الحائط
جلس خلف مكتبه المتكدس بالمعاملات، يتأفف من الأوضاع ونقّ المراجعين، ولم ينس أن يلعن الحائط قبالة مكتبه، ضاع لونه الأصلي مع السنين.
لم يعلق أحد من زملائه على ملاحظاته. اعتادوا سماعها صبيحة كل يوم في هذه المؤسسة الرسمية.
أزاح كرسيّه قليلاً كي لا يبقى قبالة الحائط المتقشر الدهان، مصدراً أساسياً لمزاجه الصباحي المتعكّر.
دخل فتى المقصف حاملاً ركوة قهوة صغيرة وفنجاناً، واتجه إلى مكتب الست سوسن. سكب القهوة في الفنجان وقدمه لها، وفيما كان يهم بالمغادرة استوقفه قائلاً:
- لحظة يا ابني. بعد فيها الركوة قهوة؟
أومأ الفتى إيجاباً فأخرج السيد خلف فنجاناً من درج المكتب وأشار للفتى ليسكب فيه ما تبقى من القهوة.
التفت الزملاء الآخرون نحو الست سوسن، فتلوا رؤوسهم مستنكرين هازئين. علّقت الست سوسن هامسة:
- متل العادة.
دخل المكتب شاب يحمل معاملة. سأل عن السيد خلف. لم يحرك ساكناً. أشار إليه موظف آخر بعينيه. اقترب الشاب، وقبل أن يفتح فاه للكلام، عصف السيد خلف قائلاً:
- يا فتّاح يا عليم، يا خيّي شايفنا بمنامك؟ على شو جايينا من أول الضو!
بهت الشاب. لم يعرف بما يجيب. وبعد أن استجمع قواه حاول ترطيب الموقف بأنه جاء لإنجاز معاملته والتوجه باكراً إلى جامعته، فأجاب مسايراً بمكر خفي ولطف:
- يا استاذ حقك علينا، بتحب أنطرك شي ربع ساعة حتى تشرب قهوتك؟
أمام اللطف الزائد من الشاب، هدأ السيد خلف، ومدّ يده لاستلام المعاملة قائلاً:
- إرجع بعد نصف ساعة.
خرج الشاب طائعاً سائلاً المولى ألا يتعكر مزاج السيد خلف خلال نصف الساعة التالية.
أدار خلَف كرسيّه ورشف رشفة من فنجان القهوة فوقع نظره على الحائط. استغفر الله وتحسّبه من هذا المنظر. أمال المكتب قليلا فزاد ضيق الممر الصغير بين مكاتب الموظفين. وقبل أن ترتفع أصواتهم استنكاراً، خصوصاً الست ليلى صاحبة الوزن الزائد، أعاد المكتب إلى وضعه الأول ولم يجد حلاً إلا إغراق رأسه في معاملة الشاب محاولاً الانشغال بها.
مرت نصف الساعة بطيئة سريعة، فعاد صاحب المعاملة. علّق السيد خلف بعد أن نظر إلى ساعته:
- دقيق كتير. نصف ساعة بالضبط. ان شاء الله تكون هيك بكل مواعيدك!
ابتسم الشاب ولم يُعلّق. مد يده لاستلام المعاملة، ومن دون أن يرفع السيد خلف رأسه، خوفاً من مواجهة جديدة مع الحائط مصدر النكد، سلّمه إياها.
حضن الشاب معاملته غير مصدق بأنها أنجزت خلال نصف ساعة فقط، وغادر مسرعاً.
تناول السيد خلف معاملة أخرى من جبل المعاملات المتكدس أمامه، وبدأ العمل عليها. لكن هاجساً تملّكه أعاقه عن التركيز. رفع رأسه وواجه الحائط بجرأة وشجاعة. وبقي أكثر من نصف ساعة يرمقه بنظرات متحدية. لاحظت الست سوسن وضعه المريب فسألته مطمئنة:
- أستاذ خلف؟ بك شي ؟!
لم يردّ. زاد قلقها ولفتت انتباه زميلها مروان فقلق هو الآخر وقام من مكتبه متوجهاً إلى مكتب السيد خلف فهزّه من كتفه قائلا:
- أستاذ خلف؟ تعبان شي؟
كرر عبارته مرتين فرد السيد خلف:
- ما فيه شي، ما فيه شي.
وقام مغادرا وسط استغراب الجميع.
في اليوم التالي حضر السيد خلف قبل ساعتين من الدوام. دخل زملاؤه ففوجئوا به وبابتسامته العريضة التي قابلهم بها، وزادت مفاجأتهم عندما سمعوه يهاتف المقصف قائلاً:
- ألو؟ أبو عادل؟ من فضلك أربع فناجين قهوة على حسابي.
صمت قليلا ثم أضاف:
- مين معك؟ وَلو الاستاذ خلف بشحمو ولحمو.
كانت دهشة الزملاء كبيرة، عبّرت عنها عيونهم الشاخصة إلى السيد خلف الذي كانت عيناه شاخصتين بفخرٍ إلى الحائط المقابل الذي لم يكن جفّ دهانه بعد.