عن اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية

شاكر فريد حسن قرأها 1,318

عن اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية

صادف في الثالث عشر من آذار اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية، الذي كانت وزارة الثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية أقرّته تكريماً لذكرى ميلاد شاعر فلسطين الكبير، شاعر الوطن والثورة والمقاومة، وشاعر  الصدق الفني والجمال الشاعري والأدبي، الراحل محمود درويش. هذا الشاعر العملاق الذي غرس في أرواحنا ونفوسنا حب الحياة وعشق الأرض والتراب وزهور الوطن وزيتونه، وغنى "أحن إلى خبز أمي" وعلمنا بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". كذلك تقديراً لأدبه المقاوم الرافض الملتزم، وشعره الإنساني الإبداعي الثوري المتفائل، وما يجسده ويمثله كرمز  للثقافة الوطنية التحررية الديمقراطية المتنورة، وانسجاماً مع الدور الرائد الطليعي الذي لعبه في النضال الثقافي الفلسطيني، كمثقف صاحب رؤيا مستقبلية ومبدأ مقاوم وموقف ثوري وجذري، وكشاعر مبدع غطى مساحات الوجع والألم الفلسطيني والمعاناة الوجودية الفلسطينية والانسانية، وأيضاً احتراماً لدور المبدعين والمثقفين الفلسطينيين في تكريس ثقافة المقاومة والمواجهة والذود عن القضية الوطنية وخدمة قضايا الوطن والشعب المصيرية.

وعلى شرف هذا اليوم أقيمت العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية والأدبية المتنوعة، كما شهد أحداثاً مختلفة، منها الحزينة ومنها المفرحة.

ففيه فقدنا المناضل والناقد الكبير والمثقف الفلسطيني النوعي محمد البطراوي (أبو خالد) أحد أبرز وجوه المغامرة النقدية في فلسطين، وأعلام الادب والفكر والسياسة والنضال التقدمي الفلسطيني، الذي كان له بالغ الأثر في اغناء الحياة الثقافية الفلسطينية بكتاباته النقدية ورواياته  الأدبية ومقالاته السياسية، والذي كرّس فكره وقلمه وروحه وعقله لخدمة الثقافة الوطنية الفلسطينية والوعي التقدمي الفلسطيني المتنور، والنضال الوطني الطبقي والتحرري الفلسطيني من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية وسلام الشعوب، وفي سبيل وطن حر وشعب سعيد.

وفي هذا اليوم شيّعت الأوساط الشعبية والقوى الأهلية والحزبية جثمان المناضل الشيوعي الفذ والمخضرم توفيق طوبي، احد أبرز الشخصيات القيادية في تاريخ جماهيرنا العربية الفلسطينية التي بقيت في وطنها، وأحد مؤسسي عصبة التحرر الوطني.

وفي هذا اليوم ايضاً توّج الشاعر والباحث والمفكر الفلسطيني الآتي من جبال النار، نابلس، والمقيم في رام اللـه، علي الخليلي، شخصية العام 2011 الثقافية الفلسطينية، لدوره ومساهمته في المشهد الثقافي والإبداعي ـ وكما قالت وزارة الثقافة في بيانها ـ  فإن هذا الاختيار لعلي الخليلي جاء "لكونه شاعراً متجدداً وحداثياً من جيل الآباء الذين أسسو للشعر الفلسطيني الحديث ودفاعه من خلال منجزه الثقافي عن القيم الانسانية المبنية على التعددية الفكرية والثقافية وترسيخه للقيم الديمقراطية النبيلة".

وللشاعر علي الخليلي حضور بارز ومتوهج في الساحة الأدبية والثقافية الفلسطينية تحت الاحتلال. أنه علم من أعلام الثقافة الفلسطينية المعاصرة، ويقف ضمن طليعة المبدعين والمنتجين الثقافيين الفلسطينيين الذين أغنوا أدبنا الفلسطيني، وهويتنا الثقافية الحضارية، وثقافتنا الوطنية الانسانية التقدمية والديمقراطية. وقد تعددت مواهبه واهتماماته الثقافية والأدبية في مضمار الشعر والقصة والسيرة الذاتية والبحث الأدبي والدراسة التاريخية التراثية الشعبية والمقالة النقدية والكتابة السياسية، وأتصف بنشاطه الثقافي الإبداعي وانخراطه الفاعل والمؤثر في الحركة الأدبية الفلسطينية المعاصرة، كمسؤول في عدد من المؤسسات الثقافية والشعبية والرسمية، وحرصه الدائم على النزوع الديمقراطي العقلاني لثقافتنا الوطنية والشعبية ذات الطابع الديمقراطي التقدمي الثوري.

ونحن، الجيل الأدبي الفلسطيني، ندين بالشكر والامتنان والتقدير لعلي الخليلي الذي تتلمذنا على يديه حين كنا في مقتبل العمر وريعان الشباب، نخطو على دروب الأدب فاحتضننا مشجعاً أقلامنا الأدبية الشبابية، بنشر نتاجها الأدبي المنوّع، عندما كان يعمل محرراً أدبياً لمجلة "الفجر الأدبي" التي كان لها دور ريادي مهم في تأسيس وتطوير حركة أدبية ونقدية هادفة وملتزمة، وخلق جيل جديد من الكتّاب والشعراء الجدد.

وكان لقائي الأول بالأديب علي الخليلي، صاحب الشنب العريض الكث الذي خطّه الشيب، في مؤسسة الأسوار العكية، في ثمانينات القرن المنصرم، حيث كرّمته في احتفال خاص حضره في حينه، عدد كبير من المهتمين بالثقافة والأدب.

وفي يوم الثقافة الفلسطينية نال الأديب والقاص والروائي الفلسطيني الألمعي، وحارس أسوار القدس الأبدي، محمود شقير، جائزة محمود درويش للثقافة والابداع. وقد نالها عن جدارة واستحقاق، بفضل إبداعاته وعطاءاته المتنوعة. كيف لا وهو واحد من أبرز الروائيين والكتّاب والمثقفين النهضويين الفلسطينيين، وله أكثر من ثلاثين مؤلفاً، وتميّز بنقد الواقع ومساجلته بأدوات ثقافية، وبالتزامه الواعي والتحامه العضوي بقضايا شعبه وحمل همومه وعذاباته وجراحاته اليومية. ورأى "في الثقافة الديمقراطية نهجاً في النهوض والمقاومة، وفي الإنسان الواعي مبدأ لكل مشروع تحرّري محتمل" ـ كما قالت عنه لجنة التحكيم في بيانها.

وفي يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية انطلقت في عروس البحر والكرمل، حيفا، دار "راية" للنشر، لصاحبها ومؤسسها الشاعر بشير شلش، التي أصدرت ثلاثة كتب جديدة، وهي الأعمال الكاملة للشاعر الصفوري محمد علي طه، ورواية "هي أنا الخريف" للكاتب سلمان ناطور، ومجموعة "التفاحة النهرية" للقاص محمد نفاع.

وفكرة إقامة دار نشر عصرية ـ كما قال مؤسسها ومديرهاـ أصبحت إلحاحاً في ظل غياب دور النشر المحلية المختصة عن المشهد الثقافي.

ودار النشر هذه تنضم إلى دور النشر الوطنية الفلسطينية التي عملت على نشر الوعي الفلسطيني التنويري، من خلال إصدار المطبوعات الأدبية والفكرية والسياسية والتاريخية، مثل دار "صلاح الدين" في القدس، التي كانت في السبعينات والثمانينات صوتاً وعنواناً  وملاذاً لأصحاب القلم والثقافة والإبداع في فلسطين المحتلة، بإصدارها كتباً وأسفاراً للكتاب الفلسطينيين، من قصص وأشعار وأبحاث سياسية وتراثية شعبية. إضافة إلى دار "الأسوار" العكية لصاحبها ومؤسسها الصديق الكاتب يعقوب حجازي، التي لها الباع الطويلة في نشر الثقافة الوطنية الفلسطينية وإقامة المهرجانات الادبية وتكريم الأدباء والمبدعين الفلسطينيين وإحياء ذكرى أعلام فلسطين الخالدين. وأيضاً دار "الهدى" في كفر قرع  التي تؤدي دوراً معرفياً وثقافياً  من خلال طباعة ونشر الكتاب  المحلي، ودار "الأماني" في عرعرة لصاحبها الكاتب والمربي مفيد صيداوي، التي تقوم بدور تثقيفي وتوعوي ومعرفي حضاري بنشر الادب والفكر الاصلاحي التقدمي، رغم امكانياتها المتواضعة، وغير ذلك من دور نشر هنا وهناك.

أخيراً نقول، تهانينا القلبية للقاص والروائي والمثقف النقدي محمود شقير بمنحه جائزة محمود درويش، وهنيئاً لعلي الخليلي بتتويجه شخصية العام 2011 الثقافية الفلسطينية، والتحية الخالصة لبشير شلش بانطلاق دار "راية" للنشر، والرحمة لروح القائد والمناضل الشيوعي توفيق طوبي، ولروح محمد البطراوي  فقيد الكلمة الحرة الشريفة والإبداع الوطني التقدمي الفلسطيني.