صفحة من مذكرات الطفولة: أبو الوفا

د.ماجدة غضبان المشلب قرأها 763

صفحة من مذكرات الطفولة: أبو الوفا

كان اسمه أبو الوفا، واسم خطيبته التي حدّثني عنها والتي كانت تعيش معه في شقته في لبنان ماجدة، لم يخاطبني أبدا كطفلة، فقد سمّاني منذ اليوم الأول الذي حّ به ضيفاً على بيت خالي الآنسة ماجدة، وقد أشعرني هذا بشكل خفي وغير مكشوف حتى بالنسبة لي أنني أنثى.

ربّما كان حبي الأول، لا زلت أذكر وجهه الأسمر وجسده المشدود الممشوق، مثلما أذكر الحفرة المستطيلة العميقة في فخذه، حين كشف عنها أمام جدتي وقصّ عليها كيف أجبره الإسرائيليون أن يأكل لحم فخذه نيئا، كان يرتدي زي السبعينيات الذي يكشف عن ذكورة صارخة، قميص ملتصق بشدّة بظهره مفتوحاً من الأمام ليظهر صدره المكسو بالشعر الكثيف، تتدلّى بين غابات الشعر المثيرة قلادة ذهبية منحوتة على شكل خارطة لبنان، وممّا زاد في تعلقي به تلك الخصل السوداء الكثيفة التي استرسلت حتى كتفيه، في زمن كانوا يدعونها الخنافس، وبنطاله الضيق الذي يتّسع أسفل الركبة كثيراً (جارلس).

لا اعرف حتى هذه اللحظة كيف تجرأت أن اأسمح  لكل هذه المشاعر أن تعتمل في صدري، ولم اكن سوى طفلة بعد لم أتجاوز العاشرة من عمري، أو كيف سمح خيال طفلة أن يقحم نفسه في عالم الكبار النائي ويسمّي هذا حبّاً. كنت أرتعد حين أراه، وأشعر أنني السندريلا الثانية في الكون عندما يحدّثني بجدّية عن الأوضاع في لبنان وكتاب رأس المال لماركس والمادية الديالكتيكية، بعد أن أخبره خالي أنني قارئة نهمة وأنه يعوِّل عليّ وعلى أمثالي أن نحمل الرايات إذا غيّبهم الموت.

كان موفداً من الحزب الشيوعي اللبناني، عاد مع خالي الذي أُوفد أيضاً من قبل الحزب الشيوعي العراقي إلى لبنان، كان هناك الكثير من الحديث عن السياسة أمام طاولة الشراب وما يصاحبها من وجبات خفيفة، وكان أيضاً الكثير من الحديث عن الحب والمرأة وحقوقها وخطيبته السعيدة الحظ كما كنت أراها ماجدة، لم يحددوا موعدا للزواج ولكنهم كانوا على يقين أنّ هنالك موعداً مع الموت في كل لحظة.

ألموت، هذه النهاية التي تبدو الآن مهولة وبائسة، لم تكن كذلك حين يتحدث أبو الوفا عن القضية والتفاني في سبيلها والنضال مهما كلّف الأمر للوصول إلى مرفأ آمن لم يكن يبدو له قريبا.ً

عندما سافر لم أجد الجرأة لاسأل خالي عنه، لكني كنت أتسلل خلسة إلى غرفته حين يكون غائبا لأقبِّل صورة أبو الوفا الموضوعة في الدرج مع كثير من الصور الأخرى.

حتى هذه اللحظة وبعد مرور أكثر من خمس وثلاثين عاماً يرتجف قلبي منتشياً. أعلم أنّه قد استشهد في إحدى المعارك مثلما غُيِّب خالي وأُذيب بعد أن مات في زنزانة التعذيب بماء الذهب، كأنّهم يخشون قيامته كالمسيح، لكنني لا زلت أرى أبو الوفا العشق الذي لم ولن يتكرّر، العشق الذي يأخذ في القلب حيِّزه الاخضر، وما أظنني أجد في القلب أكثر من حيِّز مزهوٍ بخضرته صيفاً وشتاءاً مثل الذي أقام فيه أبو الوفا ليذكرني ببهجة الأيام الحالمة، أيام العالم البيضاء التي زخرت بأنتصار الشعوب على الطغاة.

لقد أبهجتني دوماً يا بو الوفا، لم أرضخ يوماً، ولم أساوم على قلبي، لم أنسَ أبداً أنني آنستك منذ تلك الأيام التي حللت فيها ضيفاً على بيت خالي، وسأكون كذلك.. وإن لم أكن أشدّ وفاء منك لنفسك ولمبادئك وللوطن.

صدق من سمّاك أبو الوفا!