَفٍ والحقُّ رايتُه

ما شاءَه كان، لا ما شاءَه القدَرُ![i]

وإنْ تنافسَ في أَشعارهم عَرَبٌ

فإنَّ هامتَه بالشُّهْبِ تعتمرُ

كم شاعرٍ راح يرنو، في مُقارَبةٍ،

إلى ذُراه، ولكنْ خانَه الوَطَرُ!

دنياه دنيا جمالٍ كلُّها قِيَمٌ

يعلو كما النَّسْرُ لم تَسْتَهْوِهِ الحُفَرُ

يزداد في العمر-ما شاءَ الإلهُ-صِبًا

يَفيضُ عَزْمًا كأَنْ ما هزَّه الكِبَرُ

غنَّى لمكَّةَ أَبياتًا مُرَقْرِقةً

بها استضاءَ الدُّجى واستيقظَ السَّحَرُ

*

أَحَبَّ لبنانَ... لم يُشْرِكْ به وَطَنًا

لا يستطيبُ سوى جَنَّاتِه النَّظَرُ

أَرضٌ كأَنَّ يدًا مِن فوقُ تحفظُها

وإنْ أَحاقتْ بها الأَرزاءُ والغِيَرُ

أَرضُ الجَمال وأَرضُ الحقِّ مِن قِدَمٍ

وحيثُ كانا، فلبنانٌ له أَثَرُ

من الحجازِ ومِن نَجْدٍ يُواكِبُني

إلى سعيدٍ سلامٌ عابقٌ عَطِرُ



[i] إشارة إلى ردِّ قدموس على عبارة "قَدَرٌ فوقنا" بقوله: "شأْ تُزلزِلْ دنيا وشأْ تَبْنِ دنيا".