تأمُّلات على تلَّة الزّوق
(الى الياس أبو شبكة، شاعراً كبيراً وعاشقاً كبيراً)
نُحْييكَ؟
أم أنتَ في ذِكْراكَ تُحْيينا؟
يا شاعرَ الحبِّ
ضَيَّعْنا الهوى فينا !!!
هو الخلودُ
تَمَنَّيْنا نُشارِفُه
حتى غدا يَتَغاوى في تَمَنِّينا
والعبْقَرِيُّون في أبْراجِهِم هَنِئوا
نشْتاقُهم
وهُمُ بالْمَجْدِ ساهُونا
نَجيْئُهم خلَلَ الذِّكْرى
نُعاوِدُها لكي نَحُسَّ بأنَّا بَعْدُ باقونا
* * *
مَن خالِدٌ؟
شاعرٌ يقْوى على الرَّمَق الأخيرِ
يَجْعَلُهُ بالبَدْرِ مَسْكونا
ويكْسِرُ الحُلُمَ المسْكونَ في بَشَرٍ عُقْمِ المَدى
خُنَّعِ الـْ ما بعْدِ
ماضينا
ما عبْقَريٌّ له الأبعادُ بَدءُ رُؤىً
إن لم يكنْ خلْفَ وعْي العقْلِ مَجْنونا
* * *
ما بالُها "الزّوق" تَدْعونا إلى عُرُسٍ
وشاعرُ "الزّوق" لا ينْفَكُّ مدْفونا؟
هذي شوارعُها بكْماءُ
حافيةٌ
ولُوزُها نَسيَتْ ذِكْراهُ تِشْرينا
والذِّكْرياتُ؟
هنا لَمْحٌ
هناك صَدَىً
عن صُبْح "غلْواءَ" (1)
أو من فجر لِيْلِيْنا (2)
وَتَلَّةُ "الزّوق" لم تنْفَكَّ ناسِكةً
صُنَوبَراتٌ بها
ما زِلْنَ يَحْكينا
يزورُها عاشقانِ اليَومَ
حُبُّهما
- لصدْقِهِ -
أرْجَعَ الذِّكْرى رَياحينا
ما بالُها "الزّوق"؟
هل ناحتْ على وطنٍ غنَّيْتَه أنتَ
حتى صار يُغْنينا؟
"لبنانُ أوَّلُكَ الدُّنيا وآخِرُكَ الدُّنيا"؟ (3)
سألْناكَ لا تَغْفِرْ تَصابِيْنا
رسَمْتَه وطناً وِسْعَ الرُّؤى
فغدا جُرْحاً تَمَرَّدَ حتى صارَ سِكِّينا
تَشَرْذََمَتْه الأيادي فانْتهى مِزَقاً
وكلُّ صوتٍ غدا في المُلْكِ نيْرونا
هُمُ الـْ أرادوه يبْقى مَوطِناً خَرِباً
يا بَحْرَه البحرَ
أطْلِعْ بَعْدُ تِنِّينا
وكُنْ يُها الموجُ في جَرف الدُّمى غضَباً
يفْري السُّيوفَ
ويَجْتاحُ الطَّواحينا
ولا تَوَطَّنْ على أرضٍ نُقَدِّسُها
إن الخيانةَ
لا في الأرضِ
بلْ فينا!
* * *
يا شاعرَ الحبِّ
ما أوفى الهوى قَدَراً
وحُبُّكَ النُّبلُ رَجْعٌ في قَوافينا:
"حبيبتي
وَحْدِنيني فيكِ
وانْتَظِريني كلَّما عبَقَ النِّسْرينُ نِسْرينا
إنِّي أحِبُّكِ حتى الإحتراقِ
وبي نارٌ هي اللَّهَبُ الأحْلى يُدانينا
نشْتاقُ قبل ثوانٍ مِن تَوَدُّعِنا
ونَحْسَبُ الشَّوقَ يهدا في تَلاقينا
وكُلَّما نلتَقي
نَزْدادُنا عَطَشاً
كالجرْحِ أوجعُ منْهُ أنْ يُداوينا
ستَرْجِعينَ إلى قلْبي
تُبلْسِمُهُ رؤاكِ للغدِ يزْهو فيه ماضينا
حبيبتي
أنتِ كونيني ... أَكُنْكِ أنا
أحْياكِ ما أنتِ في نَجْوايَ تَحْيينا
ألْقَمْتِني الحُبَّ جَوَّانيَّة طَهُرَتْ شفَّافةً
هي حيناً بي ولي حينا
وكان بي زَيَفانٌ يبْتَني لِفمي صوتاً
فأحْسَبُ ما يشْدوهُ تلْحينا
وكان صوتي نساءً قُلْتُهُنَّ أنا حُبَّاً
وما كنَّ إلاّ فيَّ تَزْييْنا
تَنَفَّسيني
يَعُدْ نبْضيْ مَدىً
وعلى وجهي ضِياءُ ربيعي ما تَشُعِّينا
تَجَذَّرَتْنا بها الأيَّامُ فامَّحَتِ الْجِهاتُ
مَنْ غيرُنا في الغير يَحْوينا؟
نبني لنا عالَماً مِن لَون جَنَّتِنا
لونِ التَّسامُرِ هَمْساً في ليالينا
لنا المَطارِحُ تحْلولي بِزَغْوَتِنا
ما عادَ مِن مَطْرَحٍ إلاّ ويَحْمينا
هنا تِلالٌ
هنا شَطٌّ
هنا قُبَلٌ
هناكَ نُقْسِمُ أن نحْيا أمانينا
وأنْ نَتيهَ بلَيلٍ تاجُهُ قمرُ الثُّلوجِ
ضَوْءَتُه في الْعَتْمِ تُدْفينا
حبيبتي
يا جمالاً فِيَّ مُنْسَكِباً
ويا صِباً بي ولا أحلى تَكاوينا
لَمْلَمْتِ أجزائيَ الـْ كانتْ إلى حُطَمٍ
فعُدْتُ كُلاًّ
وبالأبعادِ مَسْكونا
عيناكِ لِيْ الضَّوءُ
درْبي صارَ خَلْفَهُما
أعودُ طِفلاً لأبقى عنْهُما دونا
لا وَجْهَ بَعْدَكِ لي
أنتِ الوُصولُ
وهل لهُ رجاً يُرْتَجى الصَّاري سوى المينا؟"
* * *
يا شاعرَ الحُبِّ
لا تقْلَقْ على وطن الجمالِ والحُبِّ
واخْلُدْ فيه مفْتونا
حلَّتْ بنا نكْبَةٌ جارَ الزَّمانُ بها
وطعْنَةُ الجرح ليستْ مِن تَسامينا
بلادُكَ/البَدْعُ
لن تغْفو على وَجَعٍ
أقسى التَّوَجُّعِ زهْوٌ في تباكينا
* * *
نأتيكَ؟
أم أنتَ في ذِكْراكَ تأتينا؟
يا شاعرَ الحبِّ
ضَيَّعْنا الهوى فينا
فاغْفِرْ لنا أنَّنا جِئناكَ مُفْتَقَداً
ما نحنُ نُحْييكَ
لكنْ
أنتَ تُحْيينا.
(1) غلواء : زوجة الشاعر
(2) ليلينا : ليلى، عروس ديوانَيه "نداء القلب" و"الى الأبد"
(3) "لبنان أوَّلُكَ الدُّنيا": قصيدة شهيرة لأبو شبكة
القصيدة منشورة في ديوان الشاعر هنري زغيب "مِن حوار البحر والرّيح"
(متوفر في المكتبات اللبنانية والعربية وعبر شبكة الإنترنِت)
وكان الشاعر ألقاها في مهرجان "الذكرى الحادية والثلاثين لغياب الياس أبو شبكة"(27/1/1978)
نعيد نشرها اليوم لمناسبة مرور ستين عاماً على غياب الشاعر (1947-2007)
إقرأ قصيدة الشاعر هنري زغيب في "ثلاثينية الياس أبو شبكة"