مع دراسة الباحث الاكاديمي الدكتور صلاح محاجنة:(مطلق عبد الخالق شاعر أغفله التاريخ)
%5B1%5D(32).jpg)
صدر مؤخراً عن دار الهدى للطباعة والنشر وقسم اللغة العربية وآدابها في كلية القاسمي في باقة الغربية، كتاب (مطلق عبد الخالق شاعر فلسطيني أغفله التاريخ) للباحث الأكاديمي الدكتور صلاح محاجنة، ابن قرية مصمص، والمحاضر في كلية القاسمي ـ قسم اللغة الانجليزية، ومفتش اللغة الانجليزية سابقاً. والكتاب عبارة عن دراسة أكاديمية تعتمد النهج العلمي حول الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق، المولود في الناصرة، والذي عاش 27 ربيعاً، ومات في حادث سير بين مركبة وقطار في حيفا، وقال عنه الأديب والقصصي الفلسطيني محمود سيف الدين الايراني: "شعره وأدبه صورة صادقة وأمينة لحياته، وحياته صورة صادقة لشعره".
يقع الكتاب في 144 صفحة من الحجم الكبير، وبغلاف (هارد) سميك ومميز، ويتزامن صدوره مع الذكرى المئوية لميلاد هذا الشاعر.
وعن أسباب اختياره الشاعر النصراوي الفلسطيني مطلق عبد الخالق، يوضح د. محاجنة ذلك في مقدمة الكتاب قائلاً " بأنه جاء ضمن اهتمامه بالأدب العربي الحديث، ومن منطلقات متباينة " يحددها بما يلي:
· تجاهل هذا الشاعر الموهوب من قبل النقاد والباحثين، حيث لم تكتب عنه أي دراسة شاملة ووافية، إلا شذرات مختلفة. وهذا التجاهل بلا قصد إنما لأنه لم يجد راعياً يسوق وينشر كتاباته الشعرية والنثرية.
· قناعات كاتب الدراسة ومعدها، وإيمانه الراسخ بالأدب الملتزم، وهو الأدب الذي اهتم به مطلق إلى جانب مجايليه من الشعراء الفلسطينيين مثل ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، الذين دافعوا عن قضية شعبهم والقضايا الانسانية، ولأجل الحرية والكرامة والاستقلال.
· كون مطلق عبد الخالق عاش في أسرة ميسورة الحال وعائلة ثرية عريقة، لم يثنه ذلك عن الانغماس في قضايا شعبه وهمومه، والانخراط في المقاومة والكفاح الشعبي والتصدي للمستعمر.
ويشير د. محاجنة في مقدمة الكتاب أنه حاول جاهداً معرفة بواعث التجاهل والاغفال للشاعر مطلق عبد الخالق، الذي تمتع بالشهرة، ونظم الشعر في معظم الأغراض الوطنية والسياسية والغزلية والوجدانية والرثائية، فلم يجد مصدراً موثوقاً يتكئ عليه، وانما اعتمد في كتابة هذه الدراسة ـ كما يقول ـ من خلال اطلاعه على إنتاجه والتقائه باقربائه في الناصرة، والتحدث إلى أدباء مختصين عن تلك الحقبة التي عاش فيها. ويبين أنه توصل لحقائق عدة يلخصها بما يلي:
· كان مطلق عبد الخالق شاعراً موهوباً من غير شك، ولو لم تختطفه يد المنون، لأضاف شيئاً من الأصالة للشعر الفلسطيني، ولأحدث تغييراً جوهرياً في شكل ومضمون القصيدة الفلسطينية، غير أن الشعراء الآخرين لم يتأثروا بشعره، وذلك من ناحية الكم وليس الكيف.
· بسبب طغيان الطابع السياسي على الشعر الفلسطيني في ذلك الحين، أكثر الشعراء من كتابة الشعر السياسي والوطني، لدقة الموقف وحساسية المرحلة، التي كان يمر بها الشعراء الفلسطينيون، الذين مضوا يكتبون ضمن تراث الواقعية الذي استنه الشاعر ابراهيم طوقان.
ويقول المؤلف د. صلاح محاجنة في خاتمة تقديمه للكتاب: "لقد قررت تناول هذا الشاعر بالبحث والدراسة والتنقيب، اعتماداً على ما كتبه عنه الآخرون، لأخرج بكتاب متواضع، عن هذا الشاعر، الذي أغفله أهل الاختصاص، وأقدم للقارئ العربي مادة تفيده في الاطلاع والدراسة عن هذا الشاعر، والفترة الزمنية التي عاش فيها.
ويضيف قائلاً: "لا أدّعي أنني أحطت بكل جوانب حياته وشعره ونثره إحاطة عميقة وشاملة، بل بقي الكثير بحاجة إلى الدراسة من الباحثين، وإبراز هذا الشاعر بكل قدراته وطاقاته، وحاولت قدر الإمكان الالتزام بالموضوعية والشمول والتماسك لا سيما وإنني نهجت في بحثي هذا المنهجية العلمية".
يشتمل الكتاب على مقدمة، وتمهيد عن نهضة الشعر في فلسطين في العقود الثاني والثالث والرابع من القرن العشرين، بالإضافة إلى خمسة فصول ومحاور. وفي الفصل الأول يقدم سيرة حياة الشاعر، مولده، ونشأته، ودراسته، وحياته العملية في حيفا، وعلاقاته الاجتماعية، وشاعريته، وشعره ورسالته الأدبية، وقصة وفاته، والحفل التأبيني الذي أقامه الحزب الشيوعي في المركز الثقافي البلدي في الناصرة بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاته عام 1987، بمبادرة المناضل والشاعر الراحل توفيق زياد.
والفصل الثاني يتطرق إلى البعد الوطني في شعر مطلق عبد الخالق، ويتناول أغراضه الشعرية، والأجواء النفسية والبيئة الاجتماعية التي ترعرع وعاش فيها .
أما الفصل الثالث فيعرض لمؤلفاته ومجمعيه الشعريين (الرحيل) الذي يحتوي على 73 قصيدة غير مؤرخة وأناشيد وطنية وقصائد وجدانية وغزلية ملأى بالصوفية والتأملات النفسية، و(ضجعة الموت) وهي ملحمة شعرية وديوان مشترك مع الدكتور داهش بك، كان قد صدر بعد رحيله بعام، وفيه مجموعة من التأملات والخواطر النفسية. كما يتطرق في هذا الفصل إلى كتابات مطلق النثرية وصوره القلمية، التي نشرت في الصحف والمجلات وأبرزها (خواطر وآلام) وهي مجموعة مقالات أدبية وتأملات وجدانية ونفسية عن معاناة وعذاب الشعب الفلسطيني في الخيام.
وفي الفصل الرابع يتناول الشكل والاسلوب في شعره، ويتحدث عن اللغة الشعرية والموسيقى الشعرية عند مطلق، مبيناً أنّ شعره اتّسم بالوضوح والمباشرة إلى جانب رقة الموضوع ورشاقة الكلمة ورصانة النظم مما جعله يلهب السامعين.
أما الفصل الأخير فيحتوي على ملحق الكلمات التأبينية والرثائية التي قيلت في الشاعر، من شعراء ورجال سياسة وأصدقاء وجمعيات خيرية ومنظمات أهلية وشخصيات اجتماعية وصحف. كذلك يضم قصيدة "تحية الشهداء" التي كتبها الشاعر.
وفي نهاية الدراسة يقرر الباحث د. صلاح محاجنة الحقائق الآتية:
*أنّ دراسته للاتجاهات الوطنية والقومية، وما يتصل بها من جوانب اجتماعية وانسانية وفنية، كشفت بعض الأبعاد المهمة التي لم يحظ بعضها باهتمام الدارسين من قبل ولم يتضح بعضها الآخر كما أوضحه في بحثه هذا.
* أنّ هذا البحث يتسم باهمية خاصة في هذه الظروف بالذات لأنه جاء بحثاً أدبياً شاملاً عن شاعر عاصر الفترة وضحى من أجلها بقلمه ونفسه.
*أنّ الشعر الوطني يشكل مدرسة في الوطنية والفداء والتضحية، حيث انبرى الشعراء أمثال مطلق عبد الخالق ورفاقه للذود عن الجماهير والوطن، وتمرسوا مع المواطنين في الفداء والتضحية.
*أنّ شعر مطلق عبد الخالق يعد شعراً مقاوماً ومقاتلاً، ذلك أن الشعر المقاوم هو الذي يولد في أرض المعركة، وهو يفعل فعل الرصاصة، فينبه الجماهير إلى المؤامرات والمخاطر ويدعو إلى التصدي لها، ويستنهض الهمم.
*بينت الدراسة بصورة جلية وواضحة التزام شعراء فلسطين بقضايا وطنهم العربي عامة، وفلسطين خاصة، وأكدت على الدور الكبير للشعراء الفلسطينيين في المعركة باعتبار شعرهم شعر ملتزم بقضايا الوطن والجماهير.
*اعتنى مطلق عبد الخالق في شعره بالمضمون أكثر من الشكل، واستخدم الألفاظ السهلة الموحية المعبرة في مخاطبة الجماهير.
*استخدم مطلق عبد الخالق أشكالاً مختلفة من التعبير المتخيل في نقل أفكاره، وطغى النمط الكلاسيكي على نصوصه.
بعد هذه الجولة في صفحات الكتاب، يمكننا القول أنه كتاب مميز في فصوله ومحاوره، ويستحق القراءة لأنه وفاء جميل لواحد من شعرائنا الفلسطينيين، أغمط حقه، ولم يلتفت اليه إلا القليل، رغم أنه ساهم مساهمة جليلة في الحياة والنهضة الثقافية والاجتماعية والسياسية الفلسطينية، وجنّد فكره وقلمه وكل طاقاته الفكرية لخدمة قضية شعبه. وكل التحية والتقدير لمؤلف الكتاب الذي لم يخف اهتمامه بالبحث في التراث العربي، وعشقه للأدب العربي ولغة الضاد، بالرغم من كونه مدرساً ومحاضراً وأستاذاً للغة الانجليزية، مع التمنيات له بدوام البحث والدراسة الهادفة والعميقة، وإلى الامام.