مائة كتاب وألف مقالة وسبعة أولاد – تراث عيسى اسكندر معلوف

جان دايه قرأها 6
 

عيسى إسكندر المعلوف في يوبيله الذهبي

يخرج مخطوطته «تاريخ الأسر الشرقية» في 14 مجلداً

ولد عيسى اسكندر المعلوف في مصيف «كفرعقاب» اللبناني عام 1869 وتوفي سنة 1956. وبعملية حسابية بسيطة، يمكن القول انه عاش 87 سنة، لكن أعماله ترجح انه عاش 174 سنة، والتي بالكاد تكفي لتأليف مائة كتاب، ونشر ألف مقالة ودراسة، والتدريس في عدة ثانويات، وتأسيس دوريتين وإدارة تحرير جريدة يومية، والانتماء لأربعة مجامع علمية، ورعاية عائلة مؤلفة من زوجة وخمسة أولاد وابنتين.

دشن عيسى اسكندر المعلوف حياته العملية بتدريس العربية في مدرسة الآباء اليسوعيين. وفي اوائل العام 1891، اصبح «كاتب إدارة جريدة لبنان» وهي العبارةRRRRRRRTGHJK776.jpg الملازمة لاسمه في كل مقال له في باكورة صحف جبل لبنان، والتي لا تترادف مع أية تسمية لأية وظيفة صحافية في عصرنا الحديث. ذلك انه كان محرر الجريدة الاول، ومصحح مقالاتها وأخبارها، وواضع عناويها ومانشيتاتها، ومراقب بروفات صفحاتها. صحيح ان بعض تلك المسؤوليات، وبخاصة إدارة التحرير، كان يقوم بها صاحب الصحيفة كما فعل خليل سركيس في «لسان الحال»، وخليل الخوري في «حديقة الأخبار»، والاخوان بشارة سليم تقلا في «الأهرام»، ولكن الصحيح ايضاً ان صاحب «لبنان» إبراهيم الأسود، كان ثرياً وحائزاً لقب الباكوية من الباب العالي، ولذلك اكتفى بكتابة الافتتاحية، او تتويجها باسمه باعتبار ان المعلوف كان يكتبها له، على حد تأكيد الخبثاء. ومنذ العدد الثاني، الصادر في 24 يناير (كانون الثاني) 1891، بدأت مساهمات المعلوف التحريرية بالظهور. وتحت عنوان سجعي «حياة البلاد في الكدِّ والاجتهاد»، أكد الكاتب وبعبارات سجعية أيضاً ان «الوقت قد حضر، والعلم قد انتشر، فلنبادر للجد والاجتهاد في سبيل ترقي البلاد، ولو كابدنا عرق القربة، ونحن، والحمد لله، قد منحنا من القوى العقلية والاستعدادات الأدبية، ما يمكننا من زيادة تحسين الاحوال لنخلف لمن بعدنا الآثار التي تذكر فتشكر».

انتقل المعلوف من قريته الى مدينة بعبدا ـ مقر السراي الحكومي، عازباً، وغادرها متزوجاً من نسيبته عفيفة المعلوف. ولعل زواجه من زحلاوية دفعه الى استيطان زحلة التي استأنف فيها مهنة التدريس ورسالة الصحافة. فقد التحق في عام 1900 بـ «الكلية الشرقية» الشهيرة ودرّس فيها العربية والانجليزية والرياضيات. وأسس داخل الكلية مجلة «المهذب» التي صدر العدد الاول منها في غرة 1901، وقد صدّر ترويسة كل عدد بهذين البيتين:

عن الإهمــال يا تلميذ نكب فأنت اذا تركت العلم مذنب

تهَـذبـك المدارس باعتنـاء أدام الله في الدنيا «المهذب»

كانت «المهذب» في البداية "جريدة" تكتب بخط اليد، لكن رئيس الكلية الخوري بولس الكفوري انتقل بها الى دورية تصف بالاحرف، وتطبع وتنافس المجلات البيروتية. والجدير ذكره ان الكفوري الذي تأثر بشبلي شميّل وجبران وامين الريحاني، نشر عدة مقالات سياسية واجتماعية ادت بكاتبها الى ترك المؤسسة الدينية. اما سر إطلاق اسم «جريدة» عليها، فيعود الى عدم رواج مصطلح «المجلة» وقتذاك، والذي أطلقه في ما بعد اللغوي الشهير إبراهيم اليازجي. ومن طرائف المعلوف في «المهذب» ما نشره تحت عنوان «شين الكشكشة» حيث روى الآتي: «كان ولد يقرأ على والده بعض مبادئ العلوم. وكان الوالد صارماً عليه، حتى انه اذا غاب عنه لا يستطيع ان ينقطع عن درس امثولته. فجاءته أخته بالطعام ووضعته على بعد منه وذهبت. وكان أبوها غائباً. فدخلت دجاجة وبدأت تأكل من طعامه. فاضطر الى طردها ولم يستطع الى ذلك سبيلاً بدون قطع القراءة. وكان قد وصل الى كلمة أكرمتك، فانتبه الى الحاق شين الكشكشة بها وقال: أكرمتكش، وشدد الشين، فهربت الدجاجة». والى جانب الطرائف، نشر المعلوف في «المهذب» فصولاً من تاريخ المدينة التي أحبها وغناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، حيث توسع فيها ونشرها في كتاب مستقل بعنوان «تاريخ مدينة زحلة» في عام 1911. وتدرج المعلوف في الصحافة وفق نظرية النشوء والارتقاء الداروينية التي اعتنقها رئيس الكلية الأب الكفوري بعد مراسلات مع رافع لوائها في العالم العربي الدكتور شبلي شميّل. فمن محرر في صحيفة، الى مؤسس لمجلة مدرسية، أصدر المعلوف مجلة «الآثار» الشهرية في زحلة حيث ظهر عددها الاول في يوليو(تموز) 1911 وقد طعّم الافتتاحية، كعادته، بهذا البيت من الشعر:

تلك آثــارنا تدل علينا فانظروا بعدنا الى الآثار

* وعلى ذكر الآثار، فقد صدف تولِّي ابن خاله الياس فارس المعلوف ادارة ورشة المستشرق الألماني البارون فون اوبنهايم في التنقيب عن آثار «تل حلف» وأماكن أخرى تقع بين حلب والحدود العراقية. كان الياس المعلوف يكتب عن المكتشفات ويرسل مسوداتها من حلب الى والده في لبنان عرف عيسى المعلوف بالامر، فطلب منه تزويده بنسخ عن كتاباته لينشرها في مجلته.

ولما كان عقد الياس المعلوف مع اوبنهايم يقضي بترجمة أبحاثه الآثارية الى الفرنسية مقدمة لنشرها من قبل البارون الالماني في كتب تحمل اسمه، فلم يكتفِ بالاعتذار من ابن عمته، بل هو ضمّن إحدى رسائله لوالده بأن لا يُطْلِع احداً على الرسائل وبخاصة ابن عمته. والجدير ذكره، ان عيسى المعلوف، نوه بدور نسيبه بكشف الآثار في سياق محاضرته في حلب التي اضاء خلالها على محتويات المتحف الحلبي الوطني، وقد نشرت المحاضرة في مجلة «المكشوف» بتاريخ 23 سبتمبر(ايلول) 1936.

توقفت المجلة عن الصدور إبان الحرب العالمية الاولى. وإثر انتهاء الحرب، انتقل الى دمشق ليتولى وظيفة في «شعبة الترجمة والتأليف» في عهد الملك فيصل الاول عام 1920. لم تكن تلك المرة الاولى التي زار فيها المعلوف عاصمة الأمويين. قد سبق له أن أسس للبطريركية الأرثوذكسية مجلة «النعمة» الشهرية بايعاز من «بطريرك العرب» غريغوريوس حداد. ولكن اقامته الثانية في دمشق طالت بضع سنوات، وكان من ثمراتها اشتراكه في تحويل شعبة الترجمة والتأليف الى «مجلس معارف» وتطوير الأخير الى ما اصبح يعرف بالمجمع العلمي العربي، بعد سقوط الحكم الفيصلي في معركة ميسلون.

وكرّت سبحة تأسيسيه او انتسابه الى المجامع العلمية. ففي عام 1928، اشترك مع نخبة من ادباء وأكاديميين لبنانيين في تأسيس «المجمع العلمي اللبناني» في بيروت. وفي سنة 1934 انتمى الى مجمع فؤاد الاول في القاهرة، واصبح عضواً مراسلاً، ولكنه كان يزور القاهرة ويحضر بعض الاجتماعات ويحاضر وينشر مقالات لغوية في مجلة المجمع.

أكثر من ذلك، فالمعلوف اصبح أيضاً عضواً في مجمع التاريخ والآداب في مدينة نيتواري التابعة لولاية ريو دي جانيرو البرازيلية. وبعد عام، انتسب الى المؤتمر العام للادب العربي في تونس، واكتفى بمراسلة المؤتمرين.

ورغم كتاباته الكثيفة في دوريات بيروت ودمشق والقاهرة والبرازيل، واشتراكه في المجامع العلمية اللغوية، وتوليه التدريس في الكليات والثانويات، فقد اصدر المعلوف 19 كتاباً، احدها باسم «دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف» ويتألف من 750 صفحة من القطع الكبير. وشملت مضامين الكتب السير والتاريخ واللغة العربية.

ولكن نتاجه المخطوط وصل الى الرقم 62، وبعض المخطوطات توزع على عدة اجزاء، وبخاصة مخطوطة «الأخبار المدونة والمروية في أنساب الأسر الشرقية» المؤلفة من 14 مجلداً. واذا كان افضل تكريم للمبدعين هو نشر نتاجهم المخطوط، فقد استعاض حفيده الباحث والاكاديمي فواز طرابلسي عن اقامة احتفال خطابي لتكريم جده بمناسبة يوبيله الذهبي، بنشر المخطوطة المذكورة تحت عنوان «تاريخ الأسر الشرقية» حيث يصدر قريباً الجزء الأول منها والخاص بلبنان. وبالمناسبة، فقد يتساءل الباحث او القارئ عن سرّ تمكن رجل واحد من إنجاز تلك الاعمال الضخمة ومنها المخطوطات. لعل بعض السر يكمن في ان المعلوف كان ينتهز فرصة اشتراكه في تحرير الدوريات، فينشر أبحاثه التاريخية والأدبية واللغوية في حلقات، ثم يعيد جمعها وينقحها ويضيف اليها، لتصبح جاهزة للنشر في كتاب. وهو بدأ هذا النهج في جريدة «لبنان» حيث نشر حوالى عشرين حلقة تحت عنوان «في الزراعة» بدءاً من العدد الصادر في 18 يوليو (تموز)1891. ولم يطوِ صفحة نهجه في عام 1936 عندما نشر بعض مخطوطة «تاريخ سورية المجوفة» المؤلفة من الف صفحة في مجلة «قب الياس» التي أصدرها الأديب رزق الله في عام 1936.ومن إنجازات عيسى المعلوف، المكتبة الخاصة التي أسّسها في منزله، وضمنها آلاف الكتب والمخطوطات، وعشرات مجلدات الدوريات العربية. وهذه المكتبة التي استمرت ونمت حتى اليوم، تعتبر من اعرق المكتبات الخاصة في لبنان، الى جانب مكتبات قليلة اخرى مثل مكتبة يوسف ابراهيم يزبك في حدث بيروت، ومكتبة عبدو مرتضى الحسيني في بعلبك، ومكتبة رشيد الاشقر في ديك المحدي.

يبقى ان احد انجازات عيسى اسكندر المعلوف، ابناؤه الثلاثة الشعراء فوزي وشفيق ورياض. فقد علّمهم نظم الشعر، الذي اتقنه وكتب العديد من القصائد حيث جمعها في ديوانه المخطوط «بنات الأفكار». ولكن الأبناء تفوقوا على أبيهم، لأنهم كانوا موهوبين في هذا اللون الأدبي، في حين تجلت موهبته في البحث التاريخي واللغوي. ولكن ابنه البكر فوزي مات قبل بلوغه الثلاثين. وكان موته دافعاً لوضع مخطوطة «سفر الأحزان».

DFGHJIUY87654RTGYHUJHYGTFR.jpg