لكي تُحَبَّ أتيتَ الأرضَ
الى الياس أبي شبكة
جَدِّدْ رؤاكَ
أنا أَستكْمِلُ السَّفَرا
فحُلْمُكَ السَّمْحُ ناداني
وبي اخْتُصِرا
لو فيكَ قيثارةٌ
مِنْ يُتْمِها وَجِعَتْ بِنَغمةٍ
كنتُ مِن أنغامها وَتَرا
وَيومَ قلْتُ لِطَيْفٍ مِنكَ:
- "عُدْ"
(وسَرَتْ على يَراعي حكايا لَمَّتِ الخَبَرا)
وعَيْتُ فيَّ صَداكَ/الجُرحَ يُومئُ لي
أنْ
"مُرَّ بي، يا شبيهي، وَاحْيَ ما هَدَرَا".
فَصارَ يولَدُ في التَّذكار مَوعِدُنا
وينهَضُ المطرحُ الغافي بِغَير ثرى
ويُزهِرُ اللَّوزُ
ما في "الزَّوق"(1)غيرُ هوىً باقٍ على العهْدِ:
- "مُرْ يا عهدُ ما أَمَرَا"...
* * *
مشوارُكَ/الوَمْضُ نزْفٌ في تَوَثُّبِهِ
ناءَتْ به الرِّيحُ
يا مشْوارَكَ انكَسَرا!!!
ما بين "غَلوا"(2) و"لُلْوى"(3) رحْتَ تنْبُضُهُ
فكُلُّ لحْظَة عِشْقٍ
عِشْتَها دَهَرا
وَلَمْ تُصِبْكَ الـ"أفاعي"(4) في تَعَهُّرِها
مادامَ نُبْلُكَ في أنيابِها انْتَصَرا
عرَفْتَ غَلْواكَ
(والأيَّامُ بُرْعُمةٌ)
ورُحْتَ ترْصُدُ فيها الأُنْسَ والسَّمَرا
وكُنتَ مُرْتَقِباً دفئاً يهُلُّ على محطَّة العمْرِ
تحْيا فيه مؤْتَزَرا
وإذْ بَدا لكَ في "غَلْوا"
وَشَمْتَ به قصيدةً شِئْتَها تسْتَكْمِلُ السَّفَرا
وما وَعَيْتَ بأنَّ العُمْرَ تجْربةٌ
وأنَّ وعْيَ اللَّيالي يكْسر السَّهَرا
فكان أنْ ذَبُلَتْ "غَلْواءُ"
(يا وَجَعي على الهُنيْهَة تُغْري في الدُّجى قَمَرا)
وعُدْتَ مِن خَيْبَةٍ في الحُبِّ
مُنْهَزِماً إلى المحطَّةِ
تحْيا فيكَ مُنْتظِرا
* * *
- "غُودو(5) تعالَ"
(ورُحْتَ الوقتَ تسْكُنُه)
- "غودو تعالَ"
(ويأسٌ في رؤاكَ سَرى)
تَخِذْتَ في الشَّهَواتِ الحُمْرِ ألْفَ هوى دليلَةٍ
وسَديمٌ توقِدُ الشَّرَرا
وقلْتَ:
- " يا ربِّ
لا إلاَّكَ يغْفُرُ لي
يا رَبِّ
قلْبي بَتولٌ لمْ يَشأْ دَعَرا
يا ربِّ
أينَ غودو يأتي فينقِذُني
هنا المحطَّة منْفى، والسُّكون عُرى
غَلْوايَ؟ فيَّ
بَلى
لكنَّ في سَفَري أُفْقاً تُجافيه عيناها ...
فكيفَ تَرى؟
يا ربِّ
يا ربِّ
طَهِّرْني بِلَيْلَكَةٍ
أنا لها العُمْرَ قُرْباناً وأن عَمُرا
غودو تعال ..."
وإذْ في صُدْفَةٍ وَمَضَتْ
عَصَتْ بها لحْظةٌ ما وافتِ القَدَرا
فرَّتْ من الزَّمن الممنوع
وارْتَحَلَتْ إليكَ هَيْمى
ولَمْ تَفْقِد بها خَفَرا
عرفْتَها قبلَ أن تُومي
وأنتَ صَدٍ لتلْتَقيها
وتُحْيي مِنكُما السَّفَرا
- "حبيبَتي
(قلْتَ)
هل أنتِ التي وَصَلَتْ؟
أخافُ يَغدُرُني دهْري
وكمْ غَدَرا"
قالتْ
(ويا طيبَ ما قالتْ
كأنَّ سَماً مِن شَقْعِ بِلَّوْرِ عينَيْها غدَتْ دُرَرَا)
- "حبيبِ
(قالتْ)
أنا نجْواكَ
ترْصُدُني نداءَ قلْبِكَ يحْيا فيَّ مُنْسَحِرا
وَجِعْتَ؟ أوْجَعْتَني
يا آخَهُ وَجَعُ الـْ ما بعدَ فيكَ
فَهاتِ المُقْلِقَ الذُّعُرا
هذي أنا .. فاخْتَصِرْني فيكَ
وارْتَقِ بي
في نجْمةِ الصُّبْح تلقاني
فكُنْ سَحَرا
حبيبِ
شأْ تمْحُ دُنيا بي
وشأْ أعِ بي أبْعادَكَ الشُّمَّ إنْ حُبَّاً وإنْ كِبَرا
يا شمْسُ في الظِّلِّ خَلِّيْنا بِلا قَمَرٍ
فأعْذَبُ الحُبِّ ما في ظِلِّكِ اسْتَتَرا
أغيبُ؟
ما همّ!
همِّي أنتَ
تزْرَعُني يداكَ سُنْبُلَةً أحوي بها غُمُرا
أنا مواعيدُكَ الوَلْهى على مَيَدٍ
أمام وعدِكَ كلُّ الوقْتِ بي صَغُرا
فضُمَّني يا بَهيَّ الحُبِّ
إنَّ على جَبينِكَ الوِسْعَ يلْقاني وَلا الأُمَرا
هذي أنا ...
هِمْ حبيبي بي
وقُصَّ على همْسي ليالاكَ
ألْمَمْ بَعْدَكَ الصُّوَرا
لوْ كِلْمَةٌ مِنْكَ فرَّتْ فيَّ أحبِسُها
أنا تراثُكَ أحمي كنْزَهُ أثرا
لكي تُحَبَّ أتيتَ الأرضَ
كيفَ أنا أتيْتُكَ اليومَ لا قبْلُ؟
ارْتَعِشْ قَدَرا
أُحِبُّ؟ ما ألْفُ حُبٍّ أنْ أحِبَّكَه
أُحِبُّ أنتَ، جمالاً بعْدُ ما نُشِرا
حُزْني هفا؟
قُلْتَه رؤياكَ غائمةً
سقَيْتَه فَرَحَ الأطْفال فانْهَمَرا
وشِئْتَني أنْ أُصَلِّي فيكَ ناسِكَةً؟
خُذْ كُلَّ نُسْكي وصُغْ مِن طُهْرِه بَشَرا
مَحَوْتَ كُلَّ تفاصيلي
غدَوْتُ سَما
ما همَّ ألاَّ أراني
همَّ أنتَ تَرى
طَهَّرْتَني
صِرْتُ زَهْوي فيكَ عاشِقةً
وصِرْتُ يا فرَحي الآتي وكمْ طَهُرا
ذُراكَ لا تنْتَهي بي
وهْيَ حُلْمُ غَدي
إنْ ذُرْوَةٌ نِلْتُ مِنْها
صُغْتُ فيكَ ذُرى
أنا "الأوديسَّةُ" شأْني فيكَ لاهِبةً
وأنتَ "هومِرُ"
يا زهْوي على الشُّعَرا"
* * *
حكايةٌ مِنكَ هذي؟
لا
لَتَجْمَعُنا
إلى كلَيْنا تَناهى الحبُّ مبْتَكَرا
فاشْدُدْ يدي
شِعْرُكَ اللمَّاحُ
يرسُمُ لي حكايةً نحن فيها النَّبْضُ مُعْتَصَرا
سَكَنْتَ بي يا شفيعَ الحُبِّ
فاغْوَ معي...
جَدِّدْ رؤاكَ
أنا أستكْمِلُ السَّفَرا
(1) الزّوق: زوق مكايل – بلدة الشِّاعر الياس أبو شبكة في كسروان (جبل لبنان).
(2) غَلْواء: زوجة الشَّاعر
(3) لُلْوى: ليلى – عروس الشَّاعر
(4) الأفاعي: "أفاعي الفردوس" – مجموعة أبو شبكة الشِّعرية (1938) قبل تعرُّفه بليلى
(5) غودو: رمز الآتي الذي لا يأتي أبداً
القصيدة منقولة عن ديوان الشاعر هنري زغيب "مِن حوار البحر والرّيح"
(متوفر في المكتبات اللبنانية والعربية وعبر شبكة الإنترنِت)
وكان الشاعر ألقاها في مهرجان "ثلاثون أبو شبكة" (12/3/1977)
نعيد نشرها اليوم لمناسبة مرور ستين عاماً على غياب الشاعر (1947-2007)