الرواية ديوان العرب

صبحي فحماوي قرأها 4
  

الراوية هو الجمل، لأنه يحمل الماء للري (وراوية الشعر) يروي الناسبالشعر، وزعموا أنهم اشتقوا الرواية للشعر من ذلك، حسب رأي الجاحظ (البخلاء). وفيلسان العرب، (روى) تأتي في باب جريان الماء، والرواية تشبه جريان الماء في النهر،هادئة في الأرض المنبسطة، وعنيفة في المنحدرات، رواية بلا ضفاف، تعج بالأسماك، ومختلف الكائنات المائية.

ومِن فعْل "روى" يأتي التروِّي والتمهل في التفكيروالمتابعة.

والقاص من قص يقص، والقاص هو من يقتفي أثراً لكائن أو شخصية ما، لهامعالم في المكان، ويتبع أثرها، وكل ما يجسدها على أرض الواقع، أوفي المخيلة، وأما الراوي أو الراوية، نقول رجل راوية، فهو العليم بكل مجريات الأحداث المتعلقة بالرواية، أو هو مخيلة الروائي، ذلك لأن المؤلف لا يستطيع أن يقنعنا بأنه كان يشاهدبنفسه كل تلك الأحداث التي تتم في الرواية داخل الغرف، وفي العتمة وخلف القضبان وفيالجو والبحر والبر، والذي يستطيع أن يدخل داخل نفسيات شخصية الرواية، ويسبر أغوارها، فسوف نقول له عندها: وكيف دخلت إلى تلك الأماكن الممنوعة، ونقلت لنا ماجرى هناك؟ وهنا يأتي ما يسمى بالراوي أو السارد، والذي هو مخفي، والمخفي أعظم، وهو عليم بكل مافي الرواية من تفاصيل دقيقة... وقد يكون الراوي هو أحد شخصيات الرواية، فيعترف لنا بما يسمى سيرته الذاتية، مع ما يرافقها من سيرة الأشخاص الآخرينالفاعلين في الرواية، وقد يكون الرواة كثيرون داخل الرواية، فكل شخصية هامة أوفرعية في الرواية تسرد ما جرى معها ومع الآخرين الذين لها علاقة معهم.‏

وفيبدايات القرن العشرين كان يقال للمسرحية (رواية) فكنا نقرأ روايات شكسبير، وبعد أنضعف جمهور الشعر بسبب الحداثة المفرطة، والمسرح أبو الفنون، الذي وصلنا ضعيفاً بسببسيطرة التلفزيون، نزل الشعر والمسرح من عليائهما، وتفوقت عليهما القصة الطويلة التي أخذت اسم الرواية فيما بعد، فزُيِّنتْ لمحمد حسين هيكل، أول رواية عربية، كان اسمها (قصة)، حيث كتب مؤلفها في مقدمتها مايلي: نُشرتْ هذه (القصة) للمرة الأولى في سنة 1914 (يبدو أن الراوي هو الأكثر نجومية، والرواية هي الأكثر شعبية أو تداولاً) وأصبحت الرواية أكثر حضوراً بين أيدي القراء، الباحثين عن الفردية والانعزالية فيعصر العولمة، الذي يسعى لتفتيت المجتمع، وتعزيز السلوك الفردي بكل أبعاده ومعطياته، وقراءة الرواية سلوك فردي، يتماشى مع معطيات العصر، حيث السيارة المفردة بدلالقطار، والخلوي المفرد بدل الحوار المباشر مع الناس، والرواية المفردة بيد القارئالمفرد بدل جمهور المسرح. ولهذا انتشرت الرواية وتفوقت على إخوتها من سائر الفنون. وبعد أن حطم الشعراء بيت الشعر العربي، بفعل الحداثة المفرطة، تحول كثير من الشعراءبعد الديوان السابع أو الثامن ليخطبوا الرواية، ويكتبوا كتابها، ويطلِّقوا الشعر! فازداد التأليف الروائي العربي في السنوات الأربعين الأخيرة بتسارع صارت معهالرواية ديوان العرب.‏

والرواية فن ممتع ومدهش ومُشغل ومعذِّب كالهوى، وذلك للكاتب والقارئ معاً، ذلك لأن الكاتب يستمتع بتخيل الشخصيات وخلقها أو إبداعها، ويتلذذ وهي تنمو وتتطور بين يديه، والعمل الروائي بحاجة للإنضاج، تماماً كالعسل في خلايا النحل، الذي يبدأ محلولاً سكرياً مع حبوب لقاح في عيون أقراص النحل، فتقف النحلة فوق عين العسل، تمتص السائل السكري إلى فمها، ثم تسكبه مرة أخرى داخل وعاء الخلية، ثم تمتصه وتسكبه مرات كثيرة، حتى ينضج ويتحول إلى عسل.‏

تبدأالرواية في ذهن الروائي مجرد أفكار، ثم تنمو من داخلها شخصيات، وتبدأ هناك علاقاتبين هذه الشخصيات، تتشابك ثم تتعقد ثم يأتي الحل، وقد يكون الحل أن لا حل سوى ترك الأمور للقارئ ليتخيل الحل الأمثل.‏

فأثناء التأليف أو الكتابة، يحمل الروائي شخصيات روايته في ذهنه أومخيلته، تماماً كما تحمل المرأة جنينها في بطنها، فينضج على مهل. وكما يحتاج الجنينإلى تسعة شهور لينضج داخل رحم المرأة، فإن الرواية تحتاج إلى ما لا يقل عن تسعةشهور لتنضج، فيستطيع الروائي بعدها أن يتباهى بأولاده وبناته الذين أبدعهم، فصاروا يمشون على الأرض، ويفرح عندما يتحدث عنهم القراء، ويستغيبونهم بالإشادة أو بالسخرية أو بالإساءة، إنه يشعر عندها أن شخصياته استطاعت أن تعيش، وأن تفعل الخير أو الشرالمكتوب لها، فيحبها أو يكرهها الناس، فتصير موجودة، ومؤثرة بالجمهور، التأثير الذيأراده.وبذلك يكون قد أوصل الرسالة.

والروائي يكتب الرواية ثم يعيدها، ويكرر إعادة كتابتها تماماًكالنحل. كان معلم العربي يطلب منا أن ننسخ الدرس خمس مرات، لنحسن خطنا-لم يكن أيامنا كمبيوتر خطه كما تشاؤون-والروائي ينسخ الرواية عدة مرات، وبعضنا صار يطبعها مباشرة ويصلحها على الكمبيوتر-يقولون إن شكسبير لم يكن يعيد كتابة الرواية المسرحية أبداً لشدة عبقريته!- وأما أنا العبد لله فأعيد وأحذف وأزيد، حتى تنضج شخصياتوأحداث الرواية، فتنزل الشخصيات من مخيلتي، تماماً كما تلد الأم وليدها فيدب علىالأرض، وتبدأ الشخصيات تمارس الحياة، فتحب وتكره وتعمل وتقاتل وتنتصر أو تنهزم،وتكشف لنا عن مكنونات حيواتية لم نكن نعرفها، تعلمنا وتؤثر فينا، فنبدأ نشعربجمالياتها أو قبحها أو لؤمها أو ذلها أو كبريائها، فنحبها أو نكرهها، ونبدأ بالحديث عنها فنستغيبها، بدل أن نستغيب جارتنا أو زميلنا، نصير نستغيب شخصية شهريارأو شخصية شهرزاد، تصير الشخصية التي خلقها المؤلف، حية تسعى! وفي هذا وحده متعة. وتماماً كما تستمتع الأم بمداعبة طفلها، وخلع ملابسه وتحميمه وتنشيف جسده، وتلبيسه ملابس نظيفة، وهدهدته وهي تغني له حتى ينام، هكذا أتابع خدمة شخصياتي الروائية،واللعب بها، حتى تنمو وتصير حية تسعى في الطرقات، وداخل السراديب الخفية، وتحت أشعة الشمس. وأنا مستمتع بالسيطرة على شخصياتي المتنامية المتحركة، وتوجيهها بالموجه الآلي (الريموت كونترول) لتصل إلى أهدافها التي أريد، وأفرح عندما يبدأ القراء والنقاد الحديث عنها، وكأنها شخصيات حقيقية، ولا عجب أن يكون ما كتب عن شخصيةشهرزاد أو شهريار، أكثر بكثير مما كتب عن أي خليفة أموي أو عباسي، وهذا يؤكد مدىحيوية شخصيات الرواية أو القصة الجيدة، ومدى تأثيرها على الناس. وأيضاً أنفعلمنزعجاً ومتعذِّباً بسبب عدم قدرتي أحياناً على السيطرة على إحدى شخصياتي أو سبر أغوارها، أو ضعف قدرتي على إعطائها المؤهلات والمواصفات المناسبة، لتستطيع الحركةوالمواجهة والإقناع وتحمل مسؤولية دورها، والنضوج والبقاء ثم الفناء.‏

ويقول الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا في روايته (السأم): "سئم الله يوماً فخلق الأرض". وأنا أقول: - "إن الروائي يشعر بالسأم، فيخلق رواية!". إنها لعبة ممتعة متعبة، مفيدةمؤرخة مبتكرة، تبرز تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات بإمكانية الإبداع الأفضل. والقارئ من جهة أخرى، يستمتع بالرواية التي تدخله حواري وأزقة ما كان ليدخلها لولابطاقة المرور الروائية، التي تسمح له بدخول غرف النوم، وشواطئ الاستجمام السياحية، وغرف التعذيب، ومنابت الزهور، فيشاهد الحراس والمقاتلين الشجعان، والجواسيس الأنذال، والجميلات النائمات، والمحصنات الغافلات، يدخلها بدون استئذان، وبدون أنيلبس ملابسه الرسمية! بمنتهى الراحة يزور تلك الأماكن، ويشاهد تلك الشخصيات،ويستمتع بها، أو يتعذب معها إذا لم يحالفها الحظ مثلاً في الحب، تجد أن القارئةتبكي مع الشخصية الروائية، لأنها فقدت الاتصال بالحبيب، ولم تحقق أهدافها معه، أوإذا فشل مقاتل في معركته العادلة، تجد القارئ الوطني يتألم قائلاً: آه لو أنه وصلإلى الهدف، أو التاجر الذي خسر، تجد القارئ ذا الميول التجارية يتألم قائلاً: آه لو أنه حقق الربح! وإذا كان فقيراً معدماً فهو يحقد ويتمنى للتاجر الفشل في السيطرة على السوق، وهكذا يلهث القارئ وراء شخصيات الرواية للحاق بها! والقراءة متعة لاشبيه لها، فهي التي تجعل القارئة تشارك في تصميم ديكورات المكان، وتقوم بتصميم ملابس البطل، وكافة الشخصيات في الرواية، وتشارك الروائي في خلق المؤثرات الصوتيةوالضوئية وشكل الشواطئ والسراديب المعتمة. القارئ هنا يقوم بدور المخرج للروائي، القارئ شريك للروائي في عمله الأدبي، التلفزيون لا يلتفت أو يأخذ بعين الاعتبار ذكاء وميول المشاهد الفنية، إنه يقول له: - "لا تتدخل في عملي الفني، فأنا أقدم لكالصوت والصورة والديكورات والملابس والإضاءة والموضوع، وكل شيء جاهزاً. مَلَكْشِ دَعْوة! أنت تستقبل فنوني فقط، تستقبل ولا ترسل!" ولكن الروائي يحترم القارئ، ويدعوهللمشاركة معه في الإخراج الفني للرواية كما يتخيلها! وهنا يكمن تفوق متعة قراءةالرواية، عن مشاهدة المسرحية أو الفيلم أو النحت، أو ما إلى غير ذلك من الفنون. ويستطيع القارئ أن يقرأ الرواية بدون تحمل مشاق لبس الملابس الرسمية، وركوب المواصلات والذهاب إلى المسرح أو السينما! تستطيع القارئة أن تقرأها وهي مضطجعة علىسريرها، داخل غرفة نومها، وأن تقرأ وهي في الباص أو في رحلة، أو على شاطئ البحر، بينما أنت لا تستطيع إحضار تلفزيون إلى رحلة ميدانية، وتستطيع وأنت مكانك، أن تسافر داخل الرواية إلى مجتمع مدهش غريب عجيب ممتع مذهل، تستطيع أن تتخيل، فتشغيل المخيلةوحده رياضة للذهن، وتنشيط للعقل وإمتاع له، بينما التلفزيون يقتل تشغيل مخيلة الإبداع عند المشاهد. والرواية ليست بالضرورة أن تكون كتاباً ورقياً بل أصبحت ممكنةالقراءة على صفحات الإنترنت يأخذها القارئ على كمبيوتره النقال إلى الرحلةالميدانية، ومن يبحث عن الاقتصاد حتى الآن، يأخذها كتاباً ورقياً يقرأها حتى فيالحمام.‏

والرواية ليست مأخوذة عن الغرب كما يدعي الكثيرون، بل إن الغرب هو الذي استفاد من التجربة العربية في الرواية أساساً من ألف ليلة وليلة وما كتبهالجاحظ وأبو فرج الأصفهاني، وعبد الله بن المقفع، وغيرهم ممن تاهت كتبهم تحت سنابكخيول الغزاة الحاقدين على ثقافتنا العربية العريقة! وننقل هنا مما قاله الأديب الروائي الشاعر الألماني، جونتر جراس، أثناء زيارته لليمن في نهاية كانون الثاني 2004 حسب ما نقلته مجلة أخبار الأدب المصرية:‏

"لكم أتمنى كتابة رواية أخرى بنفس الطريقة، طريقة يمكن أن نسميها شرقية، أدركناها أول مرة عندما ظهرت تأثيرات الفنون العربية –الأرابسك- في أوربا، حيث يجسد بطل الرواية خصائصها، في هذه الرواية الأولى أرى صوراً معينة دخل فيها الشعر إلى الرواية، بدونأن يقطع السرد النثري، لحن مختلف، لكنه لم يؤثر على الرواية،............"

وهذايؤكد أثر الرواية العربية على الأدب الغربي، ونحن نؤكد تأثر الرواية العربيةبالرواية الغربية، والتعلم منها، ولكن تبقى جذور الرواية عربية يبنى عليها، ويؤثرفيها، ويتلاقح معها ما يأتي من الشرق والغرب.‏

والروائي من مدرسة الواقعية الحديثة يرفض صور الضياع التي ترسمها روايات الحداثة المفرطة، التي تقطع الجُمل، وتبعثرها ثم تجمعها كيفما اتجه، فتصير مثل كومة من مستودع بقايا للأشياء التالفة، التي نشاهدها على طريق المنطقة الصناعية، قطعاً خشبية مع عربات حديدية صدئة مخلّعة، مع لعبة بلاستيكية بلا رأس، معآلة سيارة خربة، مع زير ماء للشرب، مع طائرة وقعت في الحرب العالمية التاسعة، مع شاشة كمبيوتر يخرج من داخلها ديك يسير في شارع الضباب وهو يتحدث مع سمكة تسبح علىالرصيف... تتجمع هذه الأشياء وتنحشر، متمردة خارجة عن مواصفات البيئة، ومسببةالتلوث للآداب والفنون كلها، حسب رأيي المتواضع، فالأدب رسالة توجه من الكاتبللقارئ، وكان معلم اللغة العربية يقول لنا: إذا كتبت رسالة ذات خط غير مقروء، فكأنكتقول للقارئ: ((تقرا وإلا، إن شاء الله ما قرأت!)) والأدب المفرط في الحداثة، فيهكثير من هذه المقولة. وأنا أؤيد الحداثة في الأدب الواقعي الحديث، فالشعر الجاهليفي زمنه كان حداثياً، وشعراء العصر العباسي كانوا حداثيين، والموشحات الأندلسية كانت حداثية، وما كتبه جمال الغيطاني بعد نجيب محفوظ كان حداثياً، ولكنه الحداثة الملتزمة بقضايا المجتمع، ونحن العرب مجتمع يختلف عن الغرب الذين لديهم فراغ، نحن عندنا قضايا مريرة من المعاناة والفقر والجهل والمرض والبطالة، والخضوع لإرهاب رأسالمال العولمي، وعلينا أن نكون واقعيين حداثيين في كتاباتنا. والأديب أو الروائي لنيكون جماهيرياً ومفيداً وذا قيمة، إلا إذا كتب وصوّر هموم وقضايا شعبه، فنحن لانستطيع أن نكتب عن شخصيات تعيش تخيلات وهلوسات وأوهام ضبابية، ونحن يومياً نتلقفالصواريخ والقنابل (الإسرا –أمريكية) من الطائرات الحديثة التي يجربونها بأرواحنا،فتنفجر بين أيدينا من فلسطين إلى العراق، إلى حيث ألقت....‏

الأسبوع الأدبي