بعد طول انتظار
"عندما يغزو الحزن مفاصل الحياة، ويتسرب إليها تسرب الماء في الشقوق، تغدو الحياة أكثر شفافية."
بدا مبتسماً يوزع بذهول وعشوائية نظراته على من حوله وكانوا كثراً حتى ليعجز عن إحصائهم.
رغم ذلك بدا مبتسماً، أضواء كاميرات التصوير تتراقص على وجهه، وكاميرات التلفزة تلاحق حركاته.
لم يكن وحده في هذا الموقف. كانوا نحو عشرة، وجميعهم يبتسمون مثله.
ثلاث عشرة سنة مرت كانت طويلة حينها، حسبها باليوم وربما بالساعة منتظراً بارقة أمل توحي بلقاء قريب.
في غياهب السجن كان الأمل صورة متخيلة لها، لما ستكون عليه عندما تولد، ومناغاة لا تنقطع لثغرها الباسم، حتى بكاؤها كان يحضر ترنيمة قدسية تحمله الى الفضاء الرحب.
بدا مبتسماً وهو يتذكر كيف كان يسمع وقع خطواتها الأولى. كان خيالاً محسوساً يقسم لزملائه بأنه كان حقاً يسمع، وحقاً يرى، وحقاً يشعر بملمس يديها الطريتين.
مرت سنوات، وخياله يواكب تدرّج شهور عمرها وسنواتها الغضة، حتى وصلته منها وريقة بخط يدها، مرفقة بصورة لملامحها الحقيقية. لم تكن الصورة بعيدة عن الخيال.
"بابا أنا بحبك، وناطرتك".
كلمات صارت تميمة تنثر الفرح على جنبات السجن، وتحوّل السنين العجاف واحة ينبت على جنباتها الخير.
ارتفع الصخب حوله. التفت. إنه القائد يتقدم لتحيته ورفاقه.
انسلّ من أفكاره وابتسم. احتضن القائد بوجع السنين الماضية وبكى.
قبل أن يرفع رأسه عن كتفه، مسح دمعه وعاد يبتسم من جديد.
انتهت مراسم الاستقبال. تفرّق رفاق السجن والنضال. كلٌّ الى حياة تنتظره. بين الجموع لمح زوجته وأمه تحاولان التقدم باتجاهه، وعاد خياله الى جنوحه. لمحها تركض بينهما ممسكة بثوب أمها.
عاد يبتسم من جديد.
حرارة اللقاء بالأم والزوجة لم تبعدها عنه. خطا بضع خطوات نحو سيارة كانت في انتظارهم. وقبل أن يرمي ثقل جسده على المقعد قال: "خذوني إليها". صمت الجميع. ومن دون أن ينبس أحد بكلمة، انطلقت السيارة في شوارع لم يلحظ تغير ملامحها لأنه لم يكن يرى سوى وجهها يتراقص أمامه، بلقطات متعددة تلخص نشأتها من الولادة حتى سن الثانية عشرة.
توقفت السيارة. نزل منها ومشى، يقوده حزن دفين وألم صارخ، تلفّت يميناً ويساراً. لمحها. تقدّم وصدره يعج بالأنين.
كانت صورة معلّقة على شاهد قبر. ضمها في غفلة من الزمن.