محمد البطراوي يموت واقفاً كالأشجار

شاكر فريد حسن قرأها 1,130

محمد البطراوي يموت واقفاً كالأشجار

شاءت الأقدار أن يغيّب الموت محمد البطراوي (أبو خالد)، الرمز الثقافي، والشخصية الأدبية اللامعة، وسنديانة الثقافة الفلسطينية، وعرّاب الأقلام والأصوات الأدبية في المناطق الفلسطينية المحتلة، وشيخ النقاد والمثقفين، بعد يوم من كتابة مقالي في الأسبوع المنصرم، الموسوم (أهكذا يكرّم أبو خالد البطراوي في كهولته؟).

ويبدو أن العم أبو خالد بقلبه الرهيف الحساس لم يحتمل قرار السلب والطرد من بيته فانسحب من الحياة بهدوء وصمت كهدوئه في حياته، بعد النوبة القلبية التي داهمته على حين غرّة، وكأنه يريد أن يقول: لن أرحل ولن أترك البيت إلاّ إلى المرقد الأبدي. وهذا ما كان.

وقد تصادف هذا الرحيل، يوم الثالث عشر من آذار، مع ذكرى ميلاد الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش ومع اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية، وفي ذلك دلالة كبيرة ورسالة واضحة.

عرفت المرحوم محمد البطراوي قبل اكثر من عقدين ونيّف، عندما كنت شاباً يافعاً ويانعاً، يعشق الادب ويهوى القراءة والكتابة ويرتاد المكتبات ومعارض الكتب في نابلس ورام اللـه وجنين والقدس، بحثاً عن عناوين جديدة، وكانت دار صلاح الدين في القدس آنذاك تؤدي دوراً ثقافياً مهماً في تنمية الوعي القرائي ونشر الأدب الوطني الفلسطيني الملتزم.

في تلك الفترة كنت أبعث ببواكير نتاجي الأدبي إلى الصحف والمجلات الفلسطينية، التي كانت تصدر في الضفة الغربية وقطاع غزة مثل: (الشعب، الفجر، الكاتب،الشراع، العهد، الميثاق، البيادر الأدبي، الطليعة، الفجر الأدبي، الشروق) وغيرها. وكان الناقد محمد البطراوي يشرف على الزاوية الأدبية في مجلة (الكاتب) المحتجبة، التي كان يحررها ويشرف عليها مؤسسها الصديق الشاعر أسعد الأسعد، وكنت أبعث بكتاباتي إلى (الكاتب) وسواها بالبريد المسجل أو العادي، في مرحلة لم نعرف فيها لا الناسوخ ولا الحاسوب والبريد الالكتروني، وكان أبو خالد البطراوي يراجع مقالاتي الأدبية وينقحها وينشرها بكل ترحاب، وأحياناً كان يعتذر عن النشر لأسباب خارجة عن إرادة المجلة، ويعني بذلك الرقيب العسكري الاحتلالي. وتوالت الأيام وجمعتنا بالعم أبو خالد وتعرفت عليه والتقيته في رام اللـه وفي مهرجانات الأدب الفلسطيني في القدس، لكن ظروف الحياة والانتفاضة الشعبية والحواجز العسكرية والإغلاقات المتتالية حالت بيننا، وبقيت أتابع نشاطه وعطاءه وكل ما يقدمه من خدمة جليلة لحركة الثقافة والإبداع الفلسطيني وإثراء للأدب الفلسطيني وللعملية النقدية. وحين علمت بالقرار الظالم بطرده من بيته الذي سكنه دهراً، تألمت كثيراً وتوجعت لما لهذا البيت من مآثر وطنية وثقافية عديدة، وسارعت للكتابة عن هذه المسألة والتساؤل بحرقة وغصة: (أهكذا يكرّم أبو خالد البطراوي في كهولته؟).

برحيل محمد خالد البطراوي تفقد الحياة الثقافية والفكرية الفلسطينية مفكراً وعلماً بارزاً وشامخاً من أعلامها الأفذاذ ورائداً من روادها المعاصرين، وذواقة أدبية، وناقداً حصيفاً رعى الكتاب والناشئة وأخذ بأيديهم. وتخسر بكل المقاييس إنساناً وطنياً متواضعاً هادئاً صاحب قيم ومواقف وأفكار ورؤى، ومثقفاً عضوياً حقيقياً ملتزماً كرّس حياته وجنّد قلمه للثقافة، التي آمن بها وبدورها العظيم، وبرسالتها الثورية في الحياة الاجتماعية والنضال الطبقي العمالي والكفاح الوطني التحرري للشعوب المقهورة المستلبة الواقعة تحت نير الظلم والاحتلال والاضطهاد والاستعمار.. مثقفاً عمل وناضل من أجل مصالح فقراء شعبه وكادحيه ومعذبيه مما يحقق لهم الغد السعيد والمستقبل الجميل، والمشروع السياسي والاجتماعي في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ومن نافلة القول، أن محمد البطراوي هو رمز ثقافي ساطع أرسى عماد الثقافة الوطنية الفلسطينية، وظل بيته على الدوام بيتاً مفتوحاً على مصراعيه أمام عشاق الأدب والثقافة والمعرفة، وشكّل فضاءً للثقافة والابداع والسجال الثقافي والمعرفي الابداعي، وكان له الدور البارز في التأسيس لحركة ثقافية شعبية واقعية وديمقراطية ملتزمة، ووقف بشدة ضد الانقسام والتشرذم في الشارع الفلسطيني، وعمل على رأب الصدع بين القوى الفصائلية الفلسطينية، وإعادة لحمة الكتّاب والمبدعين الفلسطينيين في إطار اتحاد الكتاب الفلسطينيين بعد انقسامه إلى اتحادين، داعياً إلى إقامة وتشكيل رابطة للمبدعين والمثقفين الفلسطينيين تكون بمثابة برلمان ضاغط للدفاع عن قضايا الوطن المصيرية، والاستفادة من تجربة المثقفين الفلسطينيين في أربعينات وخمسينات  القرن الماضي.

وفي النهاية، فإننا أيها العم أبو خالد نترحم عليك ونبكيك ونودعك بالآهات والزفرات ودموع الوفاء، وموتك خسارة عظيمة للثقافة الوطنية والشعبية والديمقراطية الفلسطينية وللفكر التنوّري التقدمي الحر، ونقول في وداعك ما قاله الشاعر أحمد حسين في رحيل شقيقه الشاعر الباقي راشد حسين:

نم في ثراك فلست أول عاشق

قتلته أعين أرضه النجلاء

وستظل منزلتك وذكرك في القلب أبداً، يا حارس الثقافة المقاومة والأدب المناهض للقهر والظلم والطغيان.