غريبٌ يدخل بيتنا

نبيل عودة قرأها 4
  

ظهر في حارتنا فجأة. من الصعب تحديد دقيق لوقت ظهوره، جاء أمس؟ جاء أول أمس؟ تجمّعتْ شهادات مختلفة، بعضها ذهب للإصرار على انه مضى على ظهوره في حارتنا أسبوع بالتمام والكمال، وربطوا بين ظهوره وبين بداية بث التلفزيون لتمثيلية قصة حياة أم كلثوم. آخرون قالوا ان هذه تخيلات، فظهوره محصور بالأربع والعشرين ساعة الاخيرة. فحارتنا صغيرة، وبيوتها قريبة من بعضها البعض، بالأبنية وبالعلاقات، وانه لا يجوز ان يكون جميع أهل الحارة قد أغفلوا ظهوره لهذا الوقت الطويل، الذي يكاد يتجاوز الأسبوع بكامله، وهذا التحليل فيه منطق، كما يعتقد أغلبية أهل الحارة.

هذا النقاش أشغلنا ليلة كاملة، وبعدها لم نعد إليه، صار خلفنا، وصارت حقيقة ظهوره هي الأهم. وباتت معرفة تفاصيل عنه في رأس سلم الأولويات.

ظننْتُه كما ظن ذلك أهل الحارة ضيفاً عابراً عند أحد الجيران.. وبعد ان طالت ضيافته بدأنا نبادله تحيات أطول، ونحاول في جلساتنا ان نقارن انطباعاتنا ومعلوماتنا عنه، ونستفسر عنه أصحاب الحوانيت في حارتنا، علّهم يوسعون معلوماتنا عنه وعن شؤونه ومن يكون وما علاقته بالمضيفين؟

أيجوز انه ضيف ثقيل الى هذا الحد؟ او يكون أحد أبناء حارتنا الذين غادروا قبل سنين؟! كبار السن من اهل حارتنا لم يتذكروا وجود شبيه له او ما يمت اليه بصلة، سلسلوا المرحومين والمسافرين للخارج والمنتقلين لأحياء أخرى، واستصعبوا الوصول الى من يشبهه شكلاً وجيلاً. حتى أم إبراهيم، ذاكرة الحارة وسجل أيامها ومولِّدة نصف إناثها وذكورها، أعلنت بعجز وأسى خلوَّ سجلها من كل ما يمكن ان يربط الضيف الجديد بحارتنا.

وربما هو ليس مجرد ضيف!! يبدو انه ساكن جديد عند جيران مختلفين بعض الشيء عنا، يحافظون على مسافة من كل اهل الحارة، رغم بشاشة وجوههم وحسن سيرتهم. الله يخلق الناس مختلفين مثل أصابع اليد ولا اعتراض على أمره. هذا أكيد ..!

وبدأتْ تُحاك الخطط لكشف ماخفي من أمر الضيف/الساكن على غفلة من أهل الحارة، غير ان ما صعب وعقد الخطط، كون الجيران "انعزاليين" حسب تعبير بقّال الحارة وقارئ الصحف الوحيد فيها، والذي يتحف جلساتنا بتعابيره الغريبة والمسلية التي يحفظها عن الصحف، ويدبها بمناسبة وغير مناسبة، ولولا وجود أولئك الجيران لما فهم أهل الحارة المعنى الدقيق لكلمة "انعزاليين" البعض توجّسوا أن يكون استعمال هذا التعبير يوازي الكفر، فاستغفروا ربهم وطلبوا رحمته.

اما الصعوبة الثانية في كشف المعلومات الموثوقة فكون هؤلاء الجيران بحركة دائمة. الزوج يعود مرة في الاسبوع. وبالكاد تراه أبراج المراقبة، رغم ان كل التحركات ترصد وتبلغ لمجالس السهرة بتفصيلاتها الدقيقة، وحتى نلتزم الدقة، هناك إضافات لا بد منها لجعل السهرات "رومانتيكية" كما يقول البقّال.. وقد فهم اهل الحارة ان "الرومانتيكية" هي المبالغة..

غير ان البقال عجز عن إعطاء التفسير الواضح، فطلبوا اليه حفظ سخافات الصحف في تجاويف دماغه.. والصعوبة الاخرى ان الزوجة تعمل بالتعليم وتتعلّم مساء وهي دائمة الانشغال او "تعمل حالها مشغولة" كما تقول ام ابراهيم. وهي لذلك تعتذر عن الاشتراك بقعدات القهوة وفتح البخت ومعرفة المخفي، الذي لا يخفى على أم رياض، وأم رياض طَعنتْ في السن وبدأت تخربط بين أسماء أحفادها، ويقال ايضاً بين أسماء أبنائها، لكن المستقبل لا يخفى عنها وتورده كما في نشرات الأخبار، مفصلاً ومطولاً، ومليئاً بالتعليقات والتحليلات والتوقعات، والامكانيات المطروحة، وهي تؤمن ان الانسان ليس مسيَّراً تماماً لكنه ليس مخيراً بشكل مطلق، وانه يقدر في حالات ما، ان يتوكل على عقله ويغير بعض الامور، لكنه لن يغير المصائر. والحاجّة أم سليمان وافقت أم رياض بالكامل لكنها لا تدري اين سمعت هذا القول "اعقل وتوكل" فهي متأكدة انه مكتوب في الكتب.

وما يميز أم رياض كفتاحة بخت هو نصائحها التي لا بد منها لمواجهة كل طارئ تكتشفه داخل فنجان القهوة. وكثيراً ما أنقذتْ (برؤيتها الثاقبة للطالع المثبت في فنجان القهوة) أبناء الحي من غدر عزرائيل او من مصائب أقل قسوة، وهذا مؤكد على ذمَّة نساء الحارة مجتمعات ومنفردات، ويقلن ان أم رياض كانت تنذر صاحبة البخت بما هو معلوم وواضح في قعر الفنجان او على حوافه، وكيفية الاستعداد الكامل للطارئ القادم، وأحياناً تعطي إشارات لا بدَّ من تذكرها والانتباه لها، وانه لا بد من الاستعانة عندها بالحاجة أم سليمان لتبخير المنزل وتلاوة الآيات الكريمة ورشّ الملح خارج البيت، اذ يقال ان الأرواح الشريرة لا تحب طعم الملح وترتعب من تلاوة القرآن، ومن ثم، اذا كان الطارىء مرضاً، يجب الانتقال للطبيب، ليواصل ما بدأتْه الحاجة من علاج وطرد للأرواح الشريرة، مما يمهد الطريق للعلاج.

توصلت النساء الى ضرورة (أخذ أسرارهم من صغارهم) اي من اولاد الانعزاليين الذين يشاركون اولاد الحارة بعض العابهم قبل استدعائهم بلهجة آمرة للعودة الى البيت. لكن الاولاد مقلون بالكلام، نسخة من أهلهم. حثت النساء أولادهن على استقاء المعلومات عن الضيف الغريب من أبناء الانعزاليين.. غير ان الاولاد لا يقلقهم ما يقلق ذويهم وينسون ما يوكل إليهم من مهام حينما تسخن اللعبة.

اشتدت الحيرة بالحارة، وحتى لا نغفل أمر ما يجري لا بد من ان نسجل ان محاولات بعض النسوة لاستدراج أولاد العائلة الانعزالية في الحديث لم توفق، وفشلت فشلاً ذريعاً، وكاد يصل حد الفضيحة، اذ انتبهت الام ومنعت اولادها من النزول للعب.

اتهم الرجال نساءهم بأنهن قليلات خبرة في مجال التحرّي والتحقيق. بل واحتدَّ احد الرجال واتهمهن بأنهن قليلات عقل. وذكر رجل آخر آية قرآنية كما قال، تؤكد صحة قلة عقل النساء. احدى الزوجات تحدَّتْ زوجَها غاضبة ان يجلس حضرته ويجري التحريات وعمليات الرصد وجمع المعلومات بدلاً منهن، بدلاً من التلفظ بالتُّهم الجائرة والإهانات. صاح رجلها بغضب، ان الجواسيس كانوا دائماً من الرجال، وتحدَّى ان تذكر امراةٌ اسمَ جاسوسة؟! ودعم كلامه بأسماء معروفة، مثل رأفت الهجان، الذي شاهدوا حلقات المسلسل عنه في الصيف الماضي، وأضاف آخر حتى جواسيس أعدائنا كانوا من الرجال. هل سمعتم باسم إيلي كوهين وما فعله بالسوريين؟! وقال آخر، انه حتى في أمريكا، أم المساواة، الجواسيس من الرجال، فهذا بولارد.. يتجسَّس لاسرائيل، وصاح شاب متحمس انه حتى الجاسوس جيمس بوند كان رجلاً وان النساء كنَّ لمتعته فقط. فنزل الصمت على رؤوس الرجال، فهم لم يسمعوا بهذا الجاسوس، ولا يريدون ان يُظهروا جهلهم أمام نسائهم، ثم ان قصة تمتعه بالنساء كانت ثقيلة وغير لائقة لتُقال في محضر مشترك بين رجال ونساء الحارة. وكان افضل لو تركها لجلسة رجالية.. وهنا نطق شيخ الحارة حكمه غير القابل للرفض وهو ان الرجال كانوا دائماً قوامين على النساء ديناً وشرعاً وعقلاً.

انسحبت بعض النساء باستنكار، ولأول مرة يحدث انقسام واضح رغم الصمت الذي تواصل بسبب حذر النساء من تأزيم زائد للموقف. ومع ذلك بقي المخفي يستفزُّ أهل الحارة ويثير حيرتهم.
كان الضيف/الساكن الجديد يخرج باكراً كل صباح، مهندماً على آخر طراز، يفوح منه عطر ذكي، مما دفع الرجال للاقتراب منه ومبادلته ابتسامات واسعة وتحيات صباحية عطرة، متنشقين رائحة عطره الذكي، وقد أثار نوع العطر وثمنه خيال الحارة، خاصة الرجال. واضاف حججاً جديدة لضرورة الكشف عن المخفي. البعض قال انه عطر مستورد من مصانع البغاء في الغرب، التي تصنع هذه العطور لجعل المرأة طوع بنان الرجال. آخرون استخفُّوا بهذا التحليل، وقالوا ان صناعة العطور اليوم حدودها السماء، وانه من الخطأ مقارنتها بالكولونيا الرخيصة والمغشوشة التي تباع ببقالة الحارة. وان العطور اليوم أثمانها تشابه أثمان الذهب، هذه المسألة استصعب الرجال استيعابها. اما النساء فتحسَّرن، مما أثار حفيظة وخوف بعض الرجال، فقطعوا حديث العطور، وقالوا انه من الواضح ان الضيف/الساكن مليونير من اياهم وبالطبع لم يكن من الصعب الطعن بهذه النظرية، لعدم امتلاك الضيف/ الساكن سيارة فاخرة، فهو يستعمل نمرة 44، وهي اشارة للحذاء. وكان الضيف يعود اخر النهار مهندماً معطراً كما لو انه محفوظ في براد. وثار تساؤل جديد، كيف يطيق الضيف ربطة العنق والجاكيت في هذا الحر؟ واضيف هذا السؤال الى لائحة المخفيات التي لا بد من توضيحها وتفسيرها.

المسألة التي تستحق وقفة خاصة ان الراصدات من النساء، اكتشفن ان الضيف ظهر حتى هذا الوقت ب (7) بدلات مختلفة الالوان والتفصيل و ب (12) قميصاً بألوان مختلفة. واختلفوا على عدد ربطات العنق، بسبب صعوبة التمييز بين ألوانها من نقاط المراقبة والرصد، فمنهن من تصرُّ انها (8) ربطات عنق حتى اليوم، ومنهن من تصر على (12) ربطة عنق تماماً بعدد القمصان. لكنهن اتفقن ان يبقين هذه المعلومات طي الكتمان عن مجلس الرجال، نكاية بهم من الاهانة الجماعية التي طالتهن، غير ان "سمر" ضعيفة النفس، التي تشترى وتباع بابتسامة من زوجها، اعترفت في لحظة ضعف بهذه المعلومات السرية. وكاد اعترافها يحدث طوشات بيتية بين الأزواج وزوجاتهم، بسبب شعور المهانة وفقدان الهيبة، واستهتار النساء الظاهر بمركز الرجال، بإخفاء أسرار يجب الا تخفى، حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه، ويتدهور أمن الحارة واستقرارها، وما ينقص رجال حارتنا في هذا الزمن الرديء ان يتعطلوا عن أعمالهم للقيام بمهمات الاستطلاع والرقابة؟! حقاً النساء قليلات عقل، بل و"قليلات دين أيضاً" كما قال شيخ الحارة واضاف: "ان كيدهن لعظيم" اما المسألة التي استصعب رجال حارتنا هضمها، فهي كيف يعرف زوج سمر، الحديث العهد بالزواج والمسؤولية، هذه الأسرار وهم ذوو النفوذ والسطوة تخفى عنهم؟

وجَّهت النساء اللَّوم لسمر التي فضحتهن، وتقرَّر فرض مقاطعة نسائية كاملة عليها عقاباً لها للخروج عن كلمة النساء وفضح أسرارهن. غير ان زوج سمر لم يهزّه الامر. طمأن سمر بأن هذه المقاطعة لا تختلف عن المقاطعة العربية لاسرائيل، سرعان ما تصبح فتحاتها اكبر من فتحة طبقة الأوزون. قد يعالجون فتحة الأوزون، مهما طال الزمن، اما أوزون المقاطعة العربية فيتسع باستمرار، ونفس الحالة مع نساء الحارة.. وقال لها: ابدئي بجارتنا الحجة أم سليمان فهي المفتاح. تحمَّلي كشرتها وادعيها لتبخر البيت، فهي تعشق هذه المهمة وتكرس لها كل وقتها وتفكيرها وأحلامها.

قالت له سمر انها لا تؤمن بهذه الخرافات والتقاليع. طمأنها بأنه لا يختلف عنها، ويعتبرها تمثيليات مسلية، لكننا أبناء حارة يسري علينا ما يسري على الجميع ونقبل ما يقبلون، هكذا السياسة ياسمرة. وبهذا الشرح الوافي والواضح تعلمت سمر اول دروس السياسة، وبناء عليه كشفت لزوجها معلومة جديدة بأن الراصدات سجلن حتى اليوم، استعمال الضيف لـ (3) ازواج من الاحذية المختلفة، فطالتها قبلة من رجلها، وهكذا كان.

مع صباح اليوم التالي، رصدت سمر خروج أم سليمان لبلكون بيتها، مقابل بلكونها بالضبط، فسارعت سمر تلقي على جارتها تحية الصباح بصوت قصدتْ ان تسمَعَه عاشرُ جارة.. أجابت الحاجّة ببرود وبعدم رغبة ظاهرة في تبادل ما هو اكثر من التحية. غير ان سمر عاجلتها بطلب تبخير البيت، خوفاً من أرواح شريرة تكون وراء فلتان لسانها وتخريب سر نساء الحارة. وقالت انها كئيبة وتشعر بتوعّك وانها لولا ذلك لما فتحت فمها, اذ ان زوجها رأى حالتها وأصر ان يعرف ما تعانيه ويبدو انها كشفت السر وهي غائبة عن الوعي.

تورَّدت خدود الحاجّة وفتحت عينيها بيقظة، وانهالت تخاطب سمر بـ"ياحبيبتي" و"ياروحي" و"يا ضوّ عيني"، و"يا فلذة كبدي"، والـ"عوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن العفاريت والجن"، وتمتمتْ بآيات مقطعة، وصلت كلمات متناثرة منها لا يربطها رابط بمعنى واضح، وقالت بصوت مرتفع لتسمعها الجارات: "انا في الطريق اليك يا سمر يا روح امك.. لن أبقي لهم أثراً باذنه تعالى".

وهكذا انتقلت المعلومة من بيت الى بيت، بأسلوب يضاهي بسرعته وانتشاره أفضل محطات التلفزة، مثل تلك التي نقلت لصالوناتهم حرب العراق المسماة "الجزيرة" وحتى أفضل من سرعة انتقال الأخبار المفبركة لدار الإذاعة الإسرائيلية.

دَّب النشاط في الحارة، وتجمعت الجارات داخل وخارج بيت سمر لحضور طرد الأرواح الشريرة من بيتها.

قامت الحاجة بجهد واضح، وبذلت ما في وسعها من قدرة صبر وقوة إيمان، حتى ظهرت شرايين عنقها وأجهدها التعب والعرق، وما ان أتمَّت مهمتها، حتى تساقطت متهالكة على الكنبة، فسارعت اليها سمر بكوب ماء بارد.

اما المفاجأة الكبيرة التي لم يتوقعها احد فهي ان الراصدات في الصباح التالي أبلغن المتجمِعات في بيت سمر ان الضيف لم يظهر هذا الصباح، فأصابهن الخبر بالذهول والحيرة ومضت عدة ايام وصار عدم ظهور الضيف مرة اخرى حقيقة متجلية.

وتعطلت او كادت مشاريع الرقابة وتوقفت النقاشات واختلافات الرأي وبدأ الملل يتسرب للبيوت، فتطفأ الأضواء في ساعات مبكرة ويلهو كل رجل بما كتب له.

وفي صباح احد الايام وحتى قبل ذهاب الرجال الى أعمالهم، طرقت أم سليمان باب بيت سمر بقوة، صارخة بفرح شديد انها تعرف الآن حقيقة الضيف المزعوم، فهو ظهور للشيطان بصورة بشرية بهية، اختفى حينما نجحت أم سليمان بإخراج روحه النجسة من بيت سمر وأنقذت الحارة من أحابيله، فالحمد لله!!

نبيل عودة – قاص ، روائي ، ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة
mostkbel@netvision.net.il