قبلة إلى... ماجدة داغر

ايلي مارون خليل قرأها 882
 

قبلة إلى... ماجدة داغر

ايلي مارون خليل

Elie%20Khalil%20photo[1].JPG    

سلام عليك وعلى "آياتك"* البيِّنات.

       باكورتُكِ هذه جديدة لافتة. فيها من البواكير ألَقُها والأمل، ومن الثّمار نضوجُها والفائدة.

       ألجديد اللافت، لافتٌ – أوّلاً – في العناوين: موحيةٌ على شيء من سِحْر الغموض الّذي يشي بما يُحَسُّ، يكاد يُفْهَم، لكن لا يقال بالكلام. عناوين مجموعتك جميلة، موحية، مكتنزة بالمعاني وأفيائها، كثيفة الصُّور وأبعادها. مثال: "قفير في الجسد المقصول"، "أتسمَّر في مشيئة ظلّك"، "مدّني سريرًا لأحزانك"، "نقطة من وجهك، نغمة من جسدي"... إنّ لفظة (قفير) في العنوان الأوّل توحي إلى النّحل اللايهدأ: جيئةً وذهابا، طنينًا وأزيزا، وامتصاصًا للرّحيق في كلّ حال. فتصوّر، يا هذا، كيف يمكن أن يحدث ذلك في "الجسد المقصول"! ولفظة "أتسمَّر" في العنوان الثّاني، كم توحي إلى آلام جسديّة ومعنويّة.. وأين ؟ في "مشيئة ظلّك" ! فهل للظّلّ مشيئة ؟ ما تكون ؟ كيف تكون ؟ أهو "الظّلّ" ثابت، قادر، فله قدرة ؟ ثمّ: "مدّني سريرًا لأحزانك"! ما هذا "السّرير" الّذي يُمَدّ للأحزان ؟ وكم هي عميقة تلك الأحزان، وتقولين في نهايتها: "أفرِغْني حين تلتمعُ / إملأني فتلك أنخابٌ / وتلك فضّة القمر..." (ص 55) أم هي فضّة العمر ؟ و"نقطة من وجهك، نغمة من جسدي" (70)، أهي نقطة دم، عَرَقٍ، ضوء،  لذّة... تُثير "نغمة" من الجسد وفيه وإليه !! هل النّقطة نغمة، والوجه جسد ؟ ما هذا التوازي المتوازن ؟

والجديد اللافتُ، تاليًا، في المفاجأة المدهشة. تفاجئين قارئك فتدهشينه. يكون اعتاد تعابير ثابتة تستعملين نصفها وتفاجئين بنصف من خلقك جديدًا يثير الإعجاب. فالشّعر إدهاش لا حُسْن تَوَقُّع. "كجسر ماء" (64) ومنها: "أداعبُ صوتَك... أعثر عليّ تحت النّداء.." (65). كيف يكون جسر الماء ؟ مَن يعبر فوقه ؟ وكيف ؟ أم هو العبور في اللجج إلى اللجج ؟ وكيف يداعَبُ الصّوت ؟ أهو مادّة مرئيّة، ملموسة، مشمومة، مُذاقة ؟ فما المداعبة إذًا ؟ وبالتّالي كيف يكون العثور "عليّ" تحت النّداء ؟ أين هو هذا الـ"تحت النّداء" ؟ نداء الجسد ؟ نداء القلب ؟ نداء الفكر، الوِجدان، الأمل، الرّجاء...؟

والجديد اللافتُ، ثالثًا، في كثافة الصّور. فكتابك، كلُّه، من العنوان حتى صفحته الأخيرة، صورة في إثر صورة في إثر صورة. بين تشبيه واستعارة وكناية ورمز... كلّها تمور بالظّلال، بالأشعّة، بالإيحاءات المختلفة الاتّجاهات. غنيّة على جِدّة، عميقة على رؤى، خصبة على تَنَوُّع: "رائحة الأرض تومئ لورودي والأحزان، / تؤذِّن على مقام الزّنبقة البيضاء، / لمَ هذا التّراب كلُّه / وهذه الأذرع ؟ / ألحجر مثلي ممتلئ بالأمطار / والأسرار / فلمَ هذا التُّراب ؟ / (117).

       يا ماجدة !

       إذا كان الشّعر هو "الكلام الموزون المُقَفّى"، فكتابك بعيد كلّيًّا عن الشّعر وعوالمه الموزونة العروضيّة في مداراتها كلِّها... وإذا كان "أعذبُ الشِّعر أكذبُه"، فكتابك، كذلك، بعيد عن عوالم التّكلّف والصّناعة والمبالغة غير المستحبّة. أمّا إذا كان "أعذب الشّعر ما صدق" على قول "أبو" شبكة، وإذا كانت لغة الشّعر هي المجاز، على رأي أرسطو، فكتابُك شعر، وشعر نابض، دافقٌ، بالصّدق، بالوجدان، بالعذوبة، بالسّحر، وبالغموض الإيحائيّ، على لغة الرّمزيّين...

       كتابُك هذا، يا ماجدة، نشيد واحد، بمقاطعَ قصائد عديدة، وقسمَيْن.. نشيد واحد أقول لمعاناة إنسانيّة، وجدانيّة، فكريّة، إجتماعيّة.. وأدبيّة معًا. في هذا قيمة واضحة المعالم.

       إلاّ أنّ القارئ، خصوصًا المتسرّع، سيقف أمام بعض المعاني، بعض التّعابير، وكأنّه لا يفقه معنى ولا يرى صورة ولا يسمع ايقاع نفس موجوعة تنهد إلى الأسمى، ففيه صعوبة، وشيء من غموض وإن كان إيحائيًّا.

       صرختك هذه، وجيعة موجعة، إلاّ أنّها صادقة الصّدق كلَّه، عذبة العذوبة كلّها... وأسلوبك، هنا: هو إيقاع ذاتك متفرِّدة، متمرِّدة.. وفي هذا شِعريّة خصوصيّة مميّزة تمهّد لـ"آيات" تاليات...

* آية الحواس – شعر – طبعة أولى آذار 2009 – دار المفيد – 142 صفحة من الحجم الوسط.