لِماذا نكتب!؟ *

إيلي مارون خليل قرأها 2,024

لِماذا نكتب!؟ *

      ألكتابةُ ليست مهنتي. ألكتابةُ قضيّتي. ألفارقُ!؟ أن تعيشَ لتكتبَ؛ أو أن تكتبَ لتحيا! بين العيشِ والحياة؟ هُوّةٌ لا تُردَمُ. هُوّةٌ تستمرُّ هُوّةً. ألعيشُ عمليّةٌ بيولوجيّةٌ، مَحْضُ مادّيّةٍ، تكتفي ب »الشّيئانيّةِ" التّقريريّةِ السّرْديّةِ المُباشِرةِ المُسَطَّحة. هذه؟ على هامشِ الوجودِ الحيِّ تبقى كمّيّةً إحصائيّةً تَراكُميّة. والحياةُ؟ عمليّةٌ فكريّةٌ، وِجدانيّةٌ، خَلاّقة: ذاتيّةٌ جَماعيّةٌ، روحيّةٌ مادّيّةٌ، عَموديّةٌ أُفقيّةٌ، قريبةٌ بعيدةٌ، منفعِلةٌ فاعلةٌ، متأثِّرةٌ مؤثِّرةٌ، مستوحيةٌ موحِيةٌ. إنّها كلُّ شيء معًا. بل إنّها، أحيانًا، الشّيءُ ونقيضُه. ألغَوصُ الأبديُّ بحثًا عن... ولا تَوَقُّف.

ألمهنةُ تَقيكَ عَوَزًا مادّيًّا. تقومُ، هيَ، بأوَدِ الجسد. بها أنتَ تُلَبّي متطلَّباتِه. ألقضيّةُ تَقيكَ عَوَزًا فكريًّا. تَقومُ، هيَ، بأوَدِ الفكر. أنتَ، بها، تُلَبّي متطلَّباتِه. كلتاهما مَهَمّةٌ مُهِمّة. ألمهنةُ تُبقيكَ موجودًا. ألقضيّةُ تُبقيكَ حيًّا. لكنّ الوجودَ جمودٌ، والحياةَ ثَباتُ استمراريّةٍ نابضةٍ. وعليكَ أن تختار. كلُّ اختيارٍ تضحيةٌ مؤلمة.

       لماذا أكتبُ!؟ لا أعرفُ. صحيحٌ، إنّي لا أعرفُ. ولا يَهُمُّني أن أعرف. لكنّي، وأنا أتدفّقُ كتابةً، أكتشفُ أنّي أتعلّمُ. كأنّما أنا أكتبُ لأتعلّمَ. من هذا المِنظارِ، الكتابةُ فِعْلُ اكتشافٍ حميمٍ لقُدُراتِ النّفسِ. ألكتابةُ فعلُ تَقَصٍّ. وأنتَ تسيلُ كتابةً، تكونُ، ودونما انتباهٍ، تتقصّى قُدُراتِكَ الذّهنيّةَ، العاطفيّةَ، النّفسيّةَ، الفكريّةَ، الاجتماعيّة، الوِجدانيّة... قُدُراتِكَ كلَّها، معًا، وفي الحين عينِه. تكتشفُ ولا تنتبهُ. تتقصّى ولا تنتبه. تنتهي من كتابتك؟ تَستعيدُ ما كتبتَ، وإذ بكَ تمتلكُك المفاجأة، وتسكنُك: أعرفُ هذا كلَّه!؟ فتنتشي.

       لكنَّ نشوتَكَ السّاميةَ، لن تكونَ نهايةً. إنّها بَدْءٌ جديد. حميمٌ. رغبةٌ تتفجّرُ فيك، عاصفةً، لاهبةً، تُشعِلُك، فتنقذفُ في كتابةٍ جديدةٍ، أو هي تجتاحُكَ، هذي الكتابةُ، بحثًا عن... وليس إلى نهاية. كلُّ نهايةٍ بداية. إلى الأبد.

       وما الأبد؟ ليس للأبد وجود. أنتَ حيٌّ تتجدّدُ. ألتَّجَدُّدُ يكون بلا انتهاء. يكون إلى أن "تتعرّى" من جسدانيّتك، بِتَخَلّيك عن "وجودك الجسديّ"، و"انتقالك" إلى "الجسد الرّوحانيّ"، على قول بولس. وهنا تَجَدُّدٌ مُغايرٌ لا إلى انتهاء. كيف يتمُّ؟ مع كلِّ مُتَلَقٍّ. ألمُتَلَقّي الذّكيُّ يُجَدِّدُكَ حين يقرأُك. قراءتُه لك، كلُّ قراءةٍ، رؤيةٌ جديدة. وتحيا. وتنقلُ، أنتَ، وأنتَ خلفَ "الحدود"، نشوتَكَ إلى قارئك. فالكتابةُ، في شكلٍ من أشكالها، قَهّارةُ الموت. فأنتَ تحيا حياتَينِ كاملتَين، مُتَكاملتَين، مُنسجمتَين، مُتَناغِمتَين، بهما وعَبرَهما، تخدعُ الموت.

       على هذين الأملِ والرّجاءِ، نكتبُ ونرسِمُ ونَنْحَتُ و... وإلاّ، تراءى العمرُ ضبابَ غُبارٍ، وكانتِ السّنواتُ وحْلَ أحلامٍ، وبدتِ الحياةُ كذبةَ الدّهرِ، ولَصَحَّ القولُ: "باطِلُ الأباطيلِ، كلُّ شيءٍ باطل..." وما أظنُّ أنّنا لذلك كُوِّنّا تُحفةَ الخَلْق!

            وطى الجوز 6 نوّار 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·       ألكلمة الّتي ألقاها المؤلِّفُ، مساء السّادس من نوّار، 2011، في ندوة حول كتابه الجديد:"على حافة الكلام" (دار الفكر)، دعت إليها جمعيّة (لقاء الاثنين)/ كسروان/لبنان.