أهكذا يكرّم أبو خالد البطراوي في كهولته؟!
%5B1%5D(18).jpg)
محمد البطراوي (أبو خالد) مثقف ومبدع فلسطيني ومناضل وطني وتقدّمي صلب وعنيد، إنّه قمر رام اللـه وقبلة الكتّاب والمثقفين والمبدعين والمناضلين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وعميد الوعي الفلسطيني الطبقي الثوري وأحد قابلاته التاريخية والمعرفية، وله احترامه الخاص ومنزلته الكبيرة وحضوره الواسع الرحب في الفضاء الثقافي الفلسطيني، ويعتبر من القامات الأدبية والثقافية والنضالية الفلسطينية، التي لها أثر وفضل كبيرين على نمو وتطور الحركتين الوطنية والثقافية الفلسطينية تحت الاحتلال.
قدم أبو خالد البطراوي إلى الحياة في (اسدود) المهجرّة والممتدة على الساحل الفلسطيني، وفي عام النكبة خرج منها إلى غزة هاشم، ومنها تسلّل إلى الضفة الغربية ليقيم ويستقرّ في رام اللـه في بيت، أصبح فيما بعد من المعالم التاريخية والحضارية الفلسطينية في مدينتي رام اللـه والبيرة.
جال البطراوي في عالم البحث والمعرفة والاغتراف من بحور الثقافات الانسانية، انحاز للجموع والقطاعات الشعبية المسحوقة، واختار عن وعي ثاقب وقناعة تامّة وإيمان راسخ فكر الفقراء الثوري وخندق الكفاح الطبقي والدفاع عن العمال والكادحين والمضطهدين من خلال الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني، حاملاً راية الفكر التقدمي والإيديولوجي النظري الاشتراكي، ومؤمناً بالثقافة الشعبية والنقدية التنويرية وبرسالتها الحضارية في صقل وتطوّر الهوية القومية وإشاعة الوعي القومي والعمالي التحرري.
والبطراوي من الرعيل الأول والجيل المؤسّس لثقافة الالتزام الوطني والسياسي ولأدب الحياة والعدالة والحرية في الحركة الأدبية الفلسطينية، عرف بنشاطه السياسي والأدبي المتشعّب، وتعرّض للاعتقال أكثر من مرّة، وتتبّع النهضة الثقافية الفلسطينية وواكب إرهاصاتها الأولى في التصدي للانتداب والاستيطان الصهيوني.
بدأ البطراوي الكتابة على صفحات (الاتحاد) حين كانت تصدر في يافا، وفي مجلة (الغد) التي كانت تصدرها رابطة المثقفين العرب في فلسطين، وفي مجلة (الثقافة الوطنية اللبنانية)، وكان من المشاركين والمشرفين على مجلة (الأفق الجديد) التي صدرت في القدس في ستينات القرن الماضي. وبعد احتلال الضفة والقطاع في العام 1967 ساهم البطراوي في رعاية الأجيال الجديدة من الكتاب والأقلام الواعدة، من خلال المشاركة في انشاء وتحرير المجلات الأدبية كمجلتي (البيادر) و(الكاتب) وصحيفة (الطليعة) وعمل على نشر نتاجاتهم وأعمالهم الأدبية الابداعية، كونه مشرفاً على الملاحق الأدبية والثقافية فيها.
رغم الكهولة وتعب الحياة وكدّها، لا يزال أبو خالد البطراوي متقد العقل والفكر، قوي الذاكرة، حاضر الذهن، يذود عن وطنه وقضية شعبه المقدسة العادلة. واليوم يقف حائراً، مهموماً، وينزف دمعاً ودماً ويتجرّع ألماً ووجعاً في قلبه المرهف، بعد التهديد بطرده واقتلاعه من منزله العريق، جرّاء القرار الورقي الصادر عن المحكمة، والقاضي بإخلاء بيته المتاخم لمقرّ السلطة الوطنية الفلسطينية في المقاطعة برام اللـه، وإعادته إلى أصحابه الأصليين المقيمين خارج الوطن منذ 60 عاماً، بناءً على دعوة قضائية أقاموها لاعتبارات استثمارية.
وهذا البيت العامر بأهله ليس مجرد بيت، فهو جزء حي من الذاكرة الفلسطينية والتاريخ الثقافي والوطني والنضالي الفلسطيني، وله دور تاريخي ومهم في احتضان الحركتين الثقافية والفلسطينية في الوطن المحتل، وفيه تخفّى مناضلون شيوعيون ووطنيون كثر مناهضون ومقاومون للاحتلال، وفي باحاته عقدت الاجتماعات الحزبية والوطنية السرية، ومنه خرجت بيانات الحركة الوطنية بفصائلها المختلفة ومذاهبها الفكرية والعقائدية المتنوعة، ومنه أيضاً انطلقت شرارة الجبهة الوطنية لمقاومة الاحتلال، التي تشكّلت في سبعينات القرن المنصرم، وفيه أقيمت مختلف النشاطات الثقافية والسياسية والوطنية الفلسطينية، وشكّل قابلة لميلاد شعراء وأدباء ومناضلين وسياسيين طيلة خمسة عقود ونيف. وهو أول بيت يفتح أبوابه أمام المثقفين القادمين من الداخل الفلسطيني إلى رام اللـه بعيد الاحتلال، ومن أوائل الوافدين والقارعين على أبواب هذا البيت الكاتب والأديب والسياسي الراحل إميل حبيبي (أبو سلام).
لا شك أن طرد محمد البطراوي واقتلاعه من بيته، الذي قضى عمره الطويل والعريض فيه، وشاركه همومه وهواجسه وأحلامه الثقافية، وشهد إبداعاته وعطاءاته المعرفية والثقافية والفكرية والابداعية والنضالية، هو جريمة لا تغتفر، وبمثابة اغتيال ونسف للذاكرة الفلسطينية الحية ولذاكرة رام اللـه بشكل خاص، وتغييب لقمرها الساطع ولمنارتها الثقافية الباقية، وإسدال الستار على تاريخ نظيف وشريف لمبدع حقيقي متميز، وإنسان مبدئي أصيل دمث الاخلاق، وقامة ثقافية قدّمت خدمات جلية لحركة الإبداع الثقافي وللمشهد السياسي والفكري الفلسطيني، وأحد حراس الثقافة ومبدعيها المخلصين، الذي كان له على الدوام دور طليعي فاعل في حماية التراث الوطني الفلسطيني وصيانة الثقافة الوطنية والنقدية التقدمية وتطويرها، من خلال نشاطه الدؤوب وعطائه الذي لا ينضب ولا يجف، وبفضل مداخلاته وكتاباته ومواقفه الجذرية الثورية المغايرة والواقعية.
إنّ المطلوب الآن، وليس غداً، إيجاد حلّ سريع وعاجل لمشكلة بيت المناضل والأديب الفلسطيني الكبير محمد البطراوي، فليس بالطرد والاقتلاع يكرّم هذا الانسان الطاعن في السن، إبن الثمانين حولاً، الذي أعطى شبابه الوردي ووهب حياته للوطن والثقافة والتنوير والوعي والإبداع، وكان ينبوع عطاء غزير دائم، ومساهم في صياغة سفر الحرية والعدالة واستشراف المستقبل الوضّاء والمشرق لشعبه.