نُـثَـارُ كـلامٍ لا يَـمـتـدح - (لـكَ وعـنـكَ... يـا "يـوسـف الـفـايـز")
نُـثَـارُ كـلامٍ لا يَـمـتـدح
(لـكَ وعـنـكَ... يـا "يـوسـف الـفـايـز")
أصـوات مـن الـمـاضـي
أصوات التصفيق والهتافات لا زالت تملأ مِسمعي...
العامُ: عامُ ألفٍ وتسعِمئة وستّةٍ وسبعين. الفصل: صيف. الشهر: تمّوز، أو آب...
كنّا آنذاك مجموعةً من الصبْية الصغار، شاءت لنا أقدارُنا أن تطأ أقدامُنا أرضَ تلك الساحة الصغيرة المحاذيةِ لكنيسة الكاثوليك، في وسط القرية (عبلّين)، فنشهدَ بعضًا من فقرات حفلة تخرُّج. كان ذاك التخرّجُ تخرُّجَ طلبة مدرسة عبلّين الثانويّة الفتيّة (أو الصبيّة -إن شئنا الدقّة). كانت مدرسةً مستأجرة ولا ساحة لها إلاّ الشارع! بنايتها ليست مُعَدّة لتكون مدرسة، بل هي مجموعة من غرف أحد منازل القرية. وبالرغم من كلّ هذا وغيره من النواقص والمعيقات والمشقّات -أو ربّما بسبب كلّ ذلك-، كان هنالك مَن يعلِّم، وكان هنالك مَن يتعلَّم ويجدّ وينجح ويتألّق. لستُ أنسى أصوات وصيحات الاحتفاء والإعجاب، التي تعالت حين انتصب عريف الاحتفال، الأستاذُ الدكتور شاكر أحمد رسلان، مستحثًّا الحضور وهو يهتف عاليًا ناطقًا باسم الخرّيج الذي حصل على أعلى معدّل في المدرسة، إذ قال: استقبِلوا معي وحَيُّوا الطالبَ المتفوّق يـوسـف فـايز الـحـاجّ...
لا زلت أذكر مشاعر الابتهاج والاعتزاز، التي كان أهلي وسِواهم من أصدقائهم وأقربائهم وجيرانهم يعبّرون عنها حينذاك في مجالسهم. لا زلت أذكر ابتهاجهم الفائق بتألُّق هذا الشابّ الرائع الرائق الواثق، ابنِ العائلة الكريمة المكافحة المتواضعة الإمكانيّات. ولا عجب... لا عجبَ إنْ فَرِحَ البسطاءُ لِفَرَحِ البسطاء.
عَـدْلٌ مِـن جَـوْر!
لربّما كان من حظّ ثلاثين فوجًا من خرّيجي ثانويّة مار إلياس، من عبلّين ونحو ثلاثين بلدة من الجليل والمثلّث والنقب والقدس، من حظّهم أنّ يـوسـف فـايز الـحـاجّ قد وُلِد لعائلة متواضعة الإمكانيّات. لو قُدِّر له أن يُولَد لعائلة مقتدرة قادرة على الإنفاق على دراسته ستَّ سنوات دراسيّة أو سبعًا في خارج الوطن، لَكان ربّما قد دَرَسَ الطبَّ، ولَحَظِيَ كثيرون بالشفاء على يديه. بيد أنّ الأقدار الغريبة، الأقدارَ التي تجور وتجود في آن، قد هيّأت له أن يكون مدرّسًا للفيزياء على امتداد ثلاثة عقود، ليجتني الفائدةَ منه كلَّ عام عشراتٌ من طلبة الفيزياء، عشراتٌ متواصلة متتابعة لا تقلّ -في مجموعها- عن ألف خرّيج، مِن بينهم مَن قد غَدَوْا مهندسين وأطبّاء ومحامين وأكاديميّين يُفاخَرُ بهم. غريبة هي الأقدار! غريبةٌ حين يولَدُ مِن ظلْمها وبخلها عدلٌ وسخاء.
اعـتـزاز
كنّا نعتزّ بأنّك زميل لنا، ولا زلنا نعتزّ. أمام طلبتنا وزملائنا، كنتُ، ولا زلتُ، أعبّر عن اعتزازي بزميل يَنذر حياته لعمله. يَنذر مقادير بالغة من حياته وأوقاته وعقله وقلبه لعمله. زميلٍ يدخل إلى غرفة التدريس مسرعًا، ولا يتعجّل الخروجَ إلاّ إذا كان سينتقل إلى غرفة تدريس أخرى. زميلٍ كثيرًا ما كنتُ، على مَسمع من طلبتنا وزملائنا، أُجاهِرُ بالتمنّي أن يكون لديّ بعض من فيض مثابرته وعزمه وجِدِّه وجِدّيّته.
يا أبا فـايز، أسْرتك الكريمة في عيوننا وقلوبنا. نعرف أنّ أمنيتك كانت -ككلّ والد ووالدة- أن يتمكّن نجلك وكريماتك الأربع من نهل الدراسة العليا. أمنيتك هي هي أمنيتُنا نحن إخوتِك المحبّين. إنّ الذي عزّز طلبتَهُ بعلم وثقة وإيمان بالقدرة على النجاح والالتحاق بأرفع الكلّيّات والأقسام في الجامعات، إنّ مَن كان يقدّم الخدمات لشعبه طَوال سنين على هذا النحو الهادئ المضحّي الملتزم، مِن حقّ أبنائه /أبنائنا -في أيّ ظرف كان- أن يَحظَوْا هم كذلك بعلْمٍ يفتح لهم بوّابات الأمل والعمل والعيش الكريم.
رسـائـل وفـاءٍ لِـوَفِـيٍّ
أبا فـايز، لا تتّهمني، أيّها الغالي، بأنّي أغالي في تنويهي بك! أوتعرف كم اتّصالاً هاتفيًّا تلقّينا في السادس من أيّار وبُعَيده؟ أتعرف كم رسالة تلقّينا وكم تعليقًا وتعقيبًا قرأنا؟ لم يصدّق أحبّاؤك أنّ دماغًا يختزن كلّ تلك الطاقات العقليّة يمكن لصاحبه أن يرحل. لم يصدّقوا أنّ الفؤاد الذي يختزن كلّ ذاك الدفء الدافق والودّ الصادق يمكن لصاحبه أن يرحل. اسمع بعض ما كان...
بعد أن فارقتَ ببضع ساعات، كنتُ في منزلك مع الأصحاب نتجرّع المُرَّ والذهول. رنَّ جوّالي. على شاشته ظهر اسم خرّيجنا العزيز الدكتور الطبيب سـامـر أحـمـد ذيـاب، ابن الجارة العزيزة مدينة طمرة. كان الخطّ الهاتفيّ في حالة من التشوّش الكامل والغريب. تكلّمتُ، لكنّي لا سمعتُ، ولا أظنّني أسمعتُ. حاولتُ الاتّصال، فلم أُفلِح. بعد يومين، وجدتُ في بريدي الإلكترونيّ رسالةً من العزيز سامر يقول فيها:
"لقد وردَنا خبرُ وفاة أستاذي العزيز العزيز يـوسـف الـحـاجّ وأنا في مطار نيويورك وأنا أتبادل الحديث مع "أبونا إلياس" مؤسّس مدرستنا الكريمة. كريمةٌ بعطائها وكريمةٌ بمعلّميها الذين خطُّوا أسماءهم وشخصيّاتهم في قلوب قلوبنا. الأستاذ يـوسـف الكريم كان مِن أَعزِّهم وأكرمهم. خبر وفاته كان كالصاعقة، وقد كنتُ في طريقي إلى مؤتمر طبّيّ في فيلادلفيا. لولا أستاذنا العظيم وعطاؤه السخيّ لَما كنتُ في هذه الرحلة التعليميّة. عزاؤنا الوحيد أنّه خلّف الكثير من الأولاد والبنات في كلّ قرية ومدينة. رحمك الله يا أبتي العزيز".
وبعد رحيل العزيز بثلاثة أيّام، تلقّيتُ رسالة في بريدي الإلكترونيّ من خرّيجتنا العزيزة هـبـة رشـيـد يـاسـيـن، ابنة عرّابة البطّوف، الطالبة في كلّيّة الطبّ في معهد الهندسة التطبيقيّة في حيفا ("التخنيون")، فيها تقول:
"لا زلت لا أصدّق ما أسمعُ وأقرأ... لا أستطيع التصديق. بكيته كثيرًا... ولا زلت أبكي كلّما تذكّرت تلك اللحظات الرائعة التي عشتها معكم في بيتي السابق- مار إلياس.
التقيت أستاذي الغالي قبل عدّة أشهر، حين جاء لزيارة قريبته في رمبام... كان ذلك في يوم صعب قد مَرَّ عليّ... وكنت متعبة ومتضايقة. ولا أزال أذكر كم سعدتُ عند رؤيته وسماع كلماته المشجِّعة، كلماتٍ من أب لابنته، ومن ثَمّ رجعتُ لأُكْملَ الدراسة في المكتبة بنشاط وأمل جديد.
في قلوبنا هو حيّ وسيبقى كذلك! سيعيش في قلب كلّ طلبته الذين يذكرون كلّ تضحية وكلّ ما قدّمه لنا.
أُحبّكم جميعًا، أساتذتي الكرام. لكم فضل كبير بوجودي هنا ونجاحي. لكم البقاء وطول العمر. أحبّكم، أحبّكم، أحبّكم جدًّا".
وبعد الرحيل بأربعة أيّام، تلقّيت الرسالة التالية من العزيزة سـمـر شـحـادة، ابنة ميعار (طمرة - حاليًّا):
"فُجعت كثيرًا عند سماعي هذا الخبر... أمام هذا الموقف يُعقَد لساني ولا أعرف ماذا أقول! فقد مرّ أمامي شريط ذكريات طويل جميل بريء تَوسَّدَه رسْمُ فقيدنا الغالي الأستاذ يـوسـف بابتسامته الهادئة عندما كان ينظر الى أحد من طلاّبه نظراته المفعمة بالأمل والاعتزاز. ياااااااه أستاذ يـوسـف، كم كنت حنونًا... ودافئًا... ومانحًا للعلم والحياة!
إنّ الملائكة الذين من أمثال أستاذنا لا يموتون. طالما زرعوا في صدورنا حدائق من السلام لهم وجعلوا مساكنهم قلوبنا... إلى الأبد... إلى الأبد"...
ومن خرّيجتنا العزيزة فـوزيّـة عـبـد الله أبـو نـمـر (من مدينة طمرة كذلك؛ وتدرس لنيل الدرجة الجامعيّة الثانية في موضوع علم النفس في جامعة تل أبيب) وصلتني الرسالة التالية عبر الفيسبوك:
"آلمني للغاية ما تردّد مؤخّرًا في وسائل الإعلام وما تناقله خرّيجو المدرسة ممّن لا أزال على تواصل معهم حول وفاة الأستاذ المتفاني يـوسـف حـاج.
كان الخبر مفاجئًا ومريبًا، وكان له الوقع العميق، وتمنّيت لو أستطيع التواجد لأقدّم التعازي للمدرسة، البيت الذي جمعني مع نخبة المدرّسين، ومنح سنوات من عمري ذكريات عذبة، وإن كانت -مع أسفي- أدنى مركّبات التواصل... إلاّ أنّ هذه الذكريات نُسجت متينة في ذهني، في ماضيَّ، وفي حاضري -وبحمد الله- من شأنها أن تُبقي لمدرّسيّ الكرام ولطاقم الإدارة أجمع المكانة والحيّز الكبيرين.
أستاذي العزيز، برغم تقصيري، لا يسعني إلاّ أن أرسل -عبرك- أبلغ التعازي لك ولكافّة الهيئة التدريسيّة بهذا المصاب الجلل... وأسأل الله أن يحفظكم من كلّ مكروه وأن يسبغ عليكم الصحّة والطمأنينة".
مَـعِـيـنٌ ومُـعـيـنٌ
مَعينًا ومُعينًا كنتَ يا أبا فـايز...
كنت مَعينَ علْمٍ لطلبتك المحبّين المحبوبين. كنتَ مُعينًا لهم تعليمًا وتشجيعًا.
لا أنسى ما كتبه خرّيجنا الدكتور الطبيب حمزة الشيخ أحمد. في يوم تشييعك، كتب العزيز حمزة، على صفحات الفيسبوك، يخاطبك بقوله: "لن أنسى دعمك وثقتك اللا متناهية بي والتي عزّزتْ داخلي الشعورَ بالثقة وساهمتْ في بلوغي درجاتٍ أعلى من العلم". ويكتب كذلك: "حتّى في نوبات اليأس أو الملل من الحركة الدائريّة أو التوافقيّة، كنتَ تقف لتشجّعني وتدعمني وتبدّل يـأسي باجتهاد واندفاع نحو موضوع الفيزياء".
هنيئًا لحمزة وسائر زملائه الذين منحتهم الأقدار شرف التعلّم على يديك المباركتين، وهنيئًا لك به وبخرّيجين كثيرين تعلّموا منك الكثير: تعلّموا الفيزياء، وتعلّموا كيف يكون الوفاء. ولا غرابة! ليس من الغرابة أنْ تعلّموا الوفاء ممّن كان وفيًّا لمهنته، وفيًّا لرسالته، وفيًّا لضميره، وفيًّا لشعبه، وفيًّا لمدرسته التي احتضنته مدرِّسًا فحلّق بها عاليًا بإنجازات لا يمكن أن ينكرها إلاّ جاهل أو جاحد أو حاقد.
إحدى الخرّيجات (أتمنّى أن أعرف أو أتذكّر مَن هي) كتبتْ في أحد المواقع الإلكترونيّة، حين رأت صورة أحبّاء الأستاذ يـوسـف طلبة الصفّ الثاني عشر وهم يحملون نعشه على مناكبهم، كتبتْ معلِّقةً بنبل ووفاء وصدق: "حملوك على الأكتاف لأنّك علّمتهم كيف يقفون على أقدامهم". صدقٌ وبساطةٌ كلماتُها. صدقٌ وعمقٌ وحقّ.
وكنتَ مُعِـينًا لزملائك -وأنا منهم-. حملتَ عن زملائك مدرّسي اللغة العربيّة بعضَ الهمّ. في دروس الفيزياء معك، لم ينقطع الطلبة عن العربيّة. ألم تكنْ خلال الشرح تُذكّرهم بعلامات الإعراب -لا سيّما علامات إعراب المثنّى-؟! ألم تحاول مرارًا تذكيرَهم بأنّ اسم "كان" وخبر "أنّ" هما من المرفوعات، وأنّ خبر "كان" واسم "أنّ" هما من المنصوبات؟!
لم تكنْ دروس الفيزياءِ بصحبتك حالة من الانقطاع عن سائر المواضيع الدراسيّة والحياتيّة. بصحبتك، وبصحبة كلّ المخلصين، أَدركَ الأحبّةُ الطلبةُ أنّ المعرفة والثقافة لا تتجزّآن، وأنّ ما نُقِش في الصغَر لا يمحوه كِبَر. بصحبتك وجدوا أنّ لغةَ الضاد واقفة لهم "بالمرصاد"! والراصد أنتَ. بصحبتك أدركوا أنّ العربيّة ليست في عداء مع الفيزياء.
ليتهم يعرفون كذلك أنّ اطّلاعك على الموادّ العلميّة، وعلى التطوّرات العلميّة، لم يدفعك إلى إهمال مطالعة الكتب الأدبيّة! ليتهم يعرفون أنّك قبل نحو عشر سنين قلت لي: "منذ فترة لم أطالع كتبًا في الأدب. أشعر بتقصير في هذا المجال. ماذا لديك من اقتراحات؟". بعد أسابيع قليلة، كنّا نتحدّث أنت وأنا عن "عبد الرحمن منيف"، وعن غيره من مَفاخر الروائيّين العرب. تحدّثتَ عن أدبه بإعجاب. كم سَرَّني أنّ هذا الكاتب المهمّ قد نال استحسانًا فائقًا لديك! ولا أنسى أنّه حين أتينا إلى منـزلك للاطمئنان عليك، حين تعرّضتَ لكسر في رجلك عام ألفين وواحد، وجدناك أنا والطلبة "محاطًا" ببعض الكتب الروائيّة. ولْيعذرْني بعض الإخوة إن ذكّرتُ بأنّ أبا فـايز، القارئ المُطالِع المطَّلِع، لم يكن "فاضي اشغال"! لست أظنّ أنّ زملائي الأعزّاء هم من أهل المبالَغات حين يشيرون أنّ ما كان أبو فـايز يقوم به من عمل (بل من أعمال)، ومن اهتمامات ومَهمّات، قد يعجز عن القيام به اثنان أو ثلاثة من الرجال الجادّين المجتهدين.
مـوعـود لا يَـعِـد
كم حُرم الطلبة الحاليّون والقادمون! ككثيرين سواي، كنت أريد وأتمنّى لابني وابنتي أن ينهلا علْم الفيزياء من مَعينك الثرّ. آه لو تعرف، يا أبا فـايز، كم كان الموعودون بعطاياك التدريسيّة كثيرين!
إحدى الأخوات العزيزات، ممّن درّستَهنّ قبل عَقدين، "أَسَرّتْ" لي (بحسرة كادت تُفْلِت من عينها عَبرةً) أنّها كانت في المرحلة الثانويّة تدرس استعدادًا لامتحانات الفيزياء بمتعة ما بعدها متعة، وأنّ ممّا يزيد إحساسها بالحزن أنّ رحيلك المفجع الموجع المتعجّل قد حرمها أن ترى ابنَها البَكر (ابنَ الثانيةَ عشْرة) من بين طلبة الأستاذ يـوسـف بعد ثلاثة أعوام.
وأمثالُها، يا أبا فايز، أمثالُ هذه الأخت المتمنّية كثيرون. كم من طالب تمنّى أن يتتلمذ على يديك! كم من الأهالي تمنَّوْا أن يتتلمذ أبناؤهم على يديك الشديدتين الحانيتين! كم من طالب حسد نفسه لأنّه تتلمذ على يديك! الحاسدون لأنفسهم كثيرون. الموعودون بك كانوا أكثر. أنت لم تَعِدْ. قلّما كنت تَعِد. أنتَ كنتَ تعمل وتعمل... أنت لم تَعِدْهم. هم وعدوا أنفسهم. الواعدون الموعودون عديدون، والموعود به واحد. يا لَلربح الذي وعدوا أنفسهم به! ويا لَلخسارة! يا لَلتمنّيات كيف تنقلب حسرات ولوعات! ولا عجب في طمع الناس! لا عجب حين يطمع الناس في ثروة بشريّة إنسانيّة هي علْم وعطر وذخر وخير!
حـضـورٌ سـاطـع
لَكأنّكَ ما رحلتَ ولا غبتَ.
يَحْضر المحبّون المعَزّون، فيغدو الغائب أسطعَ حضورًا.
بإخفاقٍ ما زلنا نحاول أن نصدّقَ رحيلَك. كذبةٌ رحيلُك. أصْدقُ كذبة. يا أبا فايز، قد تمرّ أعوام وأعوام إلى أن نصدّق أنّك هناك؛ وقد لا نصدّق. يا أبا فايز، لن نقول إنّنا لن ننساك. لماذا؟! عصيٌّ أنتَ على النسيان. لا نستطيع أن ننسى، ولا نريد أن ننسى. شديدُ الحضور؛ حتّى في غيابك. ذكراك الطيّبة تُشيع في القلب والروح الكثير من الشوق والدمع والابتسام. في قادِم الأيّام والأعوام، سنتحدّث عنك كما الآن. حين يكون الكلام عن أهل الطِّيبة، طِيبًا يصير الكلام.
دفْـع اتّـهـام!
بخيل هو الزمان؟
ربّما. لست أدري تمام الدراية. لكن يمكنني القول، دون تردُّد، إنّ الزمان الذي يجود بوجود أبي فايز وأمثالِهِ من ذوي السخاء والعطاء ليس زمانًا تامَّ البخل.
hajhanna@gmail.com